لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة لنشر الصور والفيديوهات ومتابعة الأخبار وصناعة المحتوى، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة تشهد وقائع تتجاوز حدود «الترند» لتصل في بعض الأحيان إلى أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم، مع ظهور أنماط جديدة من الجرائم ارتبطت بشكل مباشر بالعالم الرقمي.
ففي الوقت الذي ساهمت فيه منصات التواصل في سرعة تداول المعلومات وكشف بعض الوقائع التي ربما كانت ستظل بعيدة عن الأضواء، أصبحت المنصات نفسها مسرحًا لوقائع إجرامية تبدأ بمنشور أو مقطع فيديو، وتنتهي ببلاغ وتحريات وضبط متهمين وإحالتهم إلى جهات التحقيق.
من «الترند» إلى محضر الشرطة
اللافت في العديد من الوقائع أن البداية لم تعد بالضرورة من بلاغ تقليدي، وإنما من مقطع فيديو متداول أو منشور يثير تفاعل المستخدمين، قبل أن ترصد الأجهزة الأمنية الواقعة أو يتقدم أحد أطرافها ببلاغ، لتبدأ بعدها رحلة التحقق من حقيقة المحتوى وتحديد أطراف الواقعة.
وهنا يتحول «الترند» من مجرد مادة يتداولها مستخدمو مواقع التواصل إلى خيط يقود إلى كشف ملابسات واقعة، خاصة عندما يتضمن المحتوى أفعالًا تمثل جريمة أو اعتداءً على حقوق الآخرين أو تهديدًا للأمن العام.
جرائم ولدت من رحم العالم الافتراضي
ومع اتساع استخدام مواقع التواصل، ظهرت صور متعددة للجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي، من بينها الابتزاز الإلكتروني، وانتحال الصفات، والنصب والاستيلاء على أموال المواطنين، واستخدام الحسابات الوهمية، والتشهير والسب والقذف، فضلاً عن التهديد ونشر محتوى مخالف للقانون.
كما امتدت الظاهرة إلى جرائم تبدأ خارج الإنترنت ثم تنتقل إليه، عندما يستخدم أحد أطراف الواقعة مواقع التواصل لنشر مقاطع أو صور أو معلومات بهدف الضغط على الطرف الآخر أو التشهير به أو التأثير على الرأي العام.
وفي بعض الحالات، تتحول المنصة إلى أداة لتوثيق الجريمة ذاتها، بعدما يقدم مرتكبو بعض الوقائع على تصوير أفعالهم ونشرها بحثًا عن المشاهدات والتفاعل، دون إدراك أن هذا المحتوى قد يتحول لاحقًا إلى دليل تستند إليه جهات التحقيق في كشف تفاصيل الواقعة وتحديد مرتكبيها.
«المشاهدات» في مواجهة المسؤولية القانونية
المشكلة لا تقف عند مرتكب الجريمة، وإنما تمتد أحيانًا إلى طريقة تعامل المستخدمين مع المحتوى المتداول، إذ قد يؤدي إعادة نشر مقطع يتضمن اعتداءً أو تشهيرًا أو اتهامات غير ثابتة إلى توسيع نطاق الضرر، وتحويل واقعة محدودة إلى قضية رأي عام على منصات التواصل.
وبينما يعتقد البعض أن النشر عبر حساب شخصي يمنح صاحبه مساحة كاملة من الحرية، فإن استخدام المنصات الرقمية لا يعني الخروج من نطاق المسؤولية القانونية، خاصة عندما يتضمن المحتوى أفعالًا مجرمة أو اعتداءً على حقوق وحريات الآخرين.
السوشيال ميديا.. سلاح ذو وجهين
أصبحت مواقع التواصل خلال السنوات الماضية ذات تأثير مزدوج؛ فهي من ناحية وسيلة سريعة لكشف الوقائع وتوثيق الأحداث والوصول إلى المعلومات، ومن ناحية أخرى يمكن أن تتحول إلى أداة تستخدم في ارتكاب الجريمة أو تسهيلها أو الترويج لها.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتحول الرغبة في الانتشار إلى دافع لتجاوز الحدود، فيسعى البعض إلى صناعة محتوى مثير بغض النظر عن تبعاته، بينما يراهن آخرون على سرعة انتشار المقاطع والمنشورات للهروب من المسؤولية أو الضغط على الضحايا.
التحقيقات تبدأ من الشاشة
في كثير من الوقائع المرتبطة بمواقع التواصل، لا تتوقف جهات التحقيق عند مشاهدة المقطع المتداول، وإنما تمتد الإجراءات إلى فحص المحتوى والتحقق من توقيت نشره ومصدره، والاستماع إلى أطراف الواقعة وشهودها، وإجراء التحريات اللازمة لكشف ملابساتها، وصولاً إلى تحديد المسؤول عن ارتكاب الأفعال محل الفحص.
وهكذا أصبحت الشاشة في بعض القضايا نقطة البداية، بينما تظل النيابة والمحكمة هما صاحبا الاختصاص في تحديد المسؤولية القانونية وفق الأدلة والتحقيقات والقواعد المقررة قانونًا.
عندما يصبح «الترند» بداية للقضية
المشهد الجديد الذي فرضته مواقع التواصل يمكن تلخيصه في انتقال بعض الوقائع من دائرة التفاعل الإلكتروني إلى المسار الجنائي؛ منشور يجذب آلاف المشاهدات، ثم مقطع ينتشر على نطاق واسع، ثم بلاغ أو تحريات، وبعدها تحقيقات وقرارات من جهات التحقيق.
وبينما تستمر منصات التواصل في تغيير شكل العلاقة بين المواطن والمعلومة، يبقى التحدي الحقيقي في كيفية التعامل معها باعتبارها فضاءً عامًا له تأثير مباشر في الواقع، وليس عالمًا افتراضيًا منفصلًا عن القانون.
فما يبدأ على الشاشة بكبسة زر، قد ينتهي في بعض الحالات داخل محاضر الشرطة وأوراق النيابة وملفات المحاكم، لتصبح المسافة بين «الترند» والقضية الجنائية أقصر مما يتصور كثيرون.