في أحد أروقة مجمع ناصر الطبي في خان يونس، جنوب غزة، كانت الممرضة عزة أبو مصطفى تؤدي عملها كالمعتاد، وسط أصوات المرضى وحركة الطواقم الطبية، كانت منشغلة برعاية المصابين وتقديم ما تستطيع من مساعدة لمن وصلوا إلى المستشفى بحثا عن العلاج والنجاة.
استشهاد الأب
كانت عزة، كغيرها من العاملين في القطاع الصحي، تعرف أن مهمتها لا تتوقف عند حدود الألم الذي تراه أمامها، كانت تحاول أن تمنح المرضى شيئا من الطمأنينة، وتكون حاضرة في اللحظات التي يحتاج فيها الآخرون إلى من يخفف عنهم وطأة المرض والخوف، لكن في تلك اللحظة، جاءها خبر قلب كل شيء، أُبلغت بأن والدها استشهد جراء قصف.
توقفت للحظات عن كل ما كانت تفعله، لم تعد تلك الممرضة التي تقف إلى جانب المرضى وتبحث عن وسيلة لإنقاذهم، بل أصبحت ابنة تلقت خبر فقد والدها بينما كانت في مكان اعتادت فيه أن تواجه أحزان الآخرين وتساعدهم على تجاوزها.
الممرضة عزة أبو مصطفى
الاحتياج لحضن الأب
في المستشفى، حيث كانت يداها تمتدان لمداواة جراح المرضى، وجدت نفسها أمام جرح لا تستطيع مهنة التمريض أن تضمده، لم تكن هذه المرة بحاجة إلى دواء أو ضماد، بل إلى حضن أبيها الذي لن يعود.
كانت عزة طوال يومها تحاول إنقاذ حياة الآخرين، لكنها حين وصلها الخبر، أصبحت هي من تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، في لحظة واحدة، تداخلت لديها صورتان، صورة الممرضة التي اعتادت أن تخفي تعبها خلف زيها الأبيض، وصورة الابنة التي فقدت والدها، وبين الاثنتين، بقيت إنسانة تحاول أن تستوعب أن الشخص الذي كانت تتمنى أن تراه بعد انتهاء دوامها لن يكون في انتظارها.
مأساة الأطقم الطبية
قصة عزة أبو مصطفى ليست فقط حكاية ممرضة فقدت والدها، بل صورة عن الألم الذي يعيشه العاملون في القطاع الصحي وهم يؤدون واجبهم وسط الحرب، فهم لا يواجهون وجع المرضى وحده، بل يحملون في داخلهم مخاوفهم على عائلاتهم وأحبائهم، وقد تصل إليهم أخبار الفقد وهم في قلب المستشفى، بينما لا يزال عليهم الاستمرار في رعاية الآخرين.
كانت تُداوي وجع الآخرين، وتمنحهم ما تستطيع من رعاية واهتمام، لكن حين جاء دور وجعها، لم تجد من يداويه، في ذلك اليوم، لم تكن عزة مجرد ممرضة في مجمع ناصر الطبي، كانت ابنة فقدت أباها، واضطرت رغم انكسارها إلى مواجهة واحدة من أصعب اللحظات التي يمكن أن يعيشها إنسان.