من لبنان إلى الإنسانية.. محمد مرتضى وزير الثقافة السابق في حوار لـ"اليوم السابع": الحرب تبدأ على الأرض ولا تنتهي عندها.. المبدع لا يستطيع أن يكون معزولا عن وجعه.. ونريد حماية التراث باعتباره جزءا من صمود الدولة

السبت، 03 أكتوبر 2026 03:00 م
من لبنان إلى الإنسانية.. محمد مرتضى وزير الثقافة السابق في حوار لـ"اليوم السابع": الحرب تبدأ على الأرض ولا تنتهي عندها.. المبدع لا يستطيع أن يكون معزولا عن وجعه.. ونريد حماية التراث باعتباره جزءا من صمود الدولة محمد مرتضى وزير الثقافة اللبناني السابق

حوار / أحمد عرفة

<< اللبناني الذي واجه الحرب كان يحمل فوق كتفيه أثقال أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة

<< الثقافة تتضرر لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر ضرورة

<< لابد من سياسة ثقافية تربط الثقافة بالتعليم والاقتصاد والإنماء

<< النزوح ليس انتقالا جغرافيا فحسب بل اقتلاع للإنسان من تفاصيله

<< الحرب تبدأ على الأرض لكنها لا تنتهي عندها

<< يجب حماية الوعي اللبناني من محاولات الاحتلال الإدراكي

<< أقول للبنانيين احفظوا وطنكم من احتلال الوعي كما تحفظون أرضه من الاحتلال

<< الإبداع الذي يولد من الحرب جزء من أرشيف الذاكرة الوطنية

<< الإنفاق على الثقافة ليس إنفاقا على الترف بل استثمار في الإنسان

<< من يفقد ذاكرته يسهل أن تُكتب له رواية غير روايته

<< نحن مختلفون ولكن اختلافنا لا يلغي وحدتنا


في لبنان، لا تقاس الحروب بما تتركه خلفها من ركام ودمار فقط، فثمة خسائر أخرى لا تظهر في الصور ولا تسجلها أرقام الضحايا والنازحين، خسائر تمس الإنسان في ذاكرته وأمانه وأحلامه، وتترك ندوبا عميقة في الوعي الجمعي، بينما يبقى السؤال الأصعب: كيف عاش اللبنانيون الحرب؟ وكيف عاشها أولئك الذين كانت مهمتهم أن يحفظوا للإنسان صوته، وللذاكرة حكايتها، وللألم معنى يتجاوز لحظة وقوعه؟

من هنا تنطلق سلسلة الحوارات "من لبنان إلى الإنسانية"، التي تفتح صفحات من الذاكرة اللبنانية عبر شهادات عدد من الكتاب والروائيين والشعراء والمثقفين، ممن عاشوا الحرب وعايشوا تفاصيلها، واختبروا الخوف والنزوح والدمار، ورأوا بأعينهم حجم المآسي والآلام والمجازر التي تركتها في الإنسان والمكان.

ليست هذه الحوارات بحثا في الحرب من زاوية عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما محاولة للإنصات إلى الجانب الإنساني والثقافي منها، إلى ما يحدث للإنسان حين يفقد بيته، وللمدينة حين تفقد أبناءها، وللكاتب حين يجد نفسه أمام مشاهد أكبر من قدرة اللغة على الوصف، كما تحاول السلسلة أن تقترب من الدور الذي لعبه المثقفون والمبدعون في تسجيل تلك اللحظات، وتحويل التجربة الشخصية والجماعية إلى نصوص وشهادات وأعمال أدبية وفنية تحفظ ما قد يحاول الزمن طمسه.

وفي هذا السياق، يأتي حوارنا مع الدكتور محمد مرتضى، وزير الثقافة اللبناني الأسبق، الذي يتحدث عن آثار الحرب على الإنسان اللبناني، وعن الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية، وما أصاب الحياة الثقافية والمثقفين والكتاب والفنانين من تداعيات، كما يتناول مسؤولية الثقافة في مواجهة النسيان، وحماية التراث، وصون الوعي، ودور المثقف في مواجهة ما يصفه بـ"حرب الوعي" و"الاحتلال الإدراكي"، مؤكدا أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يرى بها الإنسان وطنه وتاريخه ومستقبله.

وفي حديثه، يتوقف مرتضى عند بيروت بوصفها نموذجا للتنوع الثقافي والفكري، وقدرة اللبنانيين على استعادة الحياة رغم قسوة الحرب، كما يضيء على الأدب والفن باعتبارهما شاهدين على التاريخ، وربما من أكثر الشهود قدرة على تسجيل الإنسان داخل الحدث، فالمؤرخ قد يوثق وقائع الحرب وأرقامها، لكن الرواية والقصيدة والأغنية واللوحة تستطيع أن تحفظ خوف طفل، وحنين نازح، ووجع أم، وذاكرة مدينة.

وتسعى سلسلة "من لبنان إلى الإنسانية" إلى منح هذه الأصوات مساحة للحديث، لا باعتبارها شهادات على الماضي فقط، وإنما باعتبارها رسائل إلى المستقبل، رسائل تقول إن الحرب، مهما كان حجم الخراب الذي تخلفه، لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان حقه في الحلم والكتابة والإبداع، والثقافة قد تتحول في أكثر اللحظات قسوة إلى شكل من أشكال الصمود، ووسيلة لحماية الذاكرة والهوية والمعنى.

ما يكتبه المثقفون اليوم عن الحرب لن يبقى مجرد نصوص مرتبطة بلحظة زمنية عابرة، بل قد يصبح جزءا من الذاكرة التي ستعود إليها أجيال لاحقة لتعرف كيف عاش اللبنانيون، وكيف قاوموا الخوف، وكيف حفظوا حكاياتهم، وكيف حاولوا أن يستعيدوا الإنسان من بين الركام، ومن لبنان الذي أنهكته الحروب، تأتي هذه الأصوات لتتحدث إلى الإنسانية كلها عن الألم، والذاكرة، والثقافة، والإنسان الذي، رغم كل شيء، يصر على أن يبقى حيا وقادرا على الكتابة، وإلى نص الحوار ..

محمد مرتضى
محمد مرتضى

شهد لبنان حربا تركت آثارا إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.. كيف تقرأ حجم المعاناة التي عاشها اللبنانيون؟

الحرب لا تقاس بعدد الأبنية التي هُدمت، ولا بحجم الخسائر المادية التي يمكن أن تُحصى بالأرقام، ثمة أوجاع لا تدخل في جدول، وبيوت لم يعد أهلها إليها، وأمهات تغير معنى الليل في عيونهن، وأطفال كبروا على صوت الخوف بدل أن يكبروا على صوت المدرسة، واللبناني الذي واجه الحرب كان يحمل فوق كتفيه أصلا أثقال أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، لذلك جاء العدوان ليضاعف الوجع، وليضع الإنسان أمام امتحان قاس: كيف يحافظ على كرامته وحياته الطبيعية فيما كل ما حوله يدفعه إلى الخوف واليأس؟

ومع ذلك، بقي اللبناني متمسكا بالحياة، وهذه ربما إحدى أكثر خصال لبنان رسوخا، أننا نعرف كيف نعود من تحت الركام، لا لأننا ننسى جراحنا، بل لأننا نرفض أن تكون جراحنا قدرنا الوحيد.

من موقعكم كوزير سابق للثقافة..كيف تنظرون إلى تأثير الحروب على الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية والهوية الثقافية؟

الحرب تبدأ على الأرض، لكنها لا تنتهي عندها، أخطر ما تفعله أنها تحاول أن تغير صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخر وعن وطنه، وحين تتشظى الذاكرة، يتشظى الوطن في الوعي، كل جماعة تبدأ بكتابة تاريخها الخاص، وتنسى أن للبنان ذاكرة لا تكتمل إلا بكل أبنائه، وبكل آلامهم وانتصاراتهم وانكساراتهم، من هنا تأتي مسؤولية الثقافة، أن تحفظ الذاكرة من النسيان، ولكن أيضا أن تحفظها من التوظيف في الخصومة، فالثقافة ليست مستودعا للماضي فحسب، إنها الطريقة التي نقرر بها أي مستقبل نريد.

هل ترون أن الحرب الإسرائيلية على لبنان استهدفت فقط الأرض والبنية التحتية؟

حين تُقصف الأرض، يُصاب الإنسان، وحين تُدمر قرية، لا تُدمر حجارتها وحدها، بل تُصاب علاقتها بأهلها، وذاكرتها، وموروثها، وما تختزنه من حكايات، الأرض اللبنانية ليست مساحة صامتة، كل حجر فيها يحمل أثر إنسان، وكل قرية تحمل طبقات من الذاكرة، وكل موقع أثري يقول إن هذا البلد أقدم من أزماته الراهنة، لذلك فإن استهداف المكان يحمل، في أحد أبعاده، استهدافا لمعناه، ومن هنا فإن حماية التراث والثقافة ليست عملا ثانويا يُؤجل إلى ما بعد الحرب، إنها جزء من الدفاع عن لبنان الذي نريد أن يبقى.

كيف انعكست أجواء الخوف والنزوح والدمار على الحالة النفسية للمجتمع اللبناني؟

أقسى ما في الحرب أنها تسلب الإنسان اعتياده على الحياة، يصبح النوم قلقا، والطريق احتمالا، والبيت مكانا قد يضطر إلى مغادرته في لحظة، والنزوح ليس انتقالا جغرافيا فحسب، إنه اقتلاع للإنسان من تفاصيله، من بيته، وجيرانه، وذكرياته، ومقهاه، ومدرسته، وشارعه، لكن في المقابل، رأينا اللبنانيين يتشبثون بكل ما يستطيعون من مظاهر الحياة، وهذه ليست مسألة بسيطة، أن يصر الإنسان على أن يعلم ابنه، ويقرأ كتابا، ويستمع إلى الموسيقى، ويلتقي بالآخر، في زمن الحرب، هو إعلان هادئ بأن الحياة لن تُسلم للخراب واللبناني لا سيما الجنوبي لن يستسلم لمشروع أعداء الإنسانية.

بيروت ارتبطت تاريخيا بالتنوع الثقافي والفكري.. كيف أثرت الحرب على هذا النموذج؟

بيروت لم تكن يوما مدينة لصوت واحد، قيمتها أنها كانت مكانا يستطيع فيه المختلفون أن يلتقوا، ويتجادلوا، ويكتبوا، ويبدعوا، من دون أن يصبح الاختلاف سببا لإلغاء الآخر، وهذه هي روح لبنان أيضا، قد تضرب الحرب هذه الروح، وتزرع بين اللبنانيين مسافات من الخوف وسوء الظن، لكن بيروت قادرة على استعادة دورها متى استعاد لبنان معنى العيش معا.

أنا أؤمن أن لبنان ليس قويا رغم تنوعه، بل قوي بتنوعه، لبنان وطن اختلافنا، لا أداة اقتتالنا، وما يحفظ بيروت ويحفظ لبنان هو أن يبقى اختلافنا تحت سقف الوطن، لا أن يتحول الوطن إلى سقف يتساقط فوق اختلافاتنا.

إلى أي مدى تأثر القطاع الثقافي اللبناني بالحرب؟

الثقافة تتأثر بالحرب لأنها تحتاج إلى بيئة من الاستقرار والحرية والحركة، المسرح يحتاج إلى جمهور، والكتاب يحتاج إلى قارئ، والمعرض يحتاج إلى زائر، والمهرجان يحتاج إلى مدينة آمنة، لكن الثقافة اللبنانية تمتلك شيئا لا تستطيع الحرب مصادرته بسهولة، المبادرة الفردية وروح الخلق، قد تتوقف مؤسسة، لكن لا يتوقف الفكر، وقد يُغلق مسرح، لكن لا ينطفئ المسرح في وجدان أهله، وقد يتعذر على الفنان أن يعرض عمله، لكنه يستطيع أن يواصل إنتاجه في صمته.

محمد مرتضى وزير الثقافة اللبنانى السابق
محمد مرتضى وزير الثقافة اللبنانى السابق

هل الثقافة تكون أكثر القطاعات تضررا خلال الحروب أم تتحول إلى وسيلة للصمود؟

الثقافة تتضرر، نعم، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر ضرورة، وحين تضيق الحياة، يحتاج الإنسان إلى ما يذكره بأنه ليس مجرد ناج من الحرب، بل إنسان له روح وذاكرة وحلم، لذلك أرى الثقافة في زمن الحرب فعل صمود بامتياز، وليس المقصود بالصمود هنا معنى سياسيا ضيقا، بل أن ترفض الحرب أن تعيد تشكيل الإنسان وفق منطقها، أن تبقى شاعرا حين يريدون منك أن تكون غاضبا فقط، وتبقى قادرا على الحوار حين يريدون منك أن ترى في الآخر عدوا دائما.

كيف أثرت الحرب على الكتاب والمثقفين والفنانين؟

المبدع ابن مجتمعه، ولا يستطيع أن يكون معزولا عن وجعه، لقد أصابته الحرب كما أصابت سائر اللبنانيين، في بيته وعمله وأمانه ومستقبله، لكن الإبداع في لبنان لطالما ولد من قلب المحن، قد لا يستطيع الفنان اليوم أن ينجز العمل الذي كان يخطط له، لكن ما يعيشه الآن سيبقى في داخله، وسيخرج يوما في قصيدة أو لوحة أو رواية أو فيلم، وهنا تكمن قوة الثقافة، أنها قادرة على تحويل التجربة الإنسانية من جرح فردي إلى ذاكرة يستطيع الآخرون أن يروها ويفهموها.

هل يمكن اعتبار الأدب والفن شاهدا تاريخيا على الحرب؟

بل هما أحيانا الشاهد الذي لا يستطيع التاريخ الرسمي أن يقدمه، المؤرخ يسجل التاريخ، أما الأديب والفنان فيسجلان الإنسان داخل التاريخ، قد تحفظ الوثيقة تاريخ معركة، لكن رواية قد تحفظ خوف طفل في تلك المعركة، وقد تسجل الصحيفة عدد النازحين، بينما تختزن أغنية واحدة شعور آلاف الذين تركوا بيوتهم، لذلك ينبغي ألا ننظر إلى الإبداع الذي يولد من الحرب بوصفه ترفا، إنه جزء من أرشيف الذاكرة الوطنية.

هل تتوقعون أن تفرز هذه الحرب موجة جديدة من الإبداع؟

لبنان بلد لم تكن مآسيه يوما عقيمة ثقافيا، من رحم الأزمات خرج شعر ورواية وموسيقى ومسرح وفن، لكنني لا أريد أن أستعجل المبدع في تحويل جرحه إلى عمل فني، بعض الجراح تحتاج إلى وقت حتى تتكلم، وما سيأتي من إبداع بعد هذه الحرب قد يكون أعمق من مجرد أدب الحرب، قد يكون أدبا عن الإنسان اللبناني، عن خوفه وصموده، عن خسارته وتمسكه بالحياة، وعن علاقته بوطن كثيرا ما أتعبه ولم يتخل عنه.

كيف نحمي الثقافة اللبنانية من الانكفاء؟

بأن نعاملها كجزء من صمود الدولة والمجتمع، لا كترف يؤجل عند الأزمات، ونحتاج إلى حماية المؤسسات، ودعم المبدعين، وحفظ الأرشيف، ورقمنة التراث، وتشجيع الإنتاج الثقافي في المناطق اللبنانية كلها، وعدم حصر الحياة الثقافية في مركز واحد، وأهم من ذلك أن نحمي الثقة، فالمبدع الذي يفقد الأمل ببلده قد يحمل قلمه إلى مكان آخر، وحينها لا نخسر شخصا فقط، بل نخسر جزءا من صورة لبنان التي صنعها أبناؤه في العالم.

ما الدور الذي يمكن أن تقوم به وزارة الثقافة؟

وزارة الثقافة لا تستطيع أن تمنع الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع الحرب من أن تمحو الثقافة والأهم تستطيع أن تقود عملية مواجهة حرب الوعي التي تمارس ضد اللبنانيين، عليها أن تكون حاضرة في حماية التراث، وتوثيق ما يتعرض للخطر، ودعم المؤسسات والمبدعين، وتأمين استمرارية الحياة الثقافية قدر الإمكان، وحماية الوعي اللبناني وتحصينه من الإحتلال الإدراكي، وقد تعلمت من تجربتي أن الوزارة لا ينبغي أن تنتظر الظروف المثالية، في لبنان، ربما لا تأتي الظروف المثالية أصلا، ولذلك علينا أن نصنع الممكن من قلب المستحيل.

هل الثقافة في زمن الحرب شكل من أشكال المقاومة؟

نعم، لأن الحرب الحديثة لا تُخاض على الأرض وحدها، هناك حرب أخرى تُخاض في الوعي، في طريقة رؤيتنا لأنفسنا، وللوطن، وللآخر، ولما يجري حولنا، وإذا كانت الحرب تسعى إلى إضعاف الجسد وتدمير المكان، فإن حرب الوعي تسعى إلى إضعاف الإرادة وتفكيك المعنى، وهذا البعد ليس افتراضا نظريا، فإسرائيل نفسها طورت، في سياق صراعها مع لبنان، أدوات للتأثير في الوعي والرأي العام، لأن المعركة لا تُحسم فقط بما يحدث في الميدان، بل أيضا بالطريقة التي يفهم بها الناس ما يحدث، وبالرواية التي تستقر في وجدانهم.

ومن هنا يجب أن ننتبه إلى الحرب الثقافية الناعمة التي يمكن أن تُمارس على لبنان، وهي ليست بالضرورة حربا تحمل شعارا واضحا أو تأتي في صورة دعاية مباشرة، بل قد تتسلل عبر الأفكار والصور والروايات والمصطلحات، وعبر إعادة تعريف ما هو طبيعي وما هو مستحيل، وما هو مصلحة وطنية وما هو عبء، ومن هو العدو ومن هو الصديق، حتى يصل الإنسان إلى تبني بعض ما يريده خصمه من دون أن يشعر أنه يتبناه، وهنا يظهر ما أسميه الاحتلال الإدراكي،  أن يصل المحتل إلى مرحلة لا يعود فيها بحاجة إلى فرض إرادته بالقوة، لأن الإنسان يبدأ، من حيث لا يدري، في النظر إلى وطنه بعيني المحتل، وفي تبني روايته، وفي اعتبار عناصر قوته عبئا، وأبناء وطنه خصوما، والتنازل عن مقومات صموده أمرا طبيعيا أو حتميا.

ومن هنا تصبح الثقافة خط الدفاع الأول عن الوعي، فالمثقف ليس مطلوبا منه أن يكون جنديا في جبهة سياسية، بل أن يكون حارسا للحقيقة، وللذاكرة، وللمعنى، ويكشف محاولات إعادة تشكيل الوعي بما يخدم مشروعا خارجيا، عليه أن يعلم الإنسان أن يميز بين النقد المشروع، وهو حق وضرورة، وبين خطاب يُراد به تفكيك الثقة بالوطن، أو إضعاف إرادته، أو دفع أبنائه إلى النظر إلى أنفسهم باعتبارهم المشكلة، فيما يُغفل المشروع الذي يستهدف بلدهم.

ما دور المثقفين في مواجهة حرب الوعي؟

المثقف الحقيقي لا يلغي الاختلاف، بل يحميه من أن يتحول إلى أداة لتفكيك المجتمع، فهو لا يطلب من اللبنانيين أن يتشابهوا، بل أن يبقوا قادرين على الاختلاف من دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة، وعلى النقد من دون أن يتحول النقد إلى هدم للذات الوطنية، وفي مواجهة الحرب الناعمة، لا تكون مهمتنا أن نغلق عقول اللبنانيين، بل أن نفتحها أكثر، وأن نمنحهم معرفة أعمق بتاريخهم، وثقة أكبر بقدرتهم على صياغة مستقبلهم، ووعيا نقديا يجعلهم قادرين على اكتشاف الرسائل التي تُراد لهم، وعلى رفض أن يصبحوا أدوات في صراع لا يخدم وطنهم.

المعركة في نهاية المطاف ليست فقط على الأرض اللبنانية، بل على معنى لبنان في عقول اللبنانيين، وإذا نجح العدو في تغيير هذا المعنى، يصبح احتلال الأرض أسهل، أما إذا بقي اللبناني متمسكا بوطنه، بذاكرته، بتنوعه، وبحقه في أن يصوغ مستقبله بإرادته، فإن الاحتلال الإدراكي يفشل حتى لو استطاع المحتل أن يحقق مكاسب على الأرض، لذلك أقول إن الثقافة في زمن الحرب ليست ترفا، والمثقف ليس مراقبا من بعيد، كلاهما جزء من معركة حماية الإنسان ووعيه وحقه في أن يرى وطنه بعينيه هو، لا بعيني من يريد إخضاعه، فالاحتلال الأخطر ليس فقط أن يأخذ منك أرضا، بل أن يجعلك ترى فقدانها أمرا طبيعيا، ويقنعك بأن التخلي عن عناصر قوتك هو الطريق إلى الخلاص، وحين نمنع ذلك، نكون قد منعنا الاحتلال من أن يكتمل.

وزير الثقافة اللبنانى السابق محمد مرتضى
وزير الثقافة اللبنانى السابق محمد مرتضى

كيف يحافظ المثقف على دوره بعيدا عن الانقسام السياسي؟

بأن يكون صادقا مع الإنسان، وعادلا في نظرته، وشجاعا في قول الحقيقة، ليس مطلوبا من المثقف أن يتخلى عن قناعاته، لكن المطلوب ألا يسمح للخلاف السياسي بأن يسلبه إنسانيته، وألا يجعل من ثقافته جدارا جديدا بين اللبنانيين، والمثقف الحقيقي لا يلغي الاختلاف، بل يعلمنا كيف نختلف من دون أن نهدم البيت الذي يجمعنا.

هل حماية التراث لا تقل أهمية عن حماية المنشآت الحيوية؟

المنشأة يمكن إعادة بنائها، أما الذاكرة فقد لا تُستعاد، يمكن أن نبني مدرسة جديدة، لكننا لا نستطيع أن نصنع تاريخا جديدا لموقع أثري عمره آلاف السنين، ويمكن أن نعيد إعمار مدينة، لكننا لا نستطيع أن نستنسخ كل ما كان يسكن حجارتها من ذاكرة، لذلك فإن حماية التراث في زمن الحرب هي حماية لما يجعل لبنان لبنانا.

ما أهمية المواقع الأثرية والتراثية اللبنانية؟

لأنها تقول لنا إن لبنان ليس طارئا على التاريخ، هذا البلد كان هنا قبل كثير من الخرائط السياسية التي نعرفها اليوم، تعاقبت عليه الحضارات، وترك كل عصر أثره فيه، فأصبح لبنان أشبه بكتاب مفتوح في التاريخ الإنساني، وحين نحمي موقعا أثريا، فإننا لا نحمي حجرا من الماضي، بل نحمي شهادة للأجيال المقبلة بأن هذه الأرض كانت دائما مساحة للحياة والحضارة والتفاعل بين الشعوب.

كيف نبني مشروعا ثقافيا في ظل الأزمات المتراكمة؟

نحتاج إلى ثقافة لا تكتفي بتنظيم المناسبات، بل تدخل في صلب المشروع الوطني، نريد سياسة ثقافية تربط الثقافة بالتعليم، وبالسياحة، وبالاقتصاد الإبداعي، وبالإنماء المتوازن، وبالانتشار اللبناني في العالم، فالثقافة تستطيع أن تكون اقتصادا وفرصة عمل، لكنها قبل ذلك تبني الإنسان الذي يستطيع أن يصنع الاقتصاد والدولة.

هل تحتاج الثقافة إلى استراتيجية وطنية جديدة؟

نعم، لأننا لم نعد نعيش في العالم الذي كانت فيه السياسات الثقافية تُرسم قبل عقود، نحتاج إلى استراتيجية تحمي التراث، وتدعم الإبداع، وتواكب التكنولوجيا، وتفتح المجال أمام الشباب، وتعيد للبنان حضوره الثقافي العربي والدولي، وأعتقد أن الاستراتيجية الحقيقية تبدأ من سؤال بسيط: أي إنسان لبناني نريد أن نصنع؟ إذا كان الجواب إنسانا واثقا بنفسه، منفتحا على العالم، متمسكا بتنوع وطنه، وقادرا على الحوار، فإن الثقافة تصبح في قلب المشروع الوطني لا على هامشه.

ماذا يحتاج المبدعون حتى لا تصبح الهجرة طريقهم الوحيد؟

يحتاجون إلى فرصة، وإلى تقدير، وإلى بيئة تسمح لهم بأن يعملوا، لا يكفي أن نقول للشاب اللبناني: ابقَ في وطنك، علينا أن نعطيه سببا للبقاء، حين يجد الكاتب ناشرا، والفنان مساحة، والموسيقي جمهورا، والمسرحي مسرحا، والمبدع سوقا لعمله، يصبح البقاء خيارا ممكنا.

كيف تنظرون إلى هجرة المثقفين والشباب؟

لا ألوم من يبحث عن حياة أفضل، الذي يغادر وطنه لا ينبغي أن نحاكمه، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا لماذا لم نستطع أن نعطيه أسبابا كافية للبقاء، لكن استمرار النزيف البشري خسارة حقيقية لبيروت، فلبنان صدر إلى العالم، عبر أجياله، أطباء ومهندسين وكتابا وفنانين ومفكرين، والمطلوب ألا يتحول تصدير الإنسان إلى قدر دائم، لأن الوطن الذي يخسر شبابه يخسر شيئا من مستقبله.

ما الدور المطلوب عربيا ودوليا؟

بيروت لا يحتاج فقط إلى مساعدات موسمية، يحتاج إلى شراكات ثقافية حقيقية، نريد برامج لدعم المبدعين، وحماية التراث، وترميم المؤسسات، وتشجيع النشر والترجمة والإنتاج الفني، وإقامة جسور بين الثقافة اللبنانية ونظيراتها العربية والعالمية، ولبنان، في المقابل، ليس بلدا ينتظر أن يُدعم ثقافيا فقط، هو بلد لطالما أعطى الثقافة العربية والعالمية، ومن حقه أن يستعيد مكانته ودوره.

خلال توليكم وزارة الثقافة.. ما أبرز التحديات التي واجهتموها؟

كان التحدي أن تعمل في الثقافة في وقت كان فيه البلد كله يبحث عن وسائل للصمود، لكنني كنت مؤمنا بأن الأزمات ومنها الأزمة المالية ليست مبررا لغياب الثقافة، بل سببا إضافيا لحضورها على قاعدة "لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد "الحضور والمواكبة" إن لم تسعد الحال"، حاولنا أن نعمل بما هو متاح، ونفتح أبواب الشراكة، ونصل إلى المناطق، ونحافظ على التراث، ونذلل العقبات أمام المبدعين ونقول إن الدولة، حتى في أصعب أيامها، يجب ألا تتخلى عن دورها في المواكبة والرعاية والحضور والاحتضان، أما الحرب فتجعل المسؤولية أكبر، لأنك لا تعود تحمي النشاط الثقافي فقط، بل تحمي إمكانية استمرار الحياة نفسها.

ما الدروس التي يجب أن تتعلمها الدولة؟

الثقافة تحتاج إلى خطة طوارئ كما تحتاج القطاعات الحيوية الأخرى، ينبغي أن تكون لدينا خرائط للمواقع التراثية، وخطط لحماية المتاحف والمكتبات والأرشيف، ونسخ رقمية من المجموعات والمحفوظات، وآليات سريعة للتدخل عند الخطر، وأهم درس: ألا ننتظر الكارثة لكي نكتشف قيمة ما فقدناه.

كيف نعيد الاعتبار للثقافة باعتبارها عنصرا في بناء الدولة؟

حين نفهم أن الدولة ليست مؤسسات وأبنية وقوانين فقط، الدولة أيضا ذاكرة مشتركة، وقيم، وشعور بالانتماء، ورواية وطنية يستطيع أبناؤها أن يجدوا أنفسهم فيها، قد يحمي الجيش الحدود، وقد يحمي الاقتصاد القدرة على العيش، لكن الثقافة تحمي معنى الوطن، ولهذا فإن الإنفاق على الثقافة ليس إنفاقا على الترف، إنه استثمار في الإنسان وفي استمرارية الدولة.

ما الرسالة التي يجب أن يحملها المثقف اللبناني اليوم؟

ألا يسمح لليأس بأن يصبح ثقافة، وأن يقول للبناني إن الخلاف لا يعني العداوة، والتنوع ليس مرضا يحتاج إلى العلاج، ولبنان لا يُبنى بإلغاء مكوناته بل باجتماعها، وعليه أن يبقى قادرا على رؤية الإنسان قبل الخندق، والوطن قبل الاصطفاف، والمستقبل قبل الجرح، ويكون على الدوام في حالة وعي لما يحوكه العدو.

هل تستطيع الثقافة اللبنانية النهوض واستعادة دورها؟

بالتأكيد، فهذا البلد، رغم كل ما أصابه، ظل ينتج فكرا وأدبا وفنا، وظل أبناؤه يحملون اسمه إلى العالم، قد نحتاج إلى وقت، وإلى دولة تؤمن بثقافتها، ومؤسسات أقوى، ودعم أكبر للمبدعين، لكن القدرة موجودة، لبنان لم يكن يوما كبيرا بمساحته، كان كبيرا بما أنتجه إنسانه، ولذلك فإن استعادة دوره تبدأ من استعادة الثقة بهذا الإنسان.

ما رسالتكم إلى الأجيال الجديدة؟

أقول لهم: لا تسمحوا للحرب أن تعرف لكم لبنان، ولا تقبلوا أن يجعلكم عدوكم تنظرون بعينيه، بيروت ليست صورة الدمار، ولا صورة الانقسام، ولا مجموع الأزمات التي مررنا بها، بل أيضا كل كتاب كُتب فيها، وكل أغنية خرجت من مدنها وقراها، وكل مدرسة وجامعة ومسرح، وكل يد امتدت إلى يد أخرى رغم الاختلاف، هي النموذج الفريد في هذه الدنيا، لكنني أقول لهم أيضا: احفظوا وطنكم من احتلال الوعي كما تحفظون أرضه من الاحتلال، لا تسمحوا لأحد أن يعرف لكم وطنكم من خارجكم، أو أن يجعلكم تنظرون إلى بعضكم بعضا بعين العدو، أو أن يقنعكم بأن التخلي عن عناصر قوتكم هو الطريق الوحيد إلى الأمان.

احفظوا ذاكرتكم، لأن من يفقد ذاكرته يسهل أن تُكتب له رواية غير روايته، واحفظوا قدرتكم على التفكير النقدي، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب أن تجعل الإنسان يتنازل عن حقه في أن يفكر بنفسه، ولا تتخلوا عن تنوعكم، لأنه ليس عبئا على لبنان، إنه من الأسباب التي جعلت للبنان معنى وخصوصية ودورا.

أقول لهم ما أؤمن به: نحن مختلفون، نعم، ولكن اختلافنا لا يلغي وحدتنا، لبنان وطن اختلافنا، لا أداة اقتتالنا، فإذا استطعنا أن نحفظ الإنسان، ونحفظ الذاكرة، ونحفظ الثقافة، والوعي، والأرض، نكون قد حفظنا لبنان، لأنه لا يحيا بحجارة أرضه وحدها، بل بالإنسان الذي يؤمن بها، وبالذاكرة التي تربطه بها، وبالوعي الذي يحميها من أن تُنتزع منه، وحين يبقى هذا الإنسان متمسكا بوطنه، مهما اشتدت المحن، يبقى قادرا على النهوض، وأن يكون وطنا لنا جميعا ورسالة للإنسانية جمعاء على مستوى العيش الواحد لا مجرد أرض نعيش عليها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة