تركز رواية شريف سعيد أجمل من نجلاء على تلك اللحظة التي يفشل فيها الحاضر في تفسير نفسه، فيضطر إلى استدعاء التاريخ كله، فالمدخل الذي تختاره الرواية مدخل صادم بامتياز: صحفية مصرية نجلاء بهاء الوطن تقف في مطبخها الصغير في باريس عام 2025، تطالع قناة فوكس نيوز وهي تبث تنويها عن أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء 1991، لتجد نفسها على الشاشة، طفلة حافية بملابس البيت، تبكي في طرقات رفحاء الحدودية، هذه الصورة الملتقطة لها دون أن تدري قبل 35 عاما هي اللحظة الفارقة في تاريخ جيل، إنها ليست مجرد ذكرى، لكنها اقتحام للماضي من خلال الحاضر، وهي التقنية التي يقوم عليها بناء الرواية كله: الانطلاق من لحظة فارقة في تاريخ جيل عن طريق استعادة صورة لتاريخ كامل.
هنا تتجلى براعة الرواية في استخدام تقنية الحكاية داخل الحكاية، فهي تبني نفسها على مستويين سرديين متداخلين، المستوى الأول: الخارجي، بصوت السارد المطلق (العليم)، وهو السارد الذي نتابعه من خارج الحكاية يرصد نجلاء في لحظتها الحاضرة في باريس، وهي تحاول التوازن في عالم مليء بالمتناقضات، بين القهوة بلا سكر، وبرج إيفل من النافذة، وذاكرة جسدها الموشوم، ويعرف هذا السارد العليم، الموضوعي، كل شيء عن باريس لكنه لا يعرف شيئا عن دواخل نجلاء إلا ما يظهر من أفعالها، هو سارد الحاضر المأزوم.
أما المستوى الثاني: الداخلي، فيظهر بصوت السارد الممسرح على لسان نجلاء، التي توقفها صورتها وهي طفلة في أثناء عاصفة الصحراء، فتقرر فعلاً سرديا خلاصيا: كتابة خط سردي جديد يحكي بداية حياتها، وهنا يتمسرح السارد، فتتحول نجلاء من موضوع يُحكى عنه بضمير الغائب هي إلى ذات تحكي عن نفسها بضمير أنا.
تقول: كنت أتساءل كيف أذهب إلى مدرستي بتلك العباءة، ما زلت أذكر ردة فعل أمي، وهذه الأنا هي التي تتلقف الخيط، لتكون بمثابة ترميم لحكايتها الخاصة وحكاية بهاء الوطن سندان، أبيها، الذي يمثل المجاز الأكبر للفكرة، الاسم مركب وتاريخي: سندان تيمنا بالثورة البلشفية، وبهاء الوطن الذي يجسد فرحا بضباط 1952.
وهذا الأب الذي كان شابا يساجل الإسلاميين في جامعة القاهرة، يتحول في رفحاء إلى حصالة معدنية حزينة، مجرد رقم وظيفي يدخر الريالات، لقد فقد بالغربة فعله الإيجابي.
وتمثل استعادة نجلاء لذاكرتها الكاملة محاولة لاستعادة لفكرة الوطن نفسه من خلال ترميم سيرة أبيها، ولكي لا يتحول هذا التاريخ إلى سرد تأريخي جاف، تلجأ الرواية إلى تقنية ثالثة شديدة الذكاء: الموسيقى بوصفها نقاطا مفصلية وخلفية صوتية، حيث تمثل المقطوعات الموسيقية في الرواية آلية لقطع الزمن السردي، حين يعزف العجوز هنري تحت نافذتها في باريس مقطوعة طريقة حياة لهانز زيمر، التي سمعتها أول مرة في سينما مترو 2003 ضمن فيلم الساموراي الأخير، وتقوم الموسيقى هنا بعمل يشبه عمل الفلاش باك، وحين يعزف هنري السلام عليك يا مريم لشوبرت، تستدعي نجلاء ذاكرة العذراء في كنيسة أم الأحزان جنوب العراق. وحين تأتي من أجل حب الأميرة لجيمس هورنر، تتوقف نجلاء عن الكتابة لتلتقط أنفاسها، وهكذا لتصبح الموسيقى هنا هي المونتاج، فهي التي تنقلنا من باريس إلى رفحاء، ومن رفحاء إلى القاهرة، دون الحاجة إلى كلمة فلاش باك، وكل أغنية لفيلم أو مقطوعة هي عنوان لفصل من فصول الذاكرة.
إن أجمل من نجلاء تقف عند تلك اللحظة الفارقة - صورة طفلة في عاصفة الصحراء - لا لتبكي عليها، بل لتنطلق منها، محاولة استعادة فكرة وطن كامل – أو جيل كامل عاش لحظة انكسار يحاول أن ينساها أو يخفيها - عن طريق استعادة ذاكرة امرأة واحدة كاملة من لحظة الحاضر.