الحكومة تراهن على خبرة الشيوخ.. هاني عازر يرسم ملامح شراكة جديدة مع المجلس.. من الاستماع للتفاعل ومن الدراسات والمقترحات للسياسات التنفيذية.. رسالة حكومية تعكس رؤية لتوظيف التنوع في تحسين الأداء وصناعة القرار

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 04:40 م
الحكومة تراهن على خبرة الشيوخ.. هاني عازر يرسم ملامح شراكة جديدة مع المجلس.. من الاستماع للتفاعل ومن الدراسات والمقترحات للسياسات التنفيذية.. رسالة حكومية تعكس رؤية لتوظيف التنوع في تحسين الأداء وصناعة القرار مجلس الشيوخ

كتب عبد اللطيف صبح

لم تكن كلمة المستشار هاني عازر، وزير شؤون المجالس النيابية أمام مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء، مجرد تأكيد على استمرار التواصل بين الحكومة والمجلس، وإنما حملت ملامح رؤية أوسع لطبيعة العلاقة التي تستهدفها الدولة مع الغرفة الثانية للبرلمان؛ علاقة لا تتوقف عند حدود الاستماع إلى النواب، وإنما تسعى إلى الاستفادة من الخبرات والرؤى التي يضمها المجلس، وتحويل ما يخرج عنه من دراسات ومقترحات وتوصيات إلى مدخل حقيقي لتحسين السياسات العامة والأداء التنفيذي.

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من طبيعة مجلس الشيوخ نفسه؛ فالمجلس لا يمثل فقط مساحة للنقاش السياسي، وإنما يضم خبرات متراكمة وتخصصات متنوعة يمكن أن تضيف إلى عملية صناعة القرار. ومن ثم، فإن الانفتاح الحكومي على هذه الخبرات لا يمثل مجاملة برلمانية أو مجرد مواءمة سياسية، وإنما يمكن قراءته باعتباره استثمارًا في إحدى أهم أدوات تحسين جودة السياسات العامة: توسيع دائرة الاستماع قبل اتخاذ القرار.

 

من «الاستماع» إلى «التفاعل».. تغيير جوهر العلاقة

الرسالة الأهم في كلمة الوزير لم تكن في مجرد تأكيد أن الحكومة تستمع إلى أعضاء مجلس الشيوخ، وإنما في ربط هذا الاستماع بآلية للتفاعل والمتابعة.

فقد أكد عازر حرص الحكومة على قنوات التواصل المباشر والمستمر مع المجلس ولجانه النوعية، وعلى متابعة الموضوعات والمقترحات التي تطرح تحت القبة، والتنسيق بشأنها مع الوزارات والجهات المعنية، إلى جانب ضمان الحضور الحكومي الفاعل في الجلسات واجتماعات اللجان.

وهنا تظهر ملامح العلاقة التي تسعى الحكومة إلى ترسيخها: المجلس يطرح ويدرس ويقترح، والحكومة تستمع وتنسق وتدرس وتتابع، بما يخلق مساحة مشتركة بين الخبرة البرلمانية والمسؤولية التنفيذية، دون أن يلغي ذلك اختلاف الأدوار والاختصاصات بين المؤسستين.

 

«خبرة الشيوخ».. قيمة مضافة لصناعة السياسات

من منظور سياسي، فإن أهمية هذه المقاربة تتجاوز الشكل البروتوكولي للعلاقة بين الحكومة والبرلمان.

فكلما اتسعت دائرة الاستماع إلى الخبرات المتخصصة، وتنوعت الرؤى التي تدخل إلى عملية صناعة القرار، أصبحت السياسات العامة أكثر قدرة على اختبار نفسها قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

وهذا تحديدًا ما يمكن أن يقدمه مجلس الشيوخ؛ خبرات متنوعة، ودراسات، ورؤى، ومقترحات تستند إلى قراءة لقضايا المجتمع من زوايا متعددة.

ولذلك فإن وضع هذه الخبرة في دائرة التواصل الحكومي المستمر يمثل فرصة لتحويل المجلس من مجرد مساحة للنقاش إلى رافد مؤسسي لصناعة السياسات وتحسين جودتها.

 

«المؤيد والمعارض».. التنوع كأداة قوة

ومن أكثر الرسائل دلالة في حديث عازر تأكيده أن الحكومة تستمع إلى جميع الآراء دون تفرقة بين نائب حزبي أو مستقل، أو مؤيد أو معارض.

وهذه ليست تفصيلة عابرة؛ لأن العمل البرلماني الفاعل لا يقوم على تطابق الرؤى، وإنما على قدرة المؤسسات على استيعاب اختلافها وتحويل هذا الاختلاف إلى قيمة مضافة.

فالرأي المؤيد يمكن أن يكشف نقاط القوة في السياسة المقترحة، بينما يمكن للرأي المختلف أو المعارض أن يكشف ثغرات أو آثارًا لم تكن حاضرة في التصور الأولي. وفي الحالتين، تستفيد عملية صناعة القرار من اتساع مساحة النقاش.

ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد الحكومة انفتاحها على مختلف الاتجاهات داخل المجلس يعكس فهمًا لأهمية التنوع البرلماني باعتباره أداة لتحسين القرار، لا عائقًا أمامه.

 

من الدراسة إلى القرار
 

لكن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة لا تتوقف عند حدود الحوار؛ فالاختبار الأصعب يبدأ بعد انتهاء الجلسة.

ولهذا كان تأكيد الوزير هاني عازر على متابعة ما يطرح تحت القبة والتنسيق بشأنه مع الوزارات والجهات المعنية نقطة محورية في كلمته؛ لأن الفكرة البرلمانية لا تكتمل قيمتها بمجرد طرحها، والدراسة لا تحقق غايتها بمجرد إعدادها، والتوصية لا يصبح لها أثر إلا عندما تجد طريقها إلى دائرة التنفيذ أو إلى الجهة المختصة بدراستها واتخاذ ما يلزم بشأنها.

وهنا تبرز أهمية وجود حلقة اتصال مؤسسية بين المجلس والحكومة؛ حلقة تنقل المقترحات من مساحة النقاش إلى مساحة الدراسة، ثم تحدد ما يمكن الاستفادة منه على مستوى السياسات والإجراءات.

 

«صوت المواطن».. البوصلة النهائية

وإذا كان مجلس الشيوخ يمثل مساحة للخبرة والنقاش، فإن المواطن يظل في النهاية معيار نجاح هذه العملية كلها.

وقد حرص عازر على التأكيد على هذه النقطة عندما وصف أعضاء المجلس بأنهم «النبض الحي للشارع المصري»، مشيرًا إلى أن ما يخرج من المجلس من دراسات ومقترحات وتوصيات يحمل صوت المواطن البسيط، ويعكس أحلام المدينة وطموحات المحافظة وهموم القرية والنجع البعيد.

وهنا تتضح فلسفة العلاقة بصورة أكبر: الخبرة البرلمانية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى سياسات أكثر اتصالًا بالمجتمع واحتياجاته.

فكلما نجحت المؤسسة النيابية في نقل مشكلات المواطنين إلى دوائر صنع القرار، ونجحت الحكومة في التعامل مع هذه المخرجات بجدية ومتابعة، أصبحت العلاقة بين الطرفين أكثر قدرة على إنتاج نتائج يشعر بها المواطن.

 

العاصمة الجديدة.. عنوان لتطور المؤسسة وليس المبنى فقط

وفي جانب آخر من كلمته، ربط عازر بين دور الانعقاد الحالي وانتقال مجلس الشيوخ إلى مقره الدائم بالعاصمة الجديدة، مؤكدًا أن الأمر لا يمثل مجرد انتقال جغرافي، وإنما يأتي في إطار رؤية لبناء مؤسسات عصرية وتطوير بيئة العمل المؤسسي وترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة.

والدلالة الأهم هنا أن تطوير المكان يفترض أن يصاحبه تطوير في طريقة العمل؛ فالمؤسسة العصرية لا تُقاس فقط بحداثة مبناها، وإنما بقدرتها على إدارة الحوار، وتوظيف الخبرة، وتطوير أدواتها، وربط ما تنتجه بالسياسات العامة.

ومن ثم، فإن الانتقال إلى المقر الجديد يمكن النظر إليه باعتباره فرصة لتأكيد دور أكثر فاعلية لمجلس الشيوخ في الحياة السياسية والمؤسسية، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الأفكار والرؤى، وليس فقط مناقشة القضايا.

 

الحكومة تراهن على التكامل في وقت شديد التعقيد

وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل الظروف الإقليمية التي وصفها الوزير بأنها بالغة الدقة والتعقيد، مع تشابك الأزمات والصراعات وتأثير تطورات المنطقة على المواطن المصري.

في مثل هذه البيئة، لا تصبح الحاجة إلى تكامل مؤسسات الدولة مجرد خيار تنظيمي، وإنما تتحول إلى ضرورة سياسية؛ لأن التحديات المركبة تحتاج إلى تعدد في زوايا النظر، وإلى مؤسسات تتبادل الخبرات وتراجع السياسات وتبحث عن أفضل الأدوات للتعامل مع المتغيرات.

ومن هنا يمكن قراءة حديث عازر عن العمل «في خندق واحد» باعتباره تعبيرًا عن تكامل الأدوار لا تطابقها؛ فلكل مؤسسة اختصاصها، لكن الهدف النهائي واحد: حماية مصالح الدولة والاستجابة لاحتياجات المواطن وتحسين قدرة مؤسساتها على التعامل مع التحديات.

 

الرسالة الأعمق: الحكومة تريد الاستفادة من «الشيوخ»

في المحصلة، تكشف كلمة وزير شؤون المجالس النيابية عن توجه يتجاوز فكرة التواصل التقليدي بين الحكومة ومجلس الشيوخ إلى تصور أكثر نضجًا للعلاقة: الحكومة لا تريد فقط أن تسمع ما يقوله المجلس، وإنما تريد أن تعرف كيف يمكن توظيف ما يقوله في تحسين السياسات والأداء.

وهذه هي النقطة التي تمنح الرسالة وزنها السياسي؛ فنجاح العلاقة بين الحكومة ومجلس الشيوخ لن يقاس بعدد الاجتماعات أو حجم الحضور الحكومي تحت القبة، وإنما بقدرة الطرفين على بناء دورة متكاملة تبدأ من الاستماع، وتمر بالدراسة والتنسيق، وتنتهي بالتفاعل والتنفيذ عندما يكون ذلك ممكنًا ومناسبًا.

وبهذا المعنى، فإن الرهان على «خبرة الشيوخ» ليس مجرد تقدير لدور المجلس، وإنما رهان على أن تنوع الخبرات والرؤى يمكن أن يصبح أحد مصادر القوة في صناعة القرار العام، وأن أفضل السياسات هي تلك التي تسمع أكثر، وتدرس أكثر، وتستفيد من أكبر قدر ممكن من الخبرة الوطنية قبل أن تتحول إلى قرارات تمس حياة المواطنين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة