لم تعد مؤشرات تغير المناخ تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو موجات الحر المتكررة، بل باتت تظهر بصورة أكثر وضوحًا في اثنين من أكبر خزانات المياه والطاقة على كوكب الأرض: الأنهار الجليدية والمحيطات.
وفي أحدث تطورين خلال الأيام الأخيرة، كشفت بيانات سويسرية أن الأنهار الجليدية في البلاد فقدت 5.5% من حجم جليدها خلال عام 2026، بينما أظهر تقرير أوروبي جديد أن محيطات العالم امتصت خلال عام 2025 كمية قياسية من الحرارة بلغت 23 زيتاجول، تعادل نحو 40 ضعف إجمالي الطاقة التي استهلكتها البشرية خلال العام نفسه.
وتكشف هذه الأرقام عن وجهين لأزمة واحدة، فالمحيطات تمتص الجزء الأكبر من الحرارة الزائدة الناتجة عن تراكم غازات الاحتباس الحراري، بينما تتعرض المناطق الجليدية لارتفاع درجات الحرارة ونقص الثلوج التي تحمي الجليد خلال أشهر الصيف. والنتيجة هي تسارع تغيرات تطال المياه والبحار والنظم البيئية، وتنعكس في النهاية على الأمن المائي والغذائي والمجتمعات الساحلية.
سويسرا تفقد 5.5% من جليدها في عام واحد
أظهرت البيانات الجديدة الصادرة عن شبكة مراقبة الأنهار الجليدية السويسرية «جيلا موس» والأكاديمية السويسرية للعلوم أن الأنهار الجليدية فقدت أكثر من 5% من حجمها خلال 2026، فيما بلغت الخسارة 5.5% وفق التقديرات الجديدة، لتصبح ثاني أكبر خسارة سنوية مسجلة بعد عام 2022. وخلال السنوات الخمس الماضية وحدها، فقدت سويسرا نحو 20% من إجمالي حجم جليدها.
وكان الشتاء بين عامي 2025 و2026 من بين أقل عشرة مواسم شتوية من حيث تساقط الثلوج منذ بدء القياسات، قبل أن تتبعه فترة حارة وجافة امتدت من مايو إلى سبتمبر. وبحسب البيانات السويسرية، ارتفع مستوى التجمد خلال موجات الحر الصيفية إلى أكثر من 4 آلاف متر لمدة 76 يومًا، وهو رقم قياسي سويسري، ما سمح باستمرار ذوبان الجليد حتى على الارتفاعات العالية. وبحلول سبتمبر، لم تعد هناك طبقة ثلجية في بعض المناطق حتى ارتفاع 3500 متر، ما حرم الأنهار الجليدية من الغطاء الذي يساعد على حمايتها من أشعة الشمس والحرارة.
وسجلت عدة أنهار جليدية خسائر قياسية هذا العام، من بينها «أليتش» و«رون» و«كلاريدن»، بينما اختفت بشكل كامل ودائم بعض الأنهار الجليدية الصغيرة، بينها «بيلا تولا» و«جريسفيرن». كما انخفض متوسط سماكة الجليد بنحو 2.5 إلى 4 أمتار، بينما فقدت بعض الألسنة الجليدية ما يصل إلى 10 أمتار من سمكها.
ورغم أن ذوبان الجليد وفر كميات ضخمة من المياه خلال الصيف، فإن هذه الظاهرة تحمل مفارقة خطيرة؛ إذ أطلقت الأنهار الجليدية السويسرية نحو 2.2 تريليون لتر من المياه بين يوليو وسبتمبر، أي أكثر من أربعة أضعاف الاستهلاك السنوي لمياه الشرب للأسر السويسرية. لكن هذا المصدر الطبيعي للمياه يتراجع مع تقلص الكتلة الجليدية، ما يعني أن الفائدة المؤقتة للذوبان قد تتحول مستقبلًا إلى أزمة في الإمدادات المائية.
المحيطات تمتص حرارة تعادل 40 ضعف طاقة البشر
وفي الجانب الآخر من الأزمة، كشف الإصدار العاشر من «تقرير حالة المحيطات» التابع لخدمة «كوبرنيكوس» البحرية أن المحيطات امتصت خلال عام 2025 نحو 23 زيتاجول من الحرارة الإضافية، وهي كمية تعادل قرابة 40 ضعف إجمالي الطاقة التي استهلكتها البشرية خلال ذلك العام. ويُعد هذا رقمًا قياسيًا جديدًا في المحتوى الحراري للمحيطات.
وتكمن أهمية المحيطات في أنها تعمل كمنظم ضخم للمناخ العالمي؛ إذ تمتص نحو 90% من الحرارة الإضافية المحتجزة في نظام الأرض بسبب غازات الاحتباس الحراري، كما تمتص قرابة ثلث ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية. لكن استمرار امتصاص كميات متزايدة من الحرارة والكربون يغير خصائص المياه ويزيد من الضغوط على الأنظمة البحرية.
وأشار التقرير إلى أن مستوى سطح البحر ارتفع بمتوسط يقارب 3.8 ملليمتر سنويًا خلال الفترة من 1999 إلى 2025، بينما تسارع معدل الارتفاع إلى نحو 4.2 ملليمتر سنويًا بين عامي 2012 و2025. كما ازدادت حموضة المحيطات بنحو 17% خلال الفترة من 1985 إلى 2025، ما يمثل ضغطًا إضافيًا على الكائنات البحرية والنظم البيئية الحساسة.
البحر المتوسط في قلب التغير
ولا تبدو أوروبا بعيدة عن هذه التحولات. فقد أشار تقرير «كوبرنيكوس» إلى أن البحرين المتوسط والأسود شهدا موجات حرارة بحرية قياسية، مع استمرار درجات الحرارة المرتفعة لفترات طويلة ووصول التأثير إلى أعماق أكبر من سطح البحر. كما سجل المتوسط ارتفاعًا حراريًا بمعدل يقارب 0.32 درجة مئوية لكل عقد، ما يزيد من احتمالات استمرار موجات الحر البحرية وتغير النظم البيئية.
وتأتي هذه البيانات بعد مؤشرات حديثة أخرى من «كوبرنيكوس» أظهرت أن أغسطس 2026 كان من أكثر الشهور حرارة على الإطلاق، متعادلًا مع يوليو 2023 كأحر شهر مسجل عالميًا، بينما سجلت درجات حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية رقمًا قياسيًا جديدًا. كما ارتبطت هذه الظروف بتأثيرات قوية لظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ.
من الجليد إلى البحر.. أزمة واحدة
وتجمع التطورات الجديدة بين ظاهرتين تبدوان منفصلتين جغرافيًا، لكنهما مرتبطتان فيزيائيًا: ارتفاع حرارة الأرض يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد من جهة، ويزيد كمية الحرارة التي تختزنها المحيطات من جهة أخرى. ومع ارتفاع حرارة المياه وذوبان الجليد، تتزايد الضغوط على مستوى سطح البحر، بينما تتعرض النظم البيئية البحرية والبرية لتحولات أسرع.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن المشكلة لم تعد مجرد تغير تدريجي يمكن رصده على مدى عقود، بل أصبحت تظهر في سجلات سنوية جديدة وخسائر جليدية ضخمة خلال فترات قصيرة. وفي سويسرا، فقدت الأنهار الجليدية نحو خمس حجمها خلال خمس سنوات فقط، بينما سجلت المحيطات في عام واحد كمية قياسية من الحرارة.
وبذلك تتحول الأرقام الجديدة إلى مؤشرات مباشرة على تغير ملامح النظام المناخي: جبال تفقد الجليد بوتيرة متسارعة، ومحيطات تواصل تخزين كميات هائلة من الحرارة، وبحار أوروبية تسجل موجات حرارة غير مسبوقة. وبينما يوفر ذوبان الجليد والمحيطات الساخنة بعض التأثيرات المؤقتة على توزيع المياه والحرارة، فإن استمرار الاتجاهات الحالية يضع المياه، والسواحل، والزراعة، والثروة السمكية، والتنوع البيولوجي أمام ضغوط متزايدة في السنوات المقبلة.