بعد نحو ثلاثة أشهر من توليه منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، بدأت ملامح الرؤية التي يتحرك من خلالها نبيل فهمي تتضح بصورة أكبر؛ فلا تبدو نقطة البداية بالنسبة إليه محاولة الوصول إلى تطابق كامل بين مواقف الدول العربية، بقدر ما تقوم على تحديد مساحة من المصالح والثوابت التي يمكن الدفاع عنها بصورة جماعية، في وقت يرى فيه أن الشرق الأوسط يمر بعملية إعادة تشكيل واسعة.
ففي تصريحات لموقع "العربية" اليوم الجمعة، وصف فهمي الوضع العربي الراهن بأنه «مضطرب وغير مريح»، متحدثًا عما اعتبره «خطة ممنهجة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتفريغ المنطقة من هويتها العربية».
لكن اللافت أن تشخيصه للمشهد لم ينطلق من افتراض وجود كتلة عربية متجانسة؛ إذ أقر بأن تطابق مواقف الدول العربية في جميع الظروف أمر غير ممكن، في ظل اختلاف الأولويات بين الدول.
وهنا ربما تظهر المعضلة الأساسية التي تواجه الأمين العام الجديد والتي تدور حول ما إذا كان تطابق المواقف العربية غير ممكن، فما الحد الأدنى الذي يمكن بناء فعل عربي مشترك حوله؟
اختلاف الدول العربية لا يعني غياب المصالح المشتركة
حديث فهمي عن اختلاف الأولويات ليس جديدًا تمامًا في رؤيته للعمل العربي. فقبل توليه منصبه رسميًا، تحدث عن أن حماية الأمن القومي العربي تحتاج إلى «استعداد مبكر وتعاون تراكمي» وتوظيف القدرات العربية بصورة أفضل، وهو ما يشير إلى تصور للعمل المشترك لا يقوم بالضرورة على وحدة المواقف في كل قضية، وإنما على تراكم التعاون في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح.
وبعد توليه الأمانة العامة، أصبح هذا التصور أكثر ارتباطًا بمفهوم السيادة. ففي يوليو الماضي، شدد فهمي على أن أمن أي دولة عربية يمثل جزءًا من الأمن القومي العربي، بالتزامن مع موقفه الرافض للهجمات الإيرانية على دول عربية.
وعاد في سبتمبر ليؤكد أمام مجلس الجامعة العربية أن استهداف أراضي ومنشآت الدول العربية مرفوض، وأن السيادة العربية لا ينبغي أن تصبح ساحة لتصفية حسابات أطراف أخرى، مع الإبقاء في الوقت نفسه على الباب مفتوحًا أمام علاقات جوار متوازنة تقوم على احترام السيادة وسلامة الأراضي.
وهكذا يبدو أن فهمي يفصل بين مستويين: اختلاف الأولويات والمواقف، وهو أمر يعتبره طبيعيًا، والسيادة والأمن، اللذان يسعى إلى وضعهما ضمن دائرة الثوابت العربية المشتركة.
من الحوار مع إيران إلى وضع «خط أحمر» عربي
ويظهر الملف الإيراني باعتباره أحد الاختبارات الأكثر وضوحًا لهذه المعادلة، فخلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر، شدد فهمي على ضرورة احترام أمن وسيادة الدول العربية وحسن الجوار وخفض التصعيد، بالتوازي مع الدعوة إلى تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية.
لكن تصريحاته التلفزيونية الأخيرة كشفت جانبًا مما دار في اللقاء بصورة أكثر مباشرة، إذ قال إنه أبلغ عراقجي أن المساس بأي أرض عربية «مرفوض وغير مبرر»، وأنه لا مجال للتفاوض بشأن سيادة أي دولة عربية.
وبذلك لا تبدو المقاربة قائمة على القطيعة مع إيران، وإنما على محاولة رسم حدود للعلاقة: علاقات وحوار وحسن جوار من ناحية، ورفض المساس بسيادة الدول العربية من ناحية أخرى.
الردع العربي.. عسكري وسياسي واقتصادي
لكن العنصر الجديد والأكثر لفتًا للانتباه في تصريحات فهمي ربما يتمثل في انتقاله من الحديث عن الحوار والسيادة إلى الحديث صراحة عن الردع.
الأمين العام للجامعة العربية أكد أن الردع العربي تجاه إيران يجب أن يكون «عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا»، بالتزامن مع تأكيده أن الدول العربية أبدت حسن النية تجاه طهران، وأن الأخيرة كان عليها مراعاة علاقاتها مع دول الجوار من أجل بناء الثقة.
وهذه ليست دعوة إلى استبدال الدبلوماسية بالقوة؛ فقد أكد فهمي في تصريحات أخرى أن مواجهة تحديات المنطقة لا يمكن أن تعتمد على الآلة العسكرية وحدها، كما سبق أن تحدث عن عدم إمكانية حسم الصراع الأمريكي الإيراني عسكريًا.
الأقرب أن مفهوم الردع هنا يُطرح باعتباره مزيجًا من القدرات: قدرة عسكرية تمنع الاعتداء، وثقل سياسي يسمح بالتأثير، وأدوات اقتصادية ترفع تكلفة تجاوز المصالح العربية، بينما تظل الدبلوماسية قناة لإدارة العلاقات ومنع التصعيد.
«إعادة تشكيل الشرق الأوسط».. أين موقع العرب؟
وتكتسب هذه الرؤية دلالة أكبر عند ربطها بتشخيص فهمي للمرحلة الراهنة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
فإذا كانت المنطقة، وفق رؤيته، تمر بعملية إعادة صياغة للتوازنات، بينما تختلف الدول العربية في أولوياتها، فإن التحدي أمام الجامعة يصبح أقل ارتباطًا بإنتاج موقف موحد تجاه كل قضية، وأكثر ارتباطًا بمنع تحول هذا الاختلاف إلى غياب للقدرة العربية على التأثير.
ومن هنا يمكن قراءة تشديده على أن إيران لا تستطيع فرض ترتيبات على المنطقة، ورفضه في الوقت نفسه بناء العلاقة معها على حسابات الولايات المتحدة أو إسرائيل؛ أي أن تحديد طبيعة العلاقة العربية الإيرانية ينبغي، وفق هذا الطرح، أن ينطلق من المصالح العربية نفسها.