في زمنٍ باتت فيه الجماعات المتطرفة تُعيد تشكيل أدواتها وأساليبها، يبرز طارق البشبيشي كأحد أبرز الباحثين الذين درسوا الحركات الإخوانية من الداخل. ابن الجماعة السابق الذي خرج منها ليكشف أسرارها، يقدّم في شهادته تحليلاً صادماً لبنية الجماعة وأدواتها. ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا التقرير رؤيته حول قوة مصر في مواجهة ما يسميه "دكاكين" الإخوان، ولماذا يرى أن الدولة الوطنية أقوى من أي تنظيم مهما تعددت أوجهه.
من "حلقات العلم" إلى "الآلة التنفيذية"
أكد البشبيشي في كتابه "كنت في الإخوان، وأنا الآن مصري" أن جماعة الإخوان ليست حركة دعوية كما تزعم، بل هي كيان وظيفي يستغل الدين وحب الناس للدين لاستقطاب الأعضاء. ويشرح كيف دخل هو شخصياً إلى الجماعة عبر "حلقة دينية" في مسجد، ليكتشف لاحقاً أنه كان يُقاد خطوة بخطوة نحو التنظيم، دون أن يدري.
ويشدد البشبيشي على أن العلاقة بين الإخوان ومصر ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل هي صراع وجودي. فالإخوان، في تحليله، "لا يعترفون بالوطن ولا بحدوده السياسية"، ويحملون في قلوبهم عداءً مزمناً للدولة الوطنية. ويصفهم بأنهم "جماعة تنتظر جنازة مصر لتحمل نعشها"، في إشارة إلى أنهم يعيشون على أمل انهيار الدولة ليتسنى لهم السيطرة عليها.
كيف تعمل "الدكاكين"؟
يستخدم البشبيشي مصطلح "الدكاكين" لوصف الكيانات الصغيرة التي أنشأها الإخوان بعد 2013، كواجهات مدنية تحمل أسماء حقوقية أو بحثية أو إعلامية، لكنها في جوهرها أدوات لخدمة أجندة الجماعة. ومن هذه الكيانات منصة "ميدان" التي يصفها بأنها "واجهة سياسية" تتنكر في ثوب حقوق الإنسان، بينما وظيفتها الحقيقية هي الترويج لأفكار الجماعة وجمع التمويل.
ويشير البشبيشي إلى أن هذه "الدكاكين" لا تمثل قوة حقيقية على الأرض، بل هي نتيجة طبيعية لانهيار التنظيم الأم. فبعد أن كانت الجماعة تعمل كهيكل مركزي متماسك، أصبحت اليوم مجرد شبكة من الكيانات المتناثرة، كل منها يحاول أن يقدم نفسه بديلاً عن الآخر، في مشهد أقرب إلى الفوضى منه إلى التنظيم.
أين تكمن قوة مصر؟
اكد البشبيشي أن قوة مصر لا تقاس بعدد المظاهرات أو حجم الضجيج الإعلامي، بل بقدرة الدولة على فرض هيبتها وحماية مؤسساتها. مشددا على أن مصر أثبتت قدرتها على "الضرب الاستباقي" لجماعة الإخوان، بحيث لم تعد الأخيرة قادرة على إعادة بناء وجودها التنظيمي على الأرض. مضيفا، أن المناعة المجتمعية في مصر ارتفعت بشكل ملحوظ. فبعد سنوات من الاضطراب والإرهاب، أصبح المصريون أكثر وعياً بطبيعة الإخوان "الحربائية"، وأدركوا أن دعوتهم للديمقراطية كانت مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، لا أكثر. وحين يكتشف الناس هذا التناقض، تفقد الجماعة قدرتها على التعبئة.
مفارقة الملاذات الأجنبية
لا ينكر البشبيشي أن الإخوان يجدون ملاذاً في لندن وستوكهولم وأمستردام، حيث يديرون شبكاتهم من الخارج. لكنه يعتبر هذا في حد ذاته دليلاً على ضعفهم، لا على قوتهم. فالحركة التي تحتاج إلى حماية أجنبية لتبقى على قيد الحياة، هي حركة فقدت جذورها في وطنها.
ويشرح البشبيشي أن هذا الاعتماد على الخارج ليس جديداً، بل هو سمة بنيوية في تاريخ الجماعة منذ عشرينيات القرن الماضي، حين استخدمتها قوى غربية كأداة لإضعاف الدول العربية. لكنه يرى أن هذا الاعتماد أصبح اليوم عبئاً ثقيلاً، لأن انهيار القاعدة الداخلية أدى إلى تراجع القدرة على التوجيه والتحكم من الخارج.
من يصمد في النهاية؟
وأكد البشبيشي، الصراع بين مصر والإخوان الارهابية، ليس صراعاً بين قوتين متكافئتين، بل هو صراع بين دولة تمتلك مؤسساتها وقدرتها على البقاء، وبين تنظيم إرهابي فقد قاعدته الشعبية وانكفأ على نفسه، بعد أن تحولوا من حركة تملأ الشوارع إلى "دكاكين" متناثرة تبحث عن ملاذ في الخارج، قد اعترفوا بفشلهم بأنفسهم.
أما مصر فقد أثبتت أنها أقوى من أن تسقط أمام جماعة تريد أن تحمل نعشها. فالدولة التي تنتصر في معركة الوعي، وتفرض هيبتها على أرضها، لا يمكن أن تهزمها "دكاكين" لا تملك رصيداً حقيقياً لدى شعبها