رنا أمين

أبطال أكتوبر على السوشيال ميديا.. كيف تحفظ المنصات ذاكرة النصر؟

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 10:09 ص


في كل عام، ومع حلول ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، تعود إلى الذاكرة صور الجنود المصريين وهم يعبرون قناة السويس، ويرتفع العلم المصري فوق أرض سيناء، وتعود معها حكايات رجال اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في تاريخ الوطن بدمائهم وتضحياتهم، لكن أبطال أكتوبر لم يكونوا مجرد أسماء في كتب التاريخ، أو صورًا معلقة على جدران المدارس والمنازل، وإنما كانوا أبناء هذا الوطن، لهم أسر وأمهات وزوجات وأبناء وأحلام وحياة تركوها خلفهم عندما نادى الواجب، ووقفوا في أصعب لحظات التاريخ دفاعًا عن الأرض والكرامة، وبعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، أصبحت هناك وسيلة جديدة تساعد في نقل هذه الحكايات إلى الأجيال التي لم تعش الحرب، وهي السوشيال ميديا، التي تحولت في بعض الأحيان إلى مساحة تحفظ ذكريات الأبطال وتعيد قصصهم إلى الواجهة، حتى يتعرف طفل أو شاب على قصة جده أو أحد أبطال عائلته من خلال صورة أو فيديو أو شهادة يشاركها أحد أفراد الأسرة.

 

السوشيال ميديا تعيد حكايات الأبطال إلى الواجهة

قد تكون صورة قديمة لجندي مصري شارك في الحرب، أو رسالة كتبها أحد الجنود لأسرته، أو شهادة لأحد الناجين من المعركة، سببًا في أن يبدأ جيل جديد في البحث عن صاحب هذه القصة ومعرفة ما قدمه من أجل وطنه، وهنا تظهر واحدة من الجوانب الإيجابية للسوشيال ميديا، فهي لا تكتفي بنقل الأخبار الجديدة، وإنما تستطيع أيضًا أن تعيد إحياء الذكريات التي كان يمكن أن تبقى بعيدة عن اهتمام الأجيال الجديدة، فقد ينشر أحد الأبناء صورة لوالده أو جده وهو يرتدي الزي العسكري، ويحكي تفاصيل بسيطة عن أيام الحرب، فتتحول الصورة من ذكرى عائلية خاصة إلى حكاية يعرفها الآلاف، ويبدأ المتابعون في مشاركة قصص مشابهة عن آبائهم وأجدادهم الذين شاركوا في الحرب، وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة واسعة تتجمع فيها ذاكرة المصريين، ويصبح لكل أسرة تقريبًا حكاية يمكن أن تضاف إلى الحكاية الأكبر.. حكاية وطن دافع أبناؤه عن أرضه.

 

خلف كل بطل حكاية إنسان

هناك الجندي الذي ترك والدته وذهب إلى الجبهة، والأب الذي ودع أبناءه ولم يكن يعرف إن كان سيعود إليهم، والشاب الذي كان يمكن أن يعيش حياته بشكل طبيعي، لكنه اختار أن يؤدي واجبه في لحظة احتاج فيها الوطن إلى كل أبنائه، وتساعد السوشيال ميديا اليوم في إعادة الجانب الإنساني لهذه القصص، لأن المستخدم لا يرى فقط مشهد المعركة، وإنما يمكنه أن يرى صورة البطل قبل الحرب، ويتعرف على أسرته، ويقرأ شهادات من عرفوه، ويستمع إلى ذكريات زملائه وأبنائه، وهذه التفاصيل تجعل التاريخ أقرب إلى الإنسان، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم أن النصر لم يكن مجرد حدث عسكري في يوم من الأيام، وإنما كان وراءه آلاف القصص والتضحيات.

 

من صورة قديمة تبدأ حكاية جديدة

أحيانًا لا تحتاج القصة إلى إنتاج ضخم حتى تصل إلى الناس، فقد تكفي صورة قديمة يحتفظ بها أحد أفراد الأسرة، أو خطاب عثرت عليه أسرة بعد سنوات، أو تسجيل لشهادة أحد أبطال الحرب، عندما تُنشر هذه الذكريات على السوشيال ميديا، يمكن أن تصل إلى أشخاص لم يكن من الممكن أن يعرفوا هذه الحكايات من قبل، وقد يشاهد شاب صورة لجندي شارك في أكتوبر، فيبحث عن اسمه، ويقرأ عن وحدته، ويتعرف على دوره، وربما يكتشف أن أحد أفراد عائلته كان حاضرًا في الأحداث نفسها، وهنا تصبح السوشيال ميديا وسيلة لربط الأجيال ببعضها، فلا يبقى أكتوبر مجرد تاريخ محفوظ في الكتب، وإنما يتحول إلى قصص حية تنتقل من الجد إلى الأب ثم إلى الأبناء والأحفاد.

 

ذاكرة الأبطال مسؤولية

لكن الحفاظ على قصص أبطال أكتوبر عبر السوشيال ميديا يحتاج أيضًا إلى مسؤولية، لأن الرغبة في نشر قصة مؤثرة يجب ألا تجعلنا نشارك معلومات غير دقيقة عن أصحابها أو ننسب صورة إلى شخص آخر أو ننقل قصة دون التأكد من تفاصيلها، فكل بطل له اسمه وتاريخه وأسرته، وكل قصة لها أصحابها الذين يستحقون أن تُروى عنهم الحقيقة كما حدثت، ولهذا، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه السوشيال ميديا لذاكرة أكتوبر هو أن تجمع بين سرعة الانتشار ودقة المعلومة، وأن تمنح الأبطال مساحة يستحقونها، دون مبالغة أو اختلاق.

 

جيل جديد يعرف حكاية أجداده

ربما تكون أجمل نتيجة يمكن أن تقدمها السوشيال ميديا في ذكرى أكتوبر هي أن تجعل طفلًا صغيرًا يسأل والده: “مين الراجل ده؟”، بعدما يرى صورة جده وهو يرتدي الزي العسكري.

ومن هذا السؤال تبدأ الحكاية، يبدأ الأب في الحديث عن الجد، وعن الأيام التي عاشها في الجيش، وعن الخوف والأمل والانتظار، وعن لحظة النصر، فيتعرف الطفل على جزء من تاريخ عائلته وتاريخ وطنه في الوقت نفسه، وهكذا لا تبقى تضحيات أبطال أكتوبر محصورة في جيل عاش الحرب، وإنما تنتقل قصصهم إلى جيل لم يرَ المعركة، لكنه يستطيع أن يعرف أصحابها ويحفظ أسماءهم ويتعلم من تضحياتهم.

 

أكتوبر.. حكاية لا تنتهي

تظل حرب أكتوبر واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري، لكن قيمة النصر لا تكتمل فقط باستعادة تفاصيل المعركة، وإنما بالحفاظ على ذاكرة الرجال الذين صنعوها، وفي عصر أصبحت فيه السوشيال ميديا جزءًا أساسيًا من حياة الأجيال الجديدة، يمكن لهذه المنصات أن تكون جسرًا بين الماضي والحاضر، تحمل صور الأبطال وحكاياتهم من جيل إلى آخر.

 

فقد يرحل الأبطال، لكن قصصهم لا يجب أن ترحل معهم.

وكل صورة يحتفظ بها حفيد لجده، وكل شهادة يرويها أحد أبناء المحاربين، وكل حكاية تُنشر عن جندي عاد من الحرب أو شهيد لم يعد، هي جزء من ذاكرة وطن يستحق أن يعرف أبناؤه من دفعوا الثمن حتى تبقى رايته مرفوعة، وفي ذكرى أكتوبر، لا نحتفل فقط بنصر تحقق منذ أكثر من نصف قرن، وإنما نتذكر رجالًا جعلوا لهذا النصر ثمنًا، ودفعوا من أعمارهم وأرواحهم حتى تبقى مصر.. وتبقى الحكاية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة