المجلس الأعلى للشئون الإسلامية: توسل عمر بن الخطاب بالعباس لا يدل على منع التوسل بالنبي بعد وفاته

الخميس، 29 أكتوبر 2026 11:34 ص
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية: توسل عمر بن الخطاب بالعباس لا يدل على منع التوسل بالنبي بعد وفاته المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

كتب لؤى على

أكد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن توسل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في الاستسقاء لا يدل على منع التوسل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، موضحًا أن هذه الواقعة النبوية لا تنفي مشروعية صور التوسل الأخرى الثابتة، وأن الاستدلال بها على المنع يتعارض مع دلالات النصوص الشرعية التي استند إليها العلماء في هذه المسألة.

حديث صحيح يوضح توسل عمر بالعباس في الاستسقاء

واستشهد المجلس بما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قال أنس: «فَيُسْقَوْنَ».

وأوضح المجلس أن هذا الحديث لا يتضمن نصًّا صريحًا على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، مشيرًا إلى أن الاستدلال به على المنع لا يلزم من دلالة الحديث نفسه، وإنما يتوقف على تأويل الواقعة وتفسيرها على نحو لا يصرح به النص.

سبعة أوجه للاستدلال على مشروعية التوسل

وطرح المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عددًا من الأوجه التي يستند إليها في الرد على القول بأن توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما دليل على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.

أولًا: الاستدلال بأثر بلال بن الحارث المزني

أشار المجلس إلى ما ورد في رواية مالك الدار بشأن إتيان بلال بن الحارث المزني القبر الشريف متوسلًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، معتبرًا أن هذه الرواية تدخل ضمن الأدلة التي يستند إليها القائلون بمشروعية التوسل بالنبي بعد وفاته.

ويرى المجلس أن ما ورد في هذه الرواية، وفق تفسيره، لا ينسجم مع القول بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يمنع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.

ثانيًا: بيان مشروعية التوسل بأهل الصلاح

أوضح المجلس أن توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما يبرز مشروعية الاستشفاع بأهل الخير والصلاح، ولا يستلزم نفي صور التوسل الأخرى.

واستشهد بما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره من شراح صحيح البخاري، ومنهم الكرماني والبرماوي والعيني والقسطلاني وزكريا الأنصاري، في شرح حديث الاستسقاء، حيث قالوا: «ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة».

ثالثًا: دلالة قول عمر «كنا نتوسل بنبينا»

تناول المجلس دلالة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كنا نتوسل إليك بنبينا»، موضحًا أن هذا التعبير لا يتضمن، في رأيه، دليلًا صريحًا على اقتصار التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على حياته.

ويرى المجلس أن حمل العبارة على أنها تشير إلى فترة حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدها يحتاج إلى دليل، وأن الحديث لا ينص صراحة على منع التوسل به بعد وفاته.

رابعًا: عدم دلالة فعل نوع من التوسل على منع الأنواع الأخرى

أكد المجلس أن اختيار الصحابة رضي الله عنهم صورة معينة من صور التوسل لا يعني منع الصور الأخرى التي يستند القائلون بمشروعيتها إلى أدلة شرعية.

وضرب مثالًا بالتوسل بأسماء الله الحسنى، موضحًا أن عدم ذكر هذا النوع في واقعة الاستسقاء لا يمكن اعتباره دليلًا على منعه، لأن الاستدلال بالأحكام الشرعية ينبغي أن يقوم على الأدلة، لا على مجرد عدم ورود صورة معينة في واقعة محددة.

خامسًا: اختيار الفاضل لا يعني منع الأفضل

وأشار المجلس إلى أن اختيار العباس رضي الله عنه للاستسقاء لا يدل على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، مستدلًّا بأن العدول عن الأفضل إلى الفاضل في واقعة معينة لا يستلزم منع التوسل بالأفضل.

ولفت إلى أن العباس رضي الله عنه لم يكن وحده من الصحابة الذين عُرفوا بالفضل، وأن اختيار شخص معين لمهمة أو دعاء لا يعني نفي المشروعية عن غيره.

سادسًا: ارتباط الواقعة بصلاة الاستسقاء والدعاء

أوضح المجلس أن الاستسقاء عند انقطاع المطر من الأعمال المشروعة، وأن طلب الدعاء من أهل الصلاح يدخل في هذا السياق، معتبرًا أن لجوء عمر رضي الله عنه إلى العباس رضي الله عنه لا يدل بذاته على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وأكد أن فعل أحد الأمرين المشروعين لا يستلزم منع الأمر الآخر إذا ثبتت مشروعيته بدليل مستقل.

سابعًا: الرد على الاستدلال بالواقعة على منع التوسل بالنبي بعد وفاته

خلص المجلس إلى أن واقعة توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما لا تكفي وحدها لإثبات منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، مشيرًا إلى أن المسألة تحتاج إلى جمع الأدلة والنظر في دلالاتها وفق مناهج الاستدلال الفقهي.

ونقل المجلس عن الإمام محمد زاهد الكوثري قوله: «من حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء قد حاول المحال، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال، فضلًا عن أن ينطق به، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة بالرأي».

التوسل من المسائل التي تناولها العلماء بالبحث والاستدلال

وأكد المجلس، في خلاصة طرحه، أن واقعة استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما ينبغي فهمها في سياقها، مع التمييز بين دلالة الحديث الصحيحة وما يستنبطه العلماء منه من أحكام.

وتظل مسألة التوسل من المسائل التي تناولها العلماء بالبحث والاستدلال، واختلفت فيها أنظارهم في بعض الصور والكيفيات؛ وهو ما يستدعي عرض الأدلة وأقوال العلماء بدقة، مع مراعاة آداب الخلاف العلمي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة