لم تكن مجرد ممرضة تؤدى عملها داخل مستشفى عسكرى، ولم تكتفِ بدورها كابنة شهيد أو زوجة وأم لمحارب، لكنها اختارت أن تكون واحدة من بطلات الصفوف الخلفية لمعركة العبور، تحمل أدواتها الطبية وتواجه الموت لإنقاذ أرواح الجنود والمصابين.
الصول فايقة حنيدق، ابنة مدينة الإسماعيلية، عاصرت حرب 1967، وعاشت سنوات الاستنزاف، ثم كانت شاهدة على واحدة من أعظم لحظات التاريخ المصري الحديث، حرب السادس من أكتوبر عام 1973، حين تحولت مهمتها من مجرد عمل في مجال التمريض إلى رسالة وطنية وإنسانية داخل المستشفى الميداني، لإنقاذ مصابي القوات المسلحة القادمين من جبهة القتال.
كانت فايقة واحدة من السيدات المصريات اللاتي أثبتن أن ميادين الحرب ليست للرجال وحدهم، وأن للمرأة المصرية دور لا يقل أهمية عن دور المقاتلين، فبينما كان الجنود يعبرون قناة السويس ويواجهون قوات الاحتلال على الضفة الشرقية، كانت هي وزميلاتها يخضن معركة أخرى، عنوانها إنقاذ حياة المصابين وتضميد جراحهم ووقف نزيفهم حتى يصلوا إلى المستشفيات المتخصصة.
ابنة شهيد.. وحكاية بدأت من الإسماعيلية
تقول الصول فايقة حنيدق: «اسمي فايقة حنيدق، وأنا ابنة الشهيد حنيدق علي، الذي استشهد إثر انفجار لغم في سيناء عام 1960، وأنا من مواليد مدينة الإسماعيلية».
وتضيف أنها عاصرت حرب يونيو 1967، وكانت وقتها في المرحلة الإعدادية، قبل أن تضطر إلى الهجرة مع أسرتها إلى مدينة الزقازيق، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياتها، حيث التحقت عقب حصولها على الشهادة الإعدادية بمدرسة التمريض التابعة لوزارة الصحة.
وتوضح: «قضيت السنة الأولى في القصاصين، ثم تخرجت من مدرسة السيد جلال في باب الشعرية، وبعد التخرج كانت رغبتي أن أعود للعمل في الإسماعيلية، وبالفعل تحقق ما تمنيت».
من التمريض إلى قلب المعركة
لم تكن عودة فايقة إلى الإسماعيلية مجرد عودة إلى مدينتها، وإنما كانت بداية لرحلة مختلفة مع القوات المسلحة، بعدما طلبت القوات المسلحة سيدات من هيئة التمريض للعمل بالمستشفيات العسكرية.
وتقول: «في الأول من يناير عام 1973 التحقت بالعمل في مستشفى التل الكبير العسكري، وكنت أقضي نهاري في العمل بالمستشفى، وليلاً أعمل داخل القطار الحربي المخصص لنقل المصابين نتيجة غارات العدو المتكررة من الجبهة إلى المستشفى العسكري».
ومنذ ذلك الوقت بدأت تتشكل لديها خبرة كبيرة في التعامل مع الحالات الحرجة والإصابات الناتجة عن العمليات العسكرية، قبل أشهر قليلة من اندلاع حرب أكتوبر.
ليلة قصف مطار أبو حماد.. مشاهد لا تنسى
وتستعيد فايقة ذكريات واحدة من أصعب الليالي التي عاشتها خلال تلك الفترة، عندما تعرض مطار أبو حماد للقصف.
وتقول: «عند بداية الحرب جاء لنا أمر بإخلاء المستشفى العسكري، وكان ذلك نتيجة قصف العدو لمطار أبو حماد، الذي كان قريبًا جدًا منا، وأذكر في هذه الليلة أن الضرب كان شديدًا جدًا من حولنا».
وتضيف: «كانت سيارات الإسعاف تتوالى بكثرة لنقل المصابين من الطيارين والجنود، وكنت أنا المسؤولة الوحيدة، حيث كنت حكيمة عمليات في ذلك الوقت».
وتصف تلك الليلة بأنها من أصعب المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرتها، موضحة أن القصف طال المطار والسوق المجاور له، وأسفر عن استشهاد عدد من الطيارين وإصابة أعداد من الأطفال والمدنيين.
قطار الجرحى.. مستشفى يتحرك مع أبطال الحرب
لم يكن القطار الحربي الذي عملت فيه فايقة يشبه القطارات التقليدية، بل كان أشبه بمستشفى متنقل، تم تجهيزه بصورة تسمح بالتعامل مع الحالات العاجلة حتى الوصول إلى المستشفى.
وتشرح فايقة طبيعة هذا القطار قائلة: «كان عبارة عن عربات فارغة بها أسرة متعددة الطوابق معدة لنقل جرحانا، وكان به غرفة مجهزة تجهيزًا بسيطًا يؤدي الغرض في العمليات البسيطة، مثل تجبيس الكسور وتضميد وخياطة الجروح ووقف نزيف البتر، حتى يتم نقل البطل المصاب إلى أقرب مستشفى معد للعلاج».
وهكذا تحولت عربات القطار إلى نقطة إسعاف متحركة، تحمل الجرحى من مناطق القتال، وتمنحهم فرصة جديدة للحياة قبل وصولهم إلى المستشفيات.
جروح الجنود.. ثمن دفعه الأبطال لتحرير سيناء
وعن فترة عملها خلال عمليات الاستنزاف، تقول فايقة إن ما رأته خلال تلك السنوات كان يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال.
وتوضح: «لقد كانت فترة عصيبة، حيث رأت العين ما لا يستطيع أحد تحمله، فرجالنا البواسل الأشداء الأقوياء كنا نراهم في إصابات بالغة وجروح متعددة».
وتتابع: «منهم من فقد قدمه، ومنهم من فقد ذراعه، ومنهم من فقد عينه، فقد دفعوا بكل نفس راضية ثمن تحرير الأرض، وجعلوا من أجسادهم دروعًا يحمون بها تراب سيناء».
كانت هذه المشاهد، بحسب روايتها، سببًا في أن تتحول مهنة التمريض بالنسبة لها إلى رسالة، فلم تعد ترى أمامها مجرد مصاب يحتاج إلى علاج، وإنما جنديًا قدم جزءًا من جسده من أجل وطنه.
«كلها أسبوع وأخد الإجازة واتجوز».. قصة جندي لم تنسها فايقة
ورغم مرور عشرات السنوات، لا تزال بعض الوجوه حاضرة في ذاكرتها، ومن بينها قصة شاب كان ينتظر إجازته استعدادًا لزفافه.
تقول فايقة: «أذكر جيدًا هذا الشاب، وصورته لا تفارق مخيلتي، فقد كان يستعد لزفافه وكان يداعبنا بقوله: كلها أسبوع وأخد الإجازة واتجوز».
وتصمت للحظات قبل أن تستكمل روايتها: «إذا بي أجده فجأة بين المصابين، وقد فقد إحدى قدميه وأصيب في إحدى عينيه، مما أحزنني حزنًا شديدًا، ولا زلت أتذكره حتى الآن».
كانت تلك اللحظة بالنسبة لها واحدة من أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا، بعدما تحول حلم شاب في الاستعداد لزفافه إلى مواجهة قاسية مع إصابة غيرت حياته إلى الأبد.
6 أكتوبر.. مهمة جديدة داخل المستشفى الميداني
تؤكد فايقة أن التحاقها بالعمل العسكري لم يبدأ مع حرب أكتوبر، وإنما سبق الحرب بعشرة أشهر تقريبًا، حيث التحقت بالعمل في مستشفى التل الكبير العسكري في الأول من يناير عام 1973.
وقبل السادس من أكتوبر صدر قرار بإخلاء المستشفى، خوفًا من استهدافه، خاصة مع وجود مصابي الحرب بداخله.
وتقول: «تم نقلنا إلى مكان آخر يبعد عن الجبهة مسافة ساعة أو يزيد، وعندما عبرت قواتنا الباسلة بدأت مهمتنا بشكل مختلف وأقوى من ذي قبل».
وتضيف: «كنا نعمل دون أن نشعر بالتوقيت، ولا نشعر هل نحن نهار أم ليل، فقد كان شغلنا الشاغل هو تضميد جراحانا والعمل قدر المستطاع على علاجهم».
لم تفكر في الهروب من خط النار
لم يكن الخوف غائبًا عن المشهد، لكن الإيمان بالواجب كان أقوى من الخوف، فلم تفكر فايقة في الابتعاد عن مكان عملها أو البحث عن مكان أكثر أمنًا، وكانت ترى أن مهمتها جزء من المعركة.
فبينما كان الجنود يواجهون العدو بالسلاح، كانت هي تواجه الموت بأدواتها الطبية، وتعمل على إنقاذ كل مصاب يصل إليها، في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ مصر الحديث.
وكانت ترى أن خدمة المصابين ليست مهمة ثانوية، بل جزء أساسي من معركة التحرير، وأن إنقاذ حياة جندي مصاب قد يعني عودته إلى أسرته بعد أن ظن الجميع أنه لن يعود.
تكريم من الرئيس السادات
وخلال سنوات عملها، حصلت الصول فايقة حنيدق على عدد من التكريمات، كان من أبرزها تكريم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلى جانب تكريمها من قيادات مختلفة في مناسبات متعددة، تقديرًا لدورها وعطائها خلال سنوات الحرب.
وتقول بفخر: «فترة عملي بالتمريض كحكيمة عمليات في المستشفى الميداني هي أعظم فترات حياتي، وسوف تظل فترة أفتخر بها وأورث هذا الفخر لأبنائي وأحفادي».
فايقة حنيدق.. شهادة حية على دور المرأة في حرب أكتوبر
لم تحمل فايقة سلاحًا في مواجهة العدو، لكنها حملت مسؤولية لا تقل أهمية، وهي إنقاذ أرواح من حملوا السلاح دفاعًا عن الوطن.
قصتها واحدة من آلاف القصص التي لم تحصل على المساحة الكافية من التوثيق، لنساء مصريات وقفن إلى جانب رجال القوات المسلحة خلال سنوات الحرب والاستنزاف والعبور، وشاركن كل من موقعه في ملحمة استعادة الأرض والكرامة.
ومن داخل المستشفى الميداني، كانت فايقة تشاهد آثار المعركة على أجساد الجنود، وتدرك أن النصر له ثمن، وأن خلف كل جندي مصاب قصة أسرة تنتظر عودته، وخلف كل شهيد حكاية وطن دفع أبناؤه أرواحهم من أجل ترابه.
«مصر ستظل حرة قوية».. رسالة بطلة من زمن العبور
وتختتم الصول فايقة حنيدق شهادتها برسالة تحمل الكثير من الفخر بسنوات الخدمة والعمل خلال الحرب، قائلة إن مصر ستظل أبد الدهر حرة وقوية وعظيمة بسواعد أبنائها من رجال القوات المسلحة.
وتؤكد أن ملحمة العبور ستظل درسًا قويًا لكل من تسول له نفسه الاقتراب من ذرة واحدة من تراب أرض مصر.
وبعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، لا تزال شهادة الصول فايقة حنيدق تحمل قيمة خاصة، ليس فقط لأنها تروي جانبًا من تفاصيل العمل الطبي خلف خطوط القتال، ولكن لأنها توثق أيضًا صفحة من تاريخ المرأة المصرية التي كانت حاضرة في واحدة من أعظم المعارك الوطنية، تؤدي واجبها وسط أصوات القصف وصراخ المصابين، دون أن تتخلى عن رسالتها الإنسانية أو واجبها تجاه وطنها.

الحكيمة فايقة أثناء الحرب

الزميل صبرى غانم مع الصول فايقة

الزميل صبرى غانم يحاور الصول فايقة

الشهيد حنيدق والد الصول فايقة

الصول حنيدق والد الصول فايقة

الصول فايقة بعد الحرب فى الإسماعيلية

الصول فايقة بعد الحرب

الصول فايقة تتحدث لليوم السابع

الصول فايقة فى المعسكر

الصول فايقة مع زملائها والقيادات

الصول فايقة مع زملائها

الصول فايقة وصديقتها بعد الحرب

الصول فايقة

تأدية الخدمة العسكرية

توزيع الهدايا اثناء الحرب

درع كلية الضباط الاحتياط للصول فايقة

شهادة تأدية الخدمة العسكرية للصول فايقة

شهادة تأدية الخدمة العسكرية

شهادة جامعية للصول فايقة

شهادة معادلة للصول فايقة