حسين عبدالبصير

رمسيس الثانى ليس فرعون موسى: التاريخ والأدلة والبحث عن الحقيقة

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 01:17 م


كلما ذُكر النبي موسى ومصر القديمة، قفز إلى الأذهان اسم رمسيس الثاني. فقد أصبح هذا الملك العظيم، الذي لا تزال تماثيله العملاقة تتحدى الزمن، في المخيلة الشعبية، هو الفرعون الذي واجه موسى وشهد أحداث الخروج من مصر.

لكن هل يستند هذا الربط إلى أدلة تاريخية وأثرية مؤكدة؟ أم أننا أمام فرضية تاريخية تحولت، بفعل التفسيرات الدينية والذاكرة الشعبية والسينما الحديثة، إلى حقيقة يتعامل معها كثيرون باعتبارها أمرًا محسومًا؟

يستحق هذا السؤال أن نتوقف أمامه بعقل الباحث، وأن نميز بين ما تقوله النصوص الدينية، وما تكشفه الآثار، وما لا يزال مجهولًا في تاريخ مصر القديمة.

كان رمسيس الثاني، الذي حكم مصر نحو عام 1279 إلى 1213 قبل الميلاد، واحدًا من أعظم ملوك الدولة الحديثة وأكثرهم شهرة. امتد حكمه قرابة ستة وستين عامًا، شهدت خلالها مصر نشاطًا عمرانيًا هائلًا، ومشروعات ملكية ضخمة، وتحولات مهمة في علاقاتها بالقوى المحيطة بها. ارتبط اسمه بمعبد أبي سمبل، والرامسيوم، ومنشآت الكرنك، ومدينة «بر رعمسيس» الملكية في شرق الدلتا.

كان رمسيس الثاني ملكًا يدرك جيدًا قيمة الصورة والذاكرة. أقام تماثيله الضخمة، وخلّد اسمه على جدران المعابد، وسجّل إنجازاته العسكرية والسياسية في نقوش أراد لها أن تعبر القرون. لقد فهم أن السلطة لا تقوم على القوة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى رواية تحفظها في ذاكرة الأجيال.

ومع ذلك، فإن عظمة الملك لا تثبت أنه الشخصية التي تقصدها رواية دينية، كما أن شهرة اسمه لا تكفي لإثبات علاقته بحدث تاريخي لم يرد ذكره صراحة في الوثائق المعاصرة لعصره.

من هنا تبدأ المسألة الحقيقية: كيف ارتبط رمسيس الثاني بقصة موسى؟

يرجع هذا الربط، في جانب مهم منه، إلى ورود اسم مدينة «رعمسيس» في سفر الخروج، في سياق الحديث عن المدن التي بناها بنو إسرائيل تحت السخرة لفرعون. وقد ربط عدد من الباحثين بين هذه المدينة ومدينة «بر رعمسيس»، التي ازدهرت بوصفها مركزًا ملكيًا مهمًا خلال عصر رمسيس الثاني.

وقد جعل هذا التشابه في الأسماء والتقارب الزمني المحتمل من رمسيس الثاني أحد أبرز المرشحين في النظريات التي تحاول تحديد هوية فرعون موسى.

لكن وجود صلة محتملة بين اسم مدينة وعصر ملك معين لا يعني بالضرورة أن هذا الملك هو فرعون القصة. فقد يكون الاسم انعكاسًا لواقع تاريخي مرتبط بالعصر الرعامسي، وقد يكون اسمًا جغرافيًا استخدمه كاتب النص في فترة لاحقة، حين أصبحت المدينة معروفة بهذا الاسم.

إن التشابه بين الأسماء يفتح باب البحث، لكنه لا يغلقه بإجابة نهائية.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا واضح: هل نملك نقشًا مصريًا معاصرًا لعهد رمسيس الثاني يذكر موسى بالاسم، أو يسجل أحداث الخروج كما وردت في النص الديني، أو يحدد هوية الفرعون الذي واجهه موسى؟

الإجابة هي أننا لا نملك حتى الآن دليلًا مصريًا معاصرًا معروفًا يحسم هذه المسألة.

لدينا ثروة هائلة من الأدلة التي توثق حكم رمسيس الثاني. فالمعابد والتماثيل والنقوش والوثائق الدبلوماسية تسمح لعلماء المصريات بإعادة بناء جوانب واسعة من عالمه السياسي والديني. ونعرف حملاته العسكرية، وعلاقاته بممالك الشرق الأدنى القديم، والصراع الطويل بين مصر والحيثيين، ثم معاهدة السلام التي أصبحت من أبرز شواهد الدبلوماسية في العالم القديم.

لكن هذه الثروة من الأدلة لا تتضمن نصًا معاصرًا معروفًا يحدد رمسيس الثاني بوصفه فرعون موسى.

ولا يعني غياب الدليل أن كل ما ترويه التقاليد الدينية مستحيل من الناحية التاريخية. فالسجل الأثري غير مكتمل، وقد وقعت أحداث كثيرة في العالم القديم لم تترك وراءها وثائق باقية. لكن غياب الدليل المباشر يعني أن علينا ألا نقدم فرضية رمسيس الثاني باعتبارها حقيقة أثرية مثبتة.

وهنا تكمن إحدى أهم قواعد البحث التاريخي: أن نظل منفتحين على الاحتمالات، من دون أن نخلط بين الاحتمال والبرهان.

ومن الشواهد المهمة في هذه المناقشة لوحة مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني وخليفته، التي يرجع تاريخها عادة إلى نحو عام 1208 قبل الميلاد. وتكتسب هذه اللوحة أهمية استثنائية لأنها تتضمن أقدم إشارة مصرية معروفة على نطاق واسع إلى جماعة تحمل اسم «إسرائيل»، في سياق حملة عسكرية في بلاد كنعان.

تخبرنا اللوحة أن جماعة تُعرف بهذا الاسم كانت موجودة في كنعان بحلول أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وهي بذلك تقدم شاهدًا مصريًا مهمًا على وجود إسرائيل في تلك المنطقة خارج النصوص الدينية.

لكن اللوحة لا تذكر موسى، ولا تتحدث عن الخروج من مصر، ولا تحدد اسم الفرعون الذي واجهه النبي. إنها تقدم معلومة تاريخية مهمة، لكن من الضروري ألا نحملها أكثر مما تحتمل.

وقد ساهم هذا الشاهد في فتح نقاش واسع حول تاريخ الخروج المفترض، وعلاقته بالتاريخ المصري وتاريخ بلاد كنعان. فإذا كانت جماعة إسرائيل موجودة في كنعان في عهد مرنبتاح، فما التاريخ الذي يمكن اقتراحه للأحداث التي تتناولها الرواية الدينية؟ وهل يمكن ربطها بعصر رمسيس الثاني، أم بفترة أسبق، أم بسياق تاريخي أكثر تعقيدًا؟

تختلف آراء الباحثين في هذه المسائل، ولا تقدم الأدلة المتاحة حتى الآن إجابة نهائية تحسم الخلاف.

لقد أسهمت السينما الحديثة بدورها في ترسيخ صورة رمسيس الثاني بوصفه فرعون موسى. فالأفلام التي تناولت قصة الخروج احتاجت إلى شخصيات واضحة ومشاهد ضخمة، وكان رمسيس الثاني، بما تركه من آثار مهيبة وشهرة واسعة، شخصية مناسبة لبناء صورة الفرعون في المخيلة الجماهيرية.

ومع تكرار هذه الصورة عبر الأجيال، اختلط المشهد السينمائي بالحقيقة التاريخية لدى كثيرين. وأصبح الملك الذي يظهر على الشاشة وكأنه الشخصية نفسها التي واجهت موسى، رغم أن هذا التحديد لم يثبت بأدلة أثرية قاطعة.

لكن السينما ليست وثيقة أثرية، مهما بلغت قوتها الفنية وقدرتها على إحياء الماضي.

فالتمثال العملاق لرمسيس الثاني في أبي سمبل يخبرنا عن ملك أراد أن يخلّد اسمه، وأن يعلن سلطته، وأن يترك للأجيال صورة باقية عن عهده. لكنه لا يخبرنا أن صاحبه واجه موسى.

إن رمسيس الثاني لا يحتاج إلى أن يكون فرعون موسى حتى يحتفظ بمكانته الاستثنائية في التاريخ المصري. فمجده موثق بآثاره وإنجازاته ونقوشه، وبما تركه من شواهد تسمح لنا بفهم جانب مهم من حضارة مصر القديمة.

وهنا نصل إلى مسألة أوسع تتعلق بالطريقة التي ننظر بها إلى مصر القديمة.

كثيرًا ما تُقرأ الحضارة المصرية من خلال علاقتها بالروايات الدينية وحدها، وكأن المعابد والتماثيل لم تُشيد إلا لتكون خلفية لأحداث ترويها نصوص جاءت في عصور لاحقة. وبذلك يتراجع التاريخ المصري المستقل، وتُختزل حضارة كاملة في البحث عن أسماء ملوك يمكن ربطهم بشخصيات دينية.

لكن مصر القديمة تستحق أن تُدرس في ذاتها، لا بوصفها مجرد مسرح لأحداث الآخرين.

لقد طوّر المصريون القدماء نظمًا متقدمة في الإدارة والعمارة والطب والرياضيات والفنون، وتركوا نصوصًا دينية وفكرية تكشف عن تأملاتهم العميقة في الكون والإنسان والحياة والموت. وشغلتهم أسئلة العدالة والنظام والمسؤولية الإنسانية وعلاقة البشر بالقوى الإلهية.

ويقدم مفهوم «ماعت»، بما يتضمنه من معاني الحق والعدل والتوازن والنظام الكوني، مثالًا مهمًا على عمق الرؤية المصرية القديمة للعالم. فلم تكن مصر القديمة مجرد أرض للأهرامات والمعابد، بل كانت حضارة امتلكت تصورًا متكاملًا للعلاقة بين الإنسان والمجتمع والكون.

ومن واجبنا، بوصفنا علماء آثار ومؤرخين، أن نستعيد هذا البعد الإنساني والفكري للحضارة المصرية، وأن نقرأ المصريين من خلال كلماتهم وآثارهم وعالمهم الخاص، لا أن نحولهم إلى شخصيات ثانوية في روايات كُتبت في عصور أخرى.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول البحث التاريخي إلى خصومة مع الإيمان. فاحترام العقائد الدينية لا يفرض علينا الادعاء بأن علم الآثار أثبت كل تفصيل في النصوص المقدسة، كما أن الاعتراف بحدود الأدلة الأثرية لا يعني رفض التقاليد الدينية أو التقليل من أهميتها لدى المؤمنين.

فالإيمان والبحث التاريخي ينطلقان من مناهج وأسئلة مختلفة. يبحث المؤرخ في الوثائق والشواهد المادية والتسلسل الزمني والسياق التاريخي، بينما تتناول التقاليد الدينية أيضًا قضايا العقيدة والمعنى الأخلاقي وعلاقة الإنسان بالخالق.

ويمكننا احترام هذه المجالات المختلفة من دون الخلط بين طبيعة كل منها.

إن السؤال عن هوية فرعون موسى ليس مجرد محاولة لمعرفة اسم ملك مصري قديم، بل هو اختبار لطريقتنا في التعامل مع الماضي. هل نقبل الصورة الشائعة لأنها مألوفة ومتوارثة، أم نمتلك الشجاعة الفكرية لمراجعتها عندما لا نجد دليلًا حاسمًا يؤيدها؟

إن الأمانة العلمية تقتضي أن نميز بين ما تثبته الوثائق وما نستنتجه منها، وبين ما يبدو محتملًا وما ثبت بالفعل، وبين ما نعرفه وما لا يزال مجهولًا.

ومن منظور علم الآثار، لا نستطيع الجزم بأن رمسيس الثاني هو فرعون موسى. كما لا نستطيع تحديد ملك آخر بصورة نهائية بوصفه الفرعون المقصود، اعتمادًا على الأدلة المتاحة حاليًا.

وتظل المسألة مفتوحة أمام البحث.

لقد كان رمسيس الثاني ملكًا حقيقيًا، نعرف الكثير عن حياته وعهده وآثاره. أما موسى، فهو نبي تحتل قصته مكانة مركزية في التقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية. لكن العلاقة التاريخية الدقيقة بين الرواية الدينية والشواهد المصرية القديمة لم تُحسم بصورة قاطعة.

ولا ينتقص هذا الغموض من قيمة التاريخ، بل يمنح البحث العلمي فرصة لمواصلة العمل، ويدعونا إلى طرح أسئلة أكثر دقة، والبحث عن شواهد جديدة، وإعادة النظر في التفسيرات القائمة كلما ظهرت أدلة تستدعي ذلك.

وربما تكون أعظم خدمة نقدمها لمصر القديمة هي أن نقترب منها بالفضول العلمي والاحترام والشجاعة الفكرية، وأن نترك آثارها ونقوشها تتحدث بلغتها، وأن نتبع الأدلة حيث تقودنا، لا حيث نرغب في أن تقودنا.

فالماضي لا يمنحنا دائمًا الإجابات التي نبحث عنها، لكنه يعلمنا أن قيمة المعرفة لا تكمن في امتلاك إجابة جاهزة لكل سؤال، بل في القدرة على التمييز بين الحقيقة والفرضية، وعلى الاعتراف بحدود ما نعرفه.

رمسيس الثاني ملك نعرف تاريخه وآثاره وإنجازاته. أما كونه فرعون موسى، فلم يثبت حتى الآن بأدلة تاريخية وأثرية حاسمة. وإلى أن تظهر شواهد جديدة تسمح بإجابة أكثر يقينًا، تظل الأمانة العلمية تقتضي الفصل بين الملك الذي نعرفه من خلال آثاره، والفرعون الذي لا تزال هويته موضع بحث.

ففي دراسة التاريخ، يجب أن تسبق الرغبة في الوصول إلى الحقيقة الرغبة في الاطمئنان إلى إجابة مألوفة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة