لم تكن خلود قويدر تبحث عن بداية جديدة تمحو بها أحزان الماضي داخل غزة، بقدر ما كانت تبحث عن طريقة تحمل بها ما تبقى من عائلتها إلى المستقبل، فحين قررت أن تمضي في حياتها وتتزوج من جديد، لم يكن همها الأول تجهيزات الزواج أو متطلبات الحياة، بل مصير طفلين وجدت نفسيهما فجأة في مواجهة عالم فقدا فيه أقرب الناس إليهما.
خلود لم تفقد أختها وحدها، بل فقدت معها زوجها وأربعة من أبنائها، فيما بقي من تلك العائلة المكلومة طفلان، هما أسيل وريان سمور، اللذان وجدا نفسيهما محرومين من حضن الوالدين ودفء الإخوة، بعدما انتزع الموت منهم ستة من أحبائهم.
أمام هذا الفقد الكبير، لم تستطع خلود أن تنظر إلى الطفلين باعتبارهما مجرد ناجيين من مأساة عائلية، بل رأت فيهما امتدادا لأختها الراحلة، وأمانة لا تريد أن تتخلى عنها، كان عليها أن تواجه سؤالا مؤلما: كيف تبدأ حياة جديدة، بينما لا يزال طفلان من عائلتها بحاجة إلى من يحتويهما ويحميهما ويمنحهما الشعور بأنهما لم يُتركا وحدهما؟
خلود قويدر
شرط واحد قبل الزواج
حين قررت خلود الزواج، وضعت شرطها أمام الرجل الذي اختارته شريكا لحياتها، أسيل وريان سيعيشان معها، ولن تتخلى عنهما، لم تطلب ذهبا أو مالا، ولم تجعل من متطلبات الزواج المادية أولويتها، كان شرطها أن يكون للطفلين مكان في بيتها الجديد، ويظلا جزءا من حياتها، لا أن يتحولا إلى ذكرى أخرى تضاف إلى سلسلة الفقد التي عاشاها.
كان القرار بالنسبة إليها أبعد من موقف عاطفي عابر، فقد أدركت أن الطفلين لا يحتاجان إلى سقف يأويهما فحسب، بل إلى شعور مستمر بالأمان، وإلى شخص يبقى إلى جانبهما حين تتغير الظروف، ويمنحهما الحب الذي افتقداه بعد رحيل والديهما وإخوتهما.
وافق الزوج على شرط خلود، لتبدأ مع هذه الموافقة حكاية مختلفة عن الزواج وبناء الأسرة، حكاية امرأة لم تفصل سعادتها عن مسؤوليتها تجاه طفلين لم يختارا ما حل بهما، ولم يكن لهما ذنب في كل ذلك الوجع.
شقيقة خلود قويدر وابنائها الشهداء
أمومة تختارها المحبة
لا تستطيع خلود أن تعيد إلى أسيل وريان أمهما، ولا أن تعوضهما عن والدهما أو إخوتِهما الذين رحلوا، كما لا يمكن لبيت جديد أن يمحو بسهولة ذكريات الفقد أو يملأ كل الفراغ الذي تركه غياب ستة من أفراد الأسرة، لكنها تستطيع أن تفعل شيئا آخر، أن تمنحهما بيتا يشعران فيه بالانتماء، ويدا تمتد إليهما حين يخافان، وقلبا يحبهما، ووجها يعرفان أنه لن يتخلى عنهما.
الأطفال الذين يمرون بتجربة فقد بهذا الحجم لا يحتاجون إلى الكلمات وحدها، بل إلى حضور يومي يطمئنهم بأن الحياة، رغم قسوتها، لا تزال قادرة على منحهم بعض الأمان، ويصبح قرار خلود، في هذا السياق، أكثر من مجرد اصطحاب طفلين للعيش معها، إنه التزام بمشاركتهما تفاصيل الحياة، والوقوف إلى جانبهما في رحلة طويلة من التكيف مع غياب من أحبوهما.
حين يصبح الحب موقفا
في غزة، حيث تتشابك مآسي الحرب مع فقد الأحبة وتشتت العائلات، تذكرنا حكاية خلود بأن النجاة لا تعني دائما أن يخرج الإنسان من الخطر حيا فحسب، فقد تكون النجاة أيضا أن يجد طفل فقد عائلته من يفتح له بابا، ويمنحه مكانا آمنا، ويؤكد له بالفعل قبل القول أنه ليس وحيدا.
لم تختر خلود أن تنسى أختها، بل اختارت أن تحمل شيئا من أثرها معها، ولم يكن في مقدورها أن تغير ما حدث، لكنها استطاعت أن تتخذ قرارا يغير ما يمكن أن يحدث بعده في حياة أسيل وريان، ربما لا تملك تلك السيدة الفلسطينية إجابات عن كل أسئلة الطفلين، ولا تستطيع أن تخفف عنهما كل لحظات الحزن، لكنها اختارت ألا تتركهما يواجهان هذا العالم وحدهما.
في زمن يبحث فيه كثيرون عن بداية مريحة وحياة أقل أعباء، قررت خلود أن تكون بدايتها الجديدة مساحة أمان لطفلين أثقلهما الفقد، وهكذا، لم يكن شرطها قبل الزواج طلبا ماديا، بل وعدا إنسانيا، أن يبقى أسيل وريان جزءا من عائلتها، وتكون سعادتها امتدادا لرحمتها بهما، لا على حسابهما.