"ريتال" أصيبت وفقدت أمها ثم خطف القصف جدتها.. طفلة من غزة تنادي جدتها الثانية نسرين "أمي" بحثا عن حضن يعوضها دفء الأم المفقود وأمانا سرقه العدوان من طفولتها.. وآلاف الأطفال محرومون من أحبائهم داخل القطاع

السبت، 31 أكتوبر 2026 09:00 م
"ريتال" أصيبت وفقدت أمها ثم خطف القصف جدتها.. طفلة من غزة تنادي جدتها الثانية نسرين "أمي" بحثا عن حضن يعوضها دفء الأم المفقود وأمانا سرقه العدوان من طفولتها.. وآلاف الأطفال محرومون من أحبائهم داخل القطاع الطفلة ريتال

كتب أحمد عرفة

لا تكبر الطفولة دائما بالسنوات في غزة، ، بل بالخسارات التي تُفرض على الصغار قبل أن يتمكنوا من فهم معنى الفقد، هناك، حيث يسرق القصف من الأطفال وجوها اعتادوا أن يستيقظوا على ابتسامتها، تعيش الطفلة ريتال حكاية موجعة، فقدت فيها أمها، ثم فقدت جدتها في قصف آخر أُصيبت خلاله هي أيضا، لتجد نفسها أمام واقع يفوق قدرة قلب صغير على الاحتمال.

لم تكن ريتال تعرف أن الحياة يمكن أن تتغير بهذه القسوة، والأحضان التي كانت تمنحها الطمأنينة قد تتحول إلى ذكريات، وأن عليها أن تتعلم التعايش مع غياب أشخاص كانوا يشكلون عالمها الصغير، وبين صدمة الفقد وألم الإصابة، وجدت الطفلة نفسها في مواجهة أسئلة لا تعرف كيف تطرحها، ولا تملك إجابات عنها.

كيف يمكن لطفلة أن تفهم لماذا غابت أمها؟ ولماذا رحلت جدتها هي الأخرى؟ وكيف يمكنها أن تستوعب أن أصوات القصف التي تخيفها قد تحمل معها غيابا جديدا، والأشخاص الذين تحبهم ليسوا دائما إلى جوارها عندما تحتاج إليهم

الطفلة ريتال
الطفلة ريتال

 

"أمي".. كلمة تبحث فيها ريتال عن حضن مفقود

بعد أن فقدت ريتال أمها، ثم جدتها في قصف آخر أُصيبت خلاله أيضا، أصبحت تنادي جدتها الثانية نسرين بكلمة "أمي"، وكأنها تحاول أن تجد في هذا الاسم شيئا من الحنان الذي افتقدته، وتستعيد من خلاله إحساسا بالأمان تبدد مع رحيل أحبائها.

لم تعد كلمة "أمي" بالنسبة إلى ريتال مجرد نداء عابر، بل أصبحت تعبيرا عن حاجة طفلة إلى حضن يحتوي خوفها، ووجه يطمئنها حين تشعر بالوحدة، وشخص تلجأ إليه عندما تضيق بها الحياة.

وفي عالمها الصغير، تحاول الجدة نسرين أن تكون مصدرا للحنان والاحتواء، وتمنحها ما تستطيع من شعور بالاستقرار، في وقت تحتاج فيه الطفلة إلى رعاية تتجاوز الاحتياجات اليومية، لتشمل الدعم النفسي والاهتمام بآثار الفقد والإصابة التي مرت بها.

ما عاشته ريتال لا يمكن محوه بكلمات المواساة وحدها، فغياب الأم يترك فراغا لا يشبهه شيء، وفقدان الجدة في قصف آخر يضيف إلى قلب الطفلة ألما جديدا، بينما تظل ذكرياتها وأسئلتها حاضرة في تفاصيل يومها.

الجدية نسرين
الجدة نسرين

 

طفولة محاصرة بالخوف والفقد

في حياة الأطفال، يفترض أن تكون الأم مصدر الأمان الأول، وتكون الجدة امتدادا للحنان العائلي، وتمتلئ الأيام باللعب والضحكات والقصص الصغيرة، لكن الحرب في غزة قلبت هذه التفاصيل رأسا على عقب، ودفعت أطفالا كثيرين إلى مواجهة تجارب قاسية قبل أن تتشكل لديهم القدرة على فهمها أو التعبير عنها.

وريتال واحدة من هؤلاء الأطفال الذين لم يقتصر ما تعرضوا له على الخوف من القصف، بل امتد إلى فقدان أشخاص يمثلون جزءا أساسيا من عالمهم العاطفي، فحين تتكرر الخسارة في حياة طفل صغير، تصبح الحاجة إلى الأمان والاحتواء أكثر إلحاحا، ويصبح من الضروري ألا يُترك وحده في مواجهة ذكريات مؤلمة لا يستطيع استيعابها.

ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير مأوى أو طعام أو علاج للإصابة، على أهمية هذه الاحتياجات، بل بضرورة توفير رعاية نفسية واجتماعية تراعي عمر الطفلة وتجربتها، وتساعدها على التعبير عن مشاعرها واستعادة إحساسها بالأمان تدريجيا.

الأطفال الذين يعيشون الحرب لا يحتاجون إلى النجاة بأجسادهم فحسب، بل يحتاجون أيضا إلى من يساعدهم على استعادة ثقتهم بالعالم، ويمنحهم فرصة لأن يكونوا أطفالا من جديد، بعيدا عن الخوف المتواصل وذكريات الفقد.

ريتال.. حكاية تختصر وجع أطفال غزة

لا تقف حكاية ريتال عند حدود تجربتها الشخصية، بل تعكس جانبا من المعاناة التي يعيشها أطفال غزة الذين فقدوا أمهاتهم وآباءهم وأجدادهم، أو تعرضوا للإصابات والنزوح والانفصال عن أسرهم بسبب الحرب.

وراء كل طفل فقد أحد أحبائه حكاية لا تظهر كاملة في أرقام الضحايا وتقارير النزوح، هناك مقعد فارغ، ووجه غائب، ونداء يتكرر بحثا عن شخص لن يعود، وذكريات صغيرة تتحول إلى كل ما تبقى من حياة سابقة.

وفي حالة ريتال، تختصر كلمة "أمي" الكثير من هذا الألم، فهي تحمل حاجة طفلة إلى الحب والاحتواء، ومحاولة للعثور على الأمان في حضن جدتها الثانية نسرين، بعد أن فقدت أمها وجدتها في قصفين منفصلين.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة