أمانى الأخرس

حين أواسي الآخرين في الفقد أستعيد وجعي من جديد

الخميس، 29 أكتوبر 2026 12:00 ص


في كل مرة أذهب فيها لتقديم واجب العزاء، وأمد يدي لمواساة شخص فقد عزيزًا عليه، أجدني أردد الكلمات نفسها التي اعتدنا قولها في مثل هذه المواقف: «البقاء لله، شد حيلك، ربنا يصبّرك، معلش». كلمات نقولها بحب وصدق، ونرجو أن تخفف شيئًا من وجع الفراق، لكنني في كل مرة أعود بسؤال يؤلمني: هل تكفي الكلمات حقًا لمواساة قلب فقد أغلى ما يملك.

 

الحقيقة أنني حين أواسي الآخرين، لا أشعر دائمًا أنني أواسيهم وحدهم، بل أشعر أنني أواجه وجعي أنا أيضًا؛ ذلك الوجع الذي يجعلني أدرك أن فقد الأب أو الأم ليس حزنًا عابرًا، ولا تجربة تنتهي بانتهاء أيام العزاء، بل هو غياب يترك في الروح فراغًا لا يملؤه أحد، ويغيّر في الإنسان أشياء قد لا يلاحظها حتى أقرب الناس إليه.

 

فالأب والأم ليسا مجرد شخصين نحبّهما، إنهما الأمان الذي نظن أنه سيظل موجودًا مهما كبرنا، والبيت الذي نعود إليه حين تتعبنا الحياة، والوجهان اللذان نتمنى أن نجدهما في كل فرحة، وكل أزمة، وكل لحظة نشعر فيها أننا بحاجة إلى من يفهمنا دون أن نتكلم.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لا أستطيع أن أتعامل مع الفقد باعتباره حزنًا له وقت محدد وينتهي. فالناس قد تنصرف من العزاء، وتعود إلى أعمالها وحياتها، لكن صاحب الفقد يعود إلى تفاصيل يومه ليكتشف أن الغياب أصبح جزءًا من كل شيء؛ في مكالمة لن تأتي، وفي نصيحة لن يسمعها، وفي مناسبة لن تكتمل، وفي لحظة ضعف يتمنى فيها لو أن أمه أو أباه ما زالا هنا.

 

ومع مرور الوقت، قد يتوقف الإنسان عن الحديث عن حزنه، لكنه لا يتوقف بالضرورة عن الشعور به. قد يضحك، ويعمل، ويخرج، ويبدو وكأنه تجاوز ما حدث، بينما يحمل في داخله اشتياقًا لا يعرف كيف يشرحه، وفراغًا لا يستطيع أن يبوح بحجمه. وأحيانًا لا يفقد الإنسان قدرته على الحياة، لكنه يفقد شيئًا من شغفه بها؛ لأن الحياة بعد رحيل بعض الأحبة لا تعود كما كانت، حتى لو استمرت تفاصيلها كما هي.

 

ومن هنا، أجد أن أصعب ما يمكن أن نفعله مع إنسان موجوع هو أن نطالبه بأن يتجاوز حزنه وفقًا لتوقعاتنا، أو أن نظن أن كلمة «شد حيلك» كافية لتعيد إليه توازنه. فليس مطلوبًا من الحزين أن يكون قويًا طوال الوقت، وليس ضعفًا أن يبكي، وليس نسيانًا أن يمر يوم دون أن يتحدث عن الراحل. لكل إنسان طريقته في الحزن، ولكل قلب وقته الخاص في محاولة التعايش مع الغياب.

 

ربما لا نملك أن نخفف ألم الفقد كما نتمنى، لكننا نستطيع أن نكون أكثر رحمة بمن يمرون به؛ أن نستمع إليهم، وأن نترك لهم مساحة للحديث عن أحبتهم، وألا نختفي من حياتهم بمجرد انتهاء العزاء. فبعض المواساة الحقيقية لا تكون في الكلمات التي نقولها يوم الرحيل، بل في السؤال الذي نطرحه بعد شهور، وفي وجودنا إلى جوارهم حين يشتد عليهم الحنين، وفي تذكّرنا أن المناسبات التي تبدو عادية لنا قد تكون أكثر اللحظات إيلامًا لهم.

 

وفي كل مرة أواسي فيها شخصًا فقد أباه أو أمه، أتمنى لو أستطيع أن أقول له إن من حقه أن يحزن، وأن يشتاق، وأن يشعر بأن شيئًا من روحه قد تغيّر. ليس عليه أن يتظاهر بأنه بخير كي يطمئن الآخرين، ولا أن يخفي ألمه كي لا يثقل عليهم.

فالفقد لا يعني أن نتوقف عن الحياة، لكنه قد يجعلنا نتعلم الحياة من جديد، بصورة مختلفة، وبقلب يحمل ذكريات لا يريد التخلي عنها، حتى لو كان الاحتفاظ بها مؤلمًا أحيانًا.

رحم الله كل أب وأم غابا عن أعين أبنائهما، وبقيا في قلوبهم دعاءً واشتياقًا وذكريات لا تغيب. وربط الله على قلوب كل من يحاولون أن يكملوا الطريق بعد رحيل من كانوا يمثلون لهم الأمان كله.

فبعض الغياب لا تملؤه الأيام، وبعض الوجع لا تشرحه الكلمات، وكل ما نستطيع فعله هو أن نتعلم كيف نواصل الحياة، ونحن نحمل في قلوبنا مكانًا لا يزال ينتظر من لن يعودوا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة