لم تكن الحرب بالنسبة إلى مجدي الأيوبي مجرد أصوات قصف ودخان يتصاعد من المباني، بل تحولت إلى سلسلة متواصلة من الخسارات، بدأت بفقدان والدته وزوجته الحامل، وانتهت برحيله هو الآخر، تاركا خلفه حكاية تختصر جانبا من المآسي الإنسانية التي يعيشها المدنيون في غزة.
كان مجدي، الأسير المحرر، داخل منزله في حي الزيتون برفقة والدته وزوجته، التي كانت في شهرها الأخير من الحمل، عندما دخلت الدبابات إلى المنطقة، كانت الأسرة تنتظر طفلا جديدا، وكان يفصلها عن لحظة الولادة وقت قصير، قبل أن تنقلب تفاصيل الحياة اليومية إلى مأساة.
وبحسب أسرته، حاصر الاحتلال مجدي داخل المنزل، قبل أن يتعرض للاعتقال والتعذيب، وفي تلك الأثناء، أُجبرت والدته وزوجته على التوجه شمالا، قبل أن تفقدا حياتهما.
مجدي الأيوبي
أم وزوجة وطفل لم يولد
بالنسبة إلى مجدي، لم يكن فقد والدته وزوجته مجرد حدث مر وانتهى، فقد كان عليه أن يعيش بعدهما، محملا بذكريات الأشخاص الذين كانوا يمثلون عائلته الأقرب، وكانت والدته جزءا من حياته، وزوجته تستعد لاستقبال طفلها في أيامها الأخيرة من الحمل، أما الطفل، فلم يحصل حتى على فرصة رؤية العالم.
لم يعرف مجدي كيف سيكون شكل طفله، ولا كيف سيكون صوته، ولا كيف ستتغير تفاصيل البيت بعد ولادته، كل ما بقي له هو الاحتمال؛ مستقبل كان يفترض أن يبدأ، لكنه لم يبدأ أبدا، ومنذ ذلك الوقت، عاش مجدي مع غياب ثلاثي، أم فقدها، وزوجة لم تعد، وطفل بقي حلمًا لم يكتمل.
كان يمكن أن تكون هناك صورة تجمع الأب والأم وطفلهما، وكان يمكن أن تبدأ حياة جديدة داخل البيت، لكن الحرب قطعت الطريق أمام كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تشكل عادة ذاكرة العائلات.
حين يصبح الفقد حياة كاملة
تقول أسرته إن ما مر به مجدي ترك أثرا عميقا في حياته، فقد اضطر إلى مواصلة أيامه بينما الأشخاص الذين كان يفترض أن يشاركهم تفاصيلها لم يعودوا موجودين.
في مثل هذه الحكايات، لا يقاس الفقد بعدد الأشخاص الذين رحلوا فقط، وإنما بعدد اللحظات التي لن تحدث، طفل لن ينادى باسمه، أم لن ترى حفيدها، وزوجة لن تحمل طفلها بين ذراعيها، وزوج لن يعيش السنوات التي كان يتخيلها مع أسرته، ثم جاءت النهاية التي أعادت مجدي إلى دائرة الفقد مرة أخرى.
استشهد مجدي الأيوبي برفقة الفلسطيني حسام أبو العطا إثر قصف استهدف مركبتهما في منطقة تل الهوى، غرب مدينة غزة، وبذلك، أصبح الرجل الذي عاش سنوات يحمل ذكرى أمه وزوجته وطفله جزءا من ذاكرة الآخرين.
حكاية لا تختصرها أرقام الضحايا
في الأخبار، قد يتحول موت شخص إلى سطر قصير، اسم، ومكان، وتاريخ، لكن خلف كل اسم حياة كاملة، وخلف اسم مجدي الأيوبي أم كانت تنتظره، وزوجة كانت تنتظر مولودها، وطفل لم يولد، وبيت كان ينتظر أن تمتلئ أركانه بصوت جديد.
رحل مجدي بعدما حمل هؤلاء في ذاكرته طويلا، ولم يبق من الحكاية سوى أسماء وصور وذكريات، وربما أشياء صغيرة لا يعرف أحد قيمتها إلا أصحابها، ملابس أُعدت لطفل لم يأت، صورة لعائلة لم تكتمل، وذكريات رجل ظل يعيش مع غياب أحبته حتى أصبح هو نفسه غائبا.
وهكذا، لا تبدو قصة مجدي الأيوبي قصة موت فرد واحد، بقدر ما تبدو قصة عائلة انقطعت حلقاتها واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبق منها سوى الحكاية، أم رحلت، وزوجة غابت وهي تحمل طفلا لم ير النور، ورجل عاش يحمل فقدهما، ثم لحق بهما.