لم تعد العلاقات الاقتصادية بين الدول تحسم بحجم التبادل التجاري أو قيمة الاستثمارات المعلنة، بل بقدرة كل طرف على تحويل مصالحه الاستراتيجية إلى مكاسب إنتاجية مستدامة، ومن هذه الزاوية، تكتسب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتفتح نقاشا أعمق حول موقع مصر في اقتصاد عالمي تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع حركة رأس المال والتجارة والتكنولوجيا، وتتحول فيه الموارد الاستراتيجية إلى أدوات للتأثير في القرار الدولي.
فروسيا تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي في أفريقيا، بينما تحتاج مصر إلى استثمارات نوعية وأسواق جديدة وقدرات صناعية أكثر تطورًا؛ وهو تقاطع يتيح فرصا مهمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للقاهرة أن تحول هذا التقارب إلى مكاسب تعزز قدرتها على الإنتاج والتصدير، بدلًا من الاكتفاء بتوسيع نطاق التعاملات التجارية؟.
تزداد أهمية السؤال في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد تأمين الغذاء والطاقة والمواد الخام والتكنولوجيا مسألة تجارية بحتة، بل أصبح جزءًا من حسابات الأمن القومي للدول، فقد أظهرت الأزمات الدولية أن اضطراب الإمدادات أو تعطل المدفوعات أو ارتفاع تكاليف التمويل يمكن أن ينتقل سريعًا إلى الأسعار المحلية والإنتاج والاستثمار، وفي المقابل، تسعى القوى الكبرى إلى بناء شبكات تجارية واستثمارية تمنحها أسواقًا أوسع ومصادر أكثر استقرارًا للموارد، ومن ثم، فإن التحرك المصري في موسكو ينبغي أن يُقرأ باعتباره محاولة لتوسيع الخيارات الاقتصادية في بيئة شديدة التقلب، وليس مجرد تأكيد على متانة العلاقات السياسية.
لكن توسيع الخيارات لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية متوازنة، فالعلاقة مع أي شريك دولي تظل محكومة بطبيعة ما ينتجه كل طرف، وما يستطيع تصديره، ومدى حاجته إلى منتجات الطرف الآخر، ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يتمثل في زيادة عدد الشراكات الخارجية، بل في تحسين موقعها التفاوضي داخل هذه الشراكات من خلال تطوير قدرتها الإنتاجية، وتوسيع صادراتها، واستقطاب استثمارات تنقل المعرفة وتدعم التصنيع، فكلما امتلك الاقتصاد قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، أصبح قادرًا على استثمار علاقاته الدولية من موقع أقوى، بدلًا من أن تظل هذه العلاقات وسيلة لتأمين احتياجاته من الخارج.
وتكشف الأرقام التجارية عن أحد أبرز الاختلالات التي ينبغي أن تتعامل معها القاهرة بجدية. فقد بلغ التبادل التجاري بين مصر وروسيا نحو 5.7 مليار دولار عام 2025، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إلى السوق الروسية من 485 مليون دولار عام 2021 إلى نحو 811 مليون دولار عام 2025، بنمو يقارب 66% .
وهذا تطور إيجابي، لكنه لا يحسم السؤال الأهم : هل يتسع حضور المنتجات المصرية في السوق الروسية بالقدر الذي يسمح بتحويل نمو التجارة إلى مصدر أقوى للنقد الأجنبي؟.
تكمن أهمية السؤال في أن الصادرات لا تمثل مجرد تدفقات مالية، بل تعكس قدرة الاقتصاد على المنافسة خارج حدوده، فزيادة صادرات المنتجات الزراعية والغذائية يمكن أن توفر عائدًا سريعًا نسبيًا، لكن بناء قدرة تصديرية أكثر استدامة يتطلب التوسع في الصناعات التحويلية والمنتجات الأعلى قيمة مضافة، وتحسين الجودة والإنتاجية، وتطوير النقل والتخزين والتأمين التجاري، ومن ثم، فإن الأولوية المصرية ينبغي أن تتمثل في تحديد القطاعات القادرة على زيادة مبيعاتها في روسيا، وإزالة العقبات التي تواجه الشركات المصرية، وربط الترويج التجاري باتفاقات توريد طويلة الأجل، فالمكسب الحقيقي ليس مجرد تسجيل نمو سنوي في الصادرات، وإنما بناء قدرة مستمرة على توليد الإيرادات الخارجية.
ومن هنا تبرز المنطقة الصناعية الروسية باعتبارها إحدى الأدوات الممكنة لإعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية، فقد أُبرمت الاتفاقية الحكومية الخاصة بإنشائها عام 2018، واستهدفت جذب استثمارات روسية وتوطين صناعات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتشير المعلومات المنشورة عن المشروع إلى أن أعمال التصميم والبناء والتركيب مخطط لها خلال الفترة من 2026 إلى 2029، مع استهداف بدء التشغيل في 2030.
وتكمن أهمية المشروع في إمكانية تحويل الموقع المصري إلى قاعدة إنتاج تخدم السوق المحلية والأسواق الأفريقية والعربية، لكن هذا الاحتمال يحتاج إلى شروط واضحة، فالمصنع الذي يعتمد على استيراد معظم مكوناته ويبيع إنتاجه داخل السوق المصرية يختلف اقتصاديًا عن المصنع الذي يطور موردين محليين ويصدر جزءًا كبيرًا من إنتاجه ويخلق خبرات صناعية جديدة، لذلك، ينبغي أن يكون التقييم قائمًا على نوعية الصناعات، ونسبة القيمة المضافة المحلية، وحجم الصادرات، والتدريب ونقل المعرفة، لا على قيمة الاستثمارات المستهدفة وحدها، كما ينبغي أن تتكامل المنطقة مع بقية المناطق الصناعية والموانئ وشبكات النقل المصرية، حتى لا تصبح مشروعًا منفصلًا عن الاقتصاد المحلي.
وفي هذا الإطار، تكتسب المنافسة على الأسواق الأفريقية أهمية خاصة، فقد بلغت التجارة الروسية مع القارة نحو 27 مليار دولار عام 2025، وفق تقديرات روسية، بينما تجاوزت التجارة الأفريقية مع الاتحاد الأوروبي 395 مليار دولار ومع الصين 348 مليار دولار في العام نفسه، بحسب بيانات أوردها مركز تشاتام هاوس.
وتعكس هذه الفجوة أن الحضور الروسي، رغم أهميته في بعض القطاعات الاستراتيجية، لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الروابط التجارية التي أقامتها القوى الاقتصادية الكبرى مع أفريقيا.
وهنا تتاح لمصر فرصة تتجاوز دور الوسيط التجاري؛ إذ يمكنها أن تربط الاستثمارات الروسية بالقدرات الصناعية المصرية والطلب الأفريقي، من خلال مشروعات مشتركة في الصناعات الغذائية والأسمدة والمعدات الزراعية وبعض الصناعات الهندسية، لكن نجاح هذا التوجه يتطلب تحديد منتجات تتمتع بميزة تنافسية فعلية، وتقييم تكاليف إنتاجها ونقلها وتمويلها، وضمان مطابقتها لقواعد المنشأ والاشتراطات التنظيمية للأسواق المستهدفة. فالموقع الجغرافي ميزة أولية، أما القدرة على الإنتاج بسعر وجودة ينافسان المنتجات الأخرى فهي التي تحسم المنافسة.
ويمتد هذا المنطق إلى الطاقة، حيث تمثل محطة الضبعة النووية مشروعًا استراتيجيًا طويل الأجل يتجاوز أثره المباشر في توليد الكهرباء، فالتعاون في هذا المجال يمكن أن يفتح فرصًا لتطوير الكفاءات الهندسية والفنية، وتوسيع مشاركة الشركات المصرية في الخدمات والصناعات المساندة، وبناء خبرات وطنية في التشغيل والصيانة، لكن تعظيم هذه المنافع يتطلب إدارة دقيقة للتكلفة التمويلية والالتزامات طويلة الأجل، وتحديد المجالات التي يمكن توطينها بصورة اقتصادية وآمنة، فالمشروع الكبير لا يصبح مكسبا تنمويا كاملا لمجرد تنفيذه، وإنما عندما تتناسب عوائده مع تكلفته ويترك وراءه قدرات محلية قابلة للاستمرار.
أما في مجال الحبوب والأسمدة، فإن العلاقات مع روسيا تمنح مصر فرصة لتعزيز انتظام الإمدادات، لكنها لا تغني عن تنويع الموردين وتحسين كفاءة إدارة المخزون وتقليل الفاقد، وتكمن القيمة المضافة الممكنة في تطوير التخزين والنقل والتصنيع الزراعي، بحيث لا يقتصر التعاون على شراء السلع، بل يمتد إلى تحسين كفاءة منظومة الغذاء وخفض تكاليفها، وهذا مهم لأن ارتفاع تكلفة الاستيراد لا يؤثر في التجارة الخارجية فقط، بل قد ينتقل إلى أسعار الغذاء والإنتاج الزراعي والمالية العامة، ما يجعل إدارة مخاطر الإمدادات جزءًا من السياسة الاقتصادية الكلية.
وتفرض طبيعة العلاقات المالية الدولية ضرورة الانتباه إلى مخاطر العقوبات والقيود المصرفية وتكاليف التأمين والشحن. فالتوسع في التسوية بالعملات الوطنية قد يخفض بعض تكاليف التحويل، لكنه لا يعالج تلقائيا اختلال التجارة أو نقص السيولة، ولذلك، ينبغي أن تستند الترتيبات المالية إلى آليات قابلة للتطبيق لإدارة المدفوعات ومخاطر الصرف، مع دراسة تكلفتها الفعلية وقدرتها على تسهيل التجارة. فنجاح الاتفاقات الاقتصادية لا يتوقف على توقيعها، وإنما على قدرة الشركات والمصارف على تنفيذها دون مخاطر غير محسوبة.
وفي تقديري، فإن القيمة الاستراتيجية للعلاقات المصرية الروسية تكمن في قدرتها على توسيع خيارات مصر الاقتصادية دون أن تتحول إلى اعتماد جديد على شريك واحد، فالقاهرة تحتاج إلى التعاون مع موسكو في المجالات التي تحقق مصالح واضحة، بالتوازي مع تطوير علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا والولايات المتحدة والصين وغيرها من القوى. لكن تنويع الشركاء لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تطوير للقدرات الإنتاجية والتصديرية المصرية؛ إذ إن قوة التفاوض لا تأتي من تعدد العلاقات وحده، بل من امتلاك بدائل حقيقية في الأسواق والتكنولوجيا والتمويل والإمدادات.
ولا يمكن إغفال البعد الشخصي في العلاقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باعتباره أحد العوامل التي تساعد على استمرار قنوات التواصل السياسي وتسهيل إدارة الملفات المشتركة، فالتقدير المتبادل بين القيادتين، حين يستند إلى اتصالات منتظمة ومصالح واضحة واحترام متبادل للأولويات الوطنية، يمكن أن يوفر مساحة أوسع للتفاهم بشأن القضايا المعقدة، ويمنح المباحثات الرسمية قدرًا من المرونة في معالجة الخلافات وتجاوز العقبات.
إن الرهان الحقيقي لمصر في موسكو هو الانتقال من علاقة تتيح لها تأمين احتياجاتها إلى شراكة تساعدها على توسيع قدرتها الإنتاجية والتصديرية، فروسيا تستطيع أن تكون شريكا مهمًا في الطاقة والغذاء والصناعة، لكن العائد النهائي يتوقف على قدرة مصر على اختيار المشروعات الأكثر جدوى، والتفاوض على شروط تحقق مصالحها، وربط الاستثمار بالتكنولوجيا والتصنيع والتصدير، وعندما تصبح هذه النتائج قابلة للقياس والاستمرار، تتحول العلاقات الثنائية من رصيد دبلوماسي إلى قوة اقتصادية حقيقية، وتكتسب الشراكة معناها الاستراتيجي الذي يتجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي.