# #

رفعت جبر

من تثبيت أركان الدولة إلى استثمار العقول.. الرخصة الذهبية الرقمية

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 12:00 ص


مع الانفتاح غير المسبوق للقيادة السياسية على الإبداع الوطني، والرغبة الصادقة للرئيس عبد الفتاح السيسي في إقامة وطن قوي يتسع لطاقات أبنائه بمشاركة جميع القوى الفكرية والخبرات الوطنية، نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تُتوجها المبادرة الرئاسية المرتقبة منتدى مصر من 19- 24 أكتوبر الجاري.


لقد أثبتت مقالاتنا السابقة حتمية الإصلاح التعليمي وتوطين التكنولوجيا لإعداد مصر للثورة الصناعية الخامسة. واليوم، ونحن نستقبل هذه المبادرة الكريمة، نصل إلى الحلقة الأهم التي تشغل الشارع والمتخذ السياسي على حد سواء: تثبيت أركان الدولة أقام الجسد والبنية التحتية.. والتشريع الذكي هو الروح التي تبث الحياة في هذه الأركان وتضمن استدامتها.

 

1. المناطق التكنولوجية

عندما أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي المبادرة الرئاسية الأولى للمناطق التكنولوجية وطرحنا سابقًا فكرة البناء الهيكلي لها منذ عام 2015 في أسيوط، وبرج العرب، والعاشر من رمضان وغيرها، لم نكن نراها مجرد جدران خرسانية تُجهز بإنترنت عالي السرعة ومكاتب حديثة، بل باعتبارها النواة الصلبة لاقتصاد المعرفة.
إن الحجر الأساسي لهذه المناطق ليس البنية التحتية الصلبة، بل «البيئة التشريعية والضريبية المحفزة». التشريع في عصره الجديد لم يعد مجرد نصوص جامدة لضبط المخالفات، بل أداة تنمية استراتيجية تعمل كمصدّ ذكي يمنع نزيف العقول المصرية، ويمنع تسرب رأس المال البشري المبتكر إلى أسواق خارجية توفر له المرونة والأمان.

 

2. تجارب العالم تصرخ: «التشريع هو النفط الجديد»

تثبت التجارب الدولية أن سباق التكنولوجيا لا تُحسمه المباني، بل تُحسمه مرونة القوانين:
• تجربة إستونيا (e−Residency): تحولت دولة صغيرة إلى مركز رقمي عالمي يجذب مليارات الدولارات عبر الدفع بتأسيس الشركات الافتراضية وإدارتها كاملًا عن بُعد.
• تجربة الهند في «التعهيد» (اسناد الخدمات والحلول البرمجية للشركات العالمية): استطاعت تطوير تشريعات تحويل الأموال وتسهيل عمل المستقلين (Freelancers) والدعم التقني لليابان وأوروبا وأمريكا من داخل أراضيها، ليرتفع دخلها من صادرات البرمجيات والتعهيد إلى أكثر من 190 مليار دولار سنويًا.
• الـساندبوكس (Sandbox) الرقمي في دبي: أوجدت بيئات تجريبية مرنة للذكاء الاصطناعي والحلول المالية، فجذبت أكبر شركات الـتكنولوجيا المتقدمة (High- Tech) حول العالم.
إن تطور الذكاء الاصطناعي يفرض علينا إطلاق «الرخصة الذهبية الرقمية» الخاصة بالمناطق التكنولوجية؛ رخصة تمنح بيئة تجريبية تنظيمية (Regulatory Sandbox) واختصارًا لزمن تأسيس الشركات وتراخيصها عبر منصة موحدة من أسابيع وأشهر إلى 15 دقيقة فقط.

 

3. الجسر الاجتماعي: كيف يلمس شباب مصر ثمار التشريع الذكي؟

التشريعات والمناطق التكنولوجية ليست مفاهيم مجردة للنخبة والمستثمرين، بل تمس مباشرة دخل كل أسرة في أقاليم مصر:
• الدولار يصل لبيت المواطن: الشاب خريج الحاسبات أو اللغات أو التكنولوجيا سوف يعمل مع كبرى الشركات العالمية في أمريكا وأوروبا وهو يجلس في بيته بجانب أسرته، دون تكبد مرارة السفر والغربة والتشتت الأسري.
• تحويلات رسمية وآمنة: فتح مسارات مالية رسمية وميسرة للعمل الحر (Freelancing) تضمن وصول عوائد العملة الصعبة لجيب الشاب البسيط وتغذية الاحتياطي النقدي للدولة في آن واحد.
• عدالة التنمية الإقليمية: توفير عشرات الآلاف من الفرص في المحافظات يوزع ثمار التنمية ويقضي على المركزية.

 

4. البوابة الملكية للثورة الصناعية الخامسة (Industry 5.0)

بينما ركزت الثورة الصناعية الرابعة على الأتمتة والرقمنة المجردة والتكنولوجيا، تأتي الثورة الصناعية الخامسة (Industry 5.0) لتعيد إبراز «العنصر البشري» وجعله مركز التقنية والإنتاج.
إن التشريع الذكي هو المحرك الأساسي لتهيئتنا لهذه الثورة؛ فهو يوفر مظلة قانونية تدمج العقول الوطنية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في بيئة عمل آمنة، بما يعزز قدرة الكوادر المصرية على إعادة إنتاج التكنولوجيا محليًا لا استهلاكها فحسب، فنضمن استدامة اقتصادنا وتنافسيته عالميًا.

 

5. خارطة الطريق ومستهدفات المبادرة أمام القيادة السياسية

لتتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس مع انطلاق مبادرة 19 أكتوبر، نقترح إرساء منظومة عمل متكاملة تقودها لجنة دائمة تُشكل تحت مظلة المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي بمجلس الوزراء. وتتكامل في هذه المنظومة أدوار وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المعنية بالتشغيل وتنمية صناعة التعهيد، ووزارة العدل الصائنة للأطر التشريعية، ووزارة الاستثمار المنوط بها صياغة الحوافز وتيسير التراخيص.
ويرتكز هذا التكامل التنفيذي على تحقيق مستهدفات مرحلية إستراتيجية خلال الفترة (2027 – 2030):
1. توفير 150 ألف فرصة عمل رقمية عابرة للحدود كـ «مرحلة أولى» استهدافية، تتلوها مراحل توسعية متتالية تستوعب التزايد المستمر في أعداد خريجي الكوادر التكنولوجية.
2. مضاعفة صادرات مصر الرقمية والخدمية لتصل إلى 10 مليارات دولار سنويًا كركيزة أولى للنمو الرقمي.
3. خفض معدل هجرة العقول والمهندسين بنسبة لا تقل عن 45% عبر توفير البيئات التشريعية والمالية المحفزة محليًا.
4. تأسيس 1000 شركة ناشئة فائقة التكنولوجيا (High- Tech) عبر «الرخصة الذهبية الرقمية» كمواطئ أقدام لاقتصاد المعرفة.

 

الخاتمة

نريد أن نصدر البرمجيات والخدمات الرقمية إلى العالم.. لا أن نصدر العقول والمهندسين.
إن حماية عقولنا وتوطين التكنولوجيا لن يتحققا بالتمني، بل بشجاعة التشريع ومرونة التنفيذ. وتأتي المبادرة الرئاسية في 19 أكتوبر الجاري لتفتح الباب أمام هذه النقلة النوعية.
إن النموذج الذي ننشده يرى في المناطق التكنولوجية «المناطق الحرة الرقمية للقرن الحادي والعشرين» — مناطق لا تُصنع فيها المنتجات المادية فحسب، بل تُبتكر فيها الأفكار والحلول البرمجية التي تقود الاقتصاد العالمي.
إن استكمال ما بدأناه في مرحلة البناء الهيكلي وتثبيت أركان الدولة، عبر صياغة منظومة قانونية واستثمارية تتكيف تلقائياً مع المستقبل، هو الضمان الحقيقي لتظل مصر دائمًا بيئة جاذبة ومستقرة لعقولها المبتكرة، ومقصدًا رئيسيًا للاستثمار التكنولوجي العالمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة