كيف أصبحت الأساطير اليونانية جزءا من أدب آن كارسون؟

الخميس، 08 أكتوبر 2026 04:17 م
كيف أصبحت الأساطير اليونانية جزءا من أدب آن كارسون؟ الكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2026

أحمد إبراهيم الشريف

احتلت الأساطير اليونانية مكانة مهمة في أعمال الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، إذ استعادت شخصيات وحكايات تعود إلى آلاف السنين، وأعادت تقديمها في نصوص شعرية وروائية ومسرحية تتناول الحب والفقد والهوية والعلاقات الإنسانية، لتصبح الأسطورة واحدة من أبرز العناصر التي شكلت تجربتها الأدبية، ومنحت أعمالها خصوصية جمعت فيها بين التراث الكلاسيكي وأساليب الكتابة المعاصرة.

وعرفت آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026، باهتمامها المبكر بالأدب اليوناني القديم، الذي درسته أكاديميًا وتخصص في لغاته ونصوصه، قبل أن تنطلق منه إلى كتابة عدد من أبرز مؤلفاتها. ووفقًا لدار نشر «بنجوين راندوم هاوس»، فقد أعادت في روايتها الشعرية «سيرة ذاتية للأحمر» تقديم أسطورة يونانية قديمة في حكاية معاصرة عن النضج والحب واكتشاف الذات، وهو الاتجاه الذي ظهر في عدد من أعمالها الأخرى، ومنها «أنتيغونيك» و«نورما جين بيكر الطروادية».

 

من أين جاء اهتمام آن كارسون بالأساطير اليونانية؟

بدأ ارتباط آن كارسون بالأدب اليوناني من خلال دراستها للغات الكلاسيكية، حيث تخصصت في اللغة اليونانية القديمة والأدب الذي كُتب بها، واهتمت بنصوص الشعراء والفلاسفة والمسرحيين الذين شكلوا جانبًا مهمًا من تاريخ الثقافة الغربية.

وقد منحتها هذه الدراسة معرفة واسعة بالملاحم والأساطير والمسرحيات اليونانية، وأتاحت لها قراءة النصوص بلغتها الأصلية، والتعرف على الاختلافات بين الروايات المتعددة للحكايات القديمة، وكيف انتقلت الشخصيات الأسطورية من شاعر إلى آخر.

وانعكس هذا الاهتمام على كتاباتها، حيث أصبحت النصوص اليونانية مصدرًا تستلهم منه الشخصيات والأحداث، وتعيد من خلاله طرح أسئلة تتعلق بالإنسان ومشاعره وعلاقته بالآخرين. واستفادت كارسون من معرفتها بهذه النصوص في تقديم ترجمات ودراسات أدبية، إلى جانب أعمال إبداعية أعادت فيها كتابة الحكايات القديمة، ومنحت شخصياتها ملامح معاصرة.

 

سيرة ذاتية للأحمر.. كيف تحول الوحش الأسطوري إلى بطل روائي؟

تعد رواية «سيرة ذاتية للأحمر»، الصادرة سنة 1998، من أبرز أعمال آن كارسون التي تكشف عن علاقتها بالأساطير اليونانية، وقد صدرت ترجمتها العربية عن دار نينوى، بترجمة مأمون الزائدي. واستلهمت كارسون العمل من أسطورة جيريون، وهو وحش ارتبط اسمه بقصة البطل اليوناني هرقل، الذي كُلف ضمن أعماله الاثني عشر بالاستيلاء على ماشية جيريون، وانتهت المواجهة بينهما بمقتل الأخير.

وقد تناول الشاعر اليوناني ستيسيخوروس حكاية جيريون في قصيدته القديمة «جيريونيس»، التي لم يبق منها سوى أجزاء متفرقة، وكانت هذه القصيدة أحد المصادر التي عادت إليها كارسون في بناء روايتها. وتقدم الكاتبة شخصية جيريون بصورة مختلفة، حيث يصبح فتى أحمر ذا جناحين، يعيش في عالم معاصر، ويواجه مشكلات تتعلق بالأسرة والحب والاختلاف والبحث عن الذات.

كما تتحول علاقته بهرقل من مواجهة أسطورية بين بطل ووحش إلى علاقة عاطفية معقدة، تكشف عن مشاعر الرغبة والانكسار والألم. وتحافظ الرواية على عدد من الملامح المرتبطة بالشخصية الأسطورية، ومنها اللون الأحمر والجناحان، بينما تقدم حياة جديدة للشخصية، تقوم على تجارب إنسانية معاصرة. ومن خلال هذا التحول، يصبح جيريون شخصية قادرة على التعبير عن مشاعر الإنسان الذي يرى نفسه مختلفًا عن الآخرين، ويحاول العثور على مكانه داخل العالم.

 

لماذا اختارت كارسون جيريون بدلًا من هرقل؟

من الجوانب اللافتة في «سيرة ذاتية للأحمر» اختيار آن كارسون شخصية جيريون لتكون محور الحكاية، بعدما ارتبطت الأسطورة القديمة باسم هرقل، بوصفه البطل الذي يواجه الوحش وينتصر عليه. وقد أتاحت هذه المعالجة للكاتبة تقديم الأحداث من وجهة نظر الشخصية التي تعرضت للهزيمة في الرواية الأسطورية، وإعادة النظر في الطريقة التي تتشكل بها صورة البطل والخصم داخل الحكايات القديمة.

وفي الرواية الجديدة، يمتلك جيريون مشاعره وأحلامه وعلاقاته الخاصة، ويصبح محور الأحداث التي تدور حول تجربته في الحب واكتشاف الذات. كما تستخدم كارسون التصوير الفوتوغرافي بوصفه أحد اهتمامات جيريون، حيث يجد في الكاميرا وسيلة للتعبير عن نفسه ومراقبة العالم، وهو عنصر معاصر يضاف إلى الشخصية المستمدة من الأسطورة.

وتكشف هذه المعالجة عن الطريقة التي تعاملت بها الكاتبة مع التراث اليوناني، حيث حافظت على جذور الحكاية، وأعادت بناء الشخصيات والأحداث لتقديم رؤية أدبية مختلفة.

 

أنتيغونيك.. مأساة يونانية بلغة معاصرة

في عام 2012، قدمت آن كارسون عملها  أنتيغونيك (Antigonick)، الذي أعادت فيه تقديم مأساة «أنتيغونا» للكاتب المسرحي اليوناني سوفوكليس، وهي من أشهر المسرحيات التي تناولت الصراع بين السلطة السياسية والواجب الأخلاقي.

وتدور الحكاية الأصلية حول أنتيغونا، ابنة أوديب، التي تقرر دفن شقيقها بولينيكيس، رغم قرار الملك كريون بمنع دفنه، لتدخل في مواجهة مع السلطة بسبب تمسكها بما تراه واجبًا عائليًا ودينيًا. وقد أعادت كارسون تقديم النص من خلال ترجمة ومعالجة لغوية حديثة، مع المحافظة على الشخصيات والصراع الأساسي الذي تقوم عليه المسرحية.

وتميز إصدار «أنتيغونيك» بطبيعته البصرية، حيث تضمن رسومًا للفنانة بيانكا ستون، وصفحات شفافة تسمح بتداخل الصور مع الكلمات، في تجربة جعلت شكل الكتاب جزءًا من العمل الأدبي. وتكشف هذه المعالجة عن اهتمام كارسون بتطوير طرق تقديم النصوص القديمة، وإيجاد علاقة بين اللغة والصورة والكتاب بوصفه عملًا فنيًا.

 

نورما جين بيكر الطروادية.. حين التقت هيلين بمارلين مونرو

ومن أكثر أعمال آن كارسون ارتباطًا بإعادة تقديم الأسطورة في سياق معاصر، مسرحية «نورما جين بيكر الطروادية  (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادرة سنة 2019. ويجمع العمل بين شخصية هيلين الطروادية، التي ارتبط اسمها بحرب طروادة في الأساطير اليونانية، والنجمة الأمريكية مارلين مونرو، التي ولدت باسم نورما جين مورتنسن، وعرفت في طفولتها باسم نورما جين بيكر.

وتستعين كارسون بالحكاية التي تناولها المسرحي اليوناني يوربيديس في مسرحية «هيلين»، والتي تقوم على تصور مختلف عن الرواية الشائعة لحرب طروادة، إذ تشير إلى أن هيلين الحقيقية لم تذهب إلى طروادة، وأن ما وصل إليها كان صورة أو شبحًا يشبهها. ومن خلال هذه الفكرة، تربط الكاتبة بين هيلين ومارلين مونرو، لتناقش الصورة التي يصنعها المجتمع عن المرأة، والعلاقة بين الجمال والشهرة والهوية. وتصبح الأسطورة في هذا العمل مدخلًا لقراءة الثقافة الحديثة، حيث تجتمع شخصية من التراث اليوناني مع واحدة من أشهر نجمات السينما في القرن العشرين.

 

إيروس: الحلو/المر .. الحب كما رآه الإغريق

يمثل كتاب «إيروس: الحلو/المر» (Eros the Bittersweet)، الصادر سنة 1986، جانبًا آخر من اهتمام آن كارسون بالأدب اليوناني، وقد وصل إلى القارئ العربي من خلال ترجمة نشرَتها دار صفصافة. ويتناول الكتاب مفهوم الحب والرغبة في الشعر والفلسفة اليونانية القديمة، مستعينًا بنصوص عدد من الشعراء والمفكرين، وفي مقدمتهم الشاعرة سافو.

وتنطلق كارسون من وصف الحب بأنه تجربة تجمع بين الحلاوة والمرارة، وما يرتبط بذلك من مشاعر اللذة والألم والاقتراب والافتقاد. وتبحث في العلاقة بين الرغبة والمسافة التي تفصل الإنسان عما يحب، وكيف تناول الأدب اليوناني هذه التجربة من خلال الصور الشعرية والتأملات الفلسفية. ويكشف الكتاب عن الطريقة التي استطاعت بها الكاتبة الاستفادة من دراستها الأكاديمية للنصوص القديمة في تقديم عمل يجمع بين البحث الأدبي واللغة الشعرية.

 

إن لم يكن فالشتاء.. إعادة تقديم شعر سافو

امتد اهتمام آن كارسون بالتراث اليوناني إلى ترجمة الشعر القديم، ومن أبرز أعمالها في هذا المجال كتاب «إن لم يكن، فالشتاء: شذرات سافو» (If Not, Winter: Fragments of Sappho)، الصادر سنة 2002.

ويضم الكتاب ترجمة للأجزاء الباقية من قصائد الشاعرة اليونانية سافو، التي عاشت في جزيرة ليسبوس خلال القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، واشتهرت بأشعارها التي تناولت الحب والرغبة والعلاقات الإنسانية. وقد واجهت كارسون في ترجمة هذه النصوص طبيعة المادة المتاحة، إذ لم يصل إلينا معظم شعر سافو كاملًا، وبقيت أجزاء من قصائدها محفوظة في برديات ومصادر قديمة.

واهتمت الكاتبة بالمحافظة على طبيعة النصوص المجزأة، وإبراز الفراغات التي خلفها ضياع أجزاء من القصائد، بما يسمح للقارئ بالتعرف على الشكل الذي وصلت به النصوص إلى العصر الحديث. وتكشف هذه التجربة عن اهتمام كارسون بالعلاقة بين الترجمة والتاريخ، وكيف يمكن التعامل مع النصوص القديمة التي وصل بعضها ناقصًا أو متفرقًا.

 

دروس الحزن .. إعادة قراءة مسرحيات يوربيديس

في عام 2006، صدر لآن كارسون كتاب «دروس الحزن: أربع مسرحيات ليوربيديس» (Grief Lessons)، الذي قدمت فيه ترجمتها لأربع مسرحيات للكاتب اليوناني القديم، وهي «هرقل» و«هيكابي» و«هيبوليتوس» و«ألكيستيس». وتتناول هذه المسرحيات موضوعات متعددة، بينها الموت والحزن والعلاقات الأسرية والانتقام والصراع بين الإنسان والقوى التي تتحكم في مصيره.

وقد أتاح العمل لكارسون العودة إلى أحد أبرز كتاب المأساة اليونانية، وتقديم نصوصه بلغة إنجليزية معاصرة، مع المحافظة على ما تحمله من تعقيدات إنسانية وفكرية. ويكشف هذا الكتاب عن جانب مهم من مشروعها، حيث جمعت بين الترجمة الإبداعية والاهتمام بالنص المسرحي، واستمرت في التعامل مع التراث اليوناني بوصفه مصدرًا غنيًا للحكايات والتجارب الإنسانية.

 

كيف غيّرت آن كارسون طريقة التعامل مع الأساطير؟

تكشف أعمال آن كارسون عن أكثر من طريقة للاستفادة من التراث اليوناني، فقد أعادت كتابة الأسطورة في رواية شعرية، وقدمت نصوصًا مسرحية بصيغ جديدة، وترجمت القصائد القديمة، ودرست المفاهيم التي تناولها الشعراء والفلاسفة.

وفي «سيرة ذاتية للأحمر»، تحولت شخصية الوحش إلى بطل إنساني معاصر، بينما أعادت في «أنتيغونيك» تقديم مأساة يونانية من خلال اللغة والصورة، وجمعت في «نورما جين بيكر الطروادية» بين الأسطورة القديمة وصورة المرأة في الثقافة الحديثة.

وتوضح هذه الأعمال أن اهتمام كارسون بالتراث الكلاسيكي ارتبط بمشروع أدبي يقوم على إعادة القراءة والتأويل، والبحث عن إمكانات جديدة للنصوص التي ظلت حاضرة في الثقافة الإنسانية عبر قرون طويلة. كما تكشف عن العلاقة بين دراستها الأكاديمية وتجربتها الإبداعية، فقد استطاعت أن تجعل معرفتها باللغات القديمة والأساطير والشعر اليوناني جزءًا من بنائها الفني، وأن تقدم أعمالًا تجمع بين أجناس أدبية مختلفة.

ومن هنا أصبحت الأساطير اليونانية جزءًا أساسيًا من أدب آن كارسون، ومصدرًا لشخصيات وحكايات أعادت من خلالها تناول قضايا الحب والفقد والهوية والسلطة والذاكرة، لتؤكد قدرة النصوص القديمة على اكتساب معانٍ جديدة مع تغير الأزمنة وطرق الكتابة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة