يدرس علماء الآثار في المكسيك مجموعة فريدة من القلائد المصنوعة من الأصداف البحرية التي تعود إلى حقبة ما قبل الغزو الإسباني، والتي من شأنها تقديم رؤى جديدة حول شبكات التجارة القديمة لشعب "المايا"، وممارساتهم الطقسية، ومعارفهم التقنية، وتم استخراج 14 قلادة ذات أشكال حيوانية من مدافن جنائزية أثناء أعمال الإنقاذ الأثرية المرتبطة بمشروع "قطار المايا" العملاق في ولايتي كامبيتشي ويوكاتان، وفقا لما نشره موقع heritagedaily.
هندسة دقيقة لرموز الطبيعة
يعود تاريخ هذه القطع الأثرية إلى الفترة الكلاسيكية المتأخرة لحضارة المايا (650-900 م)، وهي منحوتة بالكامل من الصدف البحري لتجسيد "الضفادع والعلاجيم"، وتتميز هذه القلائد، التي يتراوح طولها بين 2 و4 سنتيمترات فقط، بدقة صناعتها، إذ صُقلت بعناية واستُخدمت فيها تقنيات حفر وتخديد متطورة، مع خلوّها من تفاصيل الأطراف، وظهور ثقبين مخروطيين دقيقين للتعليق.
وصرحت وزيرة الثقافة المكسيكية، كلوديا كورييل دي إيكازا، قائلة: "هذه القطع الصغيرة تمنحنا معلومات هائلة عن طرق التجارة القديمة، والمعرفة التقنية، وكيفية فهم مجتمعات المايا لعلاقتها بالطبيعة، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للبحث الأثري".
رسل المطر وبوابة العالم السفلي
لا تقف قيمة هذه القلائد عند مظهرها الجمالي، بل تحمل عمقاً عقائدياً دقيقاً؛ فالضفادع نُحتت في وضعية مقلوبة "رأساً على عقب"، وهي محاكاة قارنها العلماء برسومات "مخطوطة مدريد" القديمة المرتبطة بـ استمطار السماء.
وأوضحت عالمة الآثار ماريا إلوديا أسيفيدو تشين أن البرمائيات احتلت مكانة مقدسة في فلسفة المايا لارتباطها بالماء والأمطار الموسمية، حيث كان يُنظر إليها كمعبودات ورسل للمطر، وحلقات وصل بالعالم السفلي ومفاهيم الولادة الجديدة والخصوبة، مما جعلها جزءاً أساسياً من الطقوس الزراعية والتضحيات.
كما أن مادة "الأصداف" نفسها كانت رمزاً للمياه ومؤشراً على المكانة الاجتماعية الرفيعة، واستُخدمت في صناعة الحلي الفاخرة كالصدريات والآلات الموسيقية.
قرابين جنائزية للأطفال وشبكات تجارة ممتدة
عُثر على هذه القطع في مواقع أثرية هامة مثل ساكاموي، ودزيتبالتشي، وشيول، وكيمبيلا، وكاناب. وعلى الرغم من أن الفحوصات مستمرة لتحديد طبيعة أصحاب المدافن، إلا أن الباحثين يرجحون فرضية قوية تفيد بأن هذه القلائد دُفنت كـ قرابين جنائزية مخصصة للأطفال، نظراً للعثور على تمائم صدفية حيوانية مماثلة في مقابر رضع بأماكن أخرى من المنطقة.