عندما قال مدير التصوير إنه سيتحدث فقط مع المخرج، نظرت إليه متوقعاً أن يقف بجانبي، كوني من المفترض أن أنفذ رؤيته للمشهد، ولكن فوجئت بالزميل المخرج الذي من المؤكد أنه شعر بحرج بالغ من الموقف بأكمله، ينحاز إلى وجهة نظر مدير التصوير (وكانت في الواقع مجرد رفض لأسلوب إجراء القطع دون بديل محدد)..
عندها أدركت أنني فعلاً بالغت في تدخلي وتجاوزت دوري التقليدي كمساعد، ما أدى إلى مشكلتين حاسمتين: الأولى أنها أدت إلى تكاسل المخرج عن التفكير في وظيفته الأساسية، والثانية أن ذلك ترتب عليه عدم احترام للمخرج بين العاملين الذين لم يتعودوا على هذه المساحة من (التفاهم) بين المخرج ومساعده، والأهم من كل ذلك غياب ما يمكن تسميته (بالوحدة) المفترضة في أسلوب الإخراج وإيقاعه.
كانت هذه الحادثة سبباً مباشراً أن أتوقف فوراً عن هذا التجاوز وقلت لزميلي ان عدم حماسك للفيلم لا يبرر عدم بذل أقصى الجهد لأنه في النهاية يحمل اسمك، ولا أحد سوف يقبل اعتذارك عن عدم الإتقان أو الإهمال وأنه يمكنك اعتبار هذا العمل تدريبا لحرفتك. لأن السيناريو الرديء قد يمثل تحديا نادراً يتيح للمبدع قدرة استثنائية على صنع (شربات) من (فسيخ) السيناريو أكثر من سيناريو جيد.
كانت استجابة الصديق (لحسن الحظ) جيدة ومتفهمة ولم تحدث مشاكل حتى انتهى تصوير الفيلم..أما تجربتي مع عمل آخر (أيضا لن أذكر أسماء) فقد كانت من نوع آخر تماماً.. إذ كانت مع مخرج قد اكتسب خبرات حرفية في العمل التلفزيوني وكان تصوره أن الفيلم السينمائي ما هو إلا عمل تلفزيوني يُصوَّر بكاميرا السينما بدلاً من كاميرا التلفزيون التي كانت في الغالب الأعم لا تغادر الاستوديو بإضاءة التي لا تهدف سوى لوضوح الصورة لكي تقبلها (الهندسة).. وكان التصوير باستخدام كاميرا مرتبطة بأسلاك تتصل بغرفة (كنترول) هي التي يجلس فيها المخرج ليقوم بالقطع بين الكاميرات المختلفة التي تصور المشهد، وكانت العدسة المستخدمة هي عدسة الزووم فقط، أما أحجام اللقطات فكانت إما بالحركة نحو الموضوع أو بعيداً عنه وهي حركة محدودة بالطبع أو استخدام الزووم الذي ينقل صورة مسطحة تفتقد إلى ما يُعرف في السينما بـ(عمق المجال).
كان عملي في هذا الفيلم يشكل ضغطاً هائلاً عليّ حيث أنني أمام خيارين كلاهما شديدة المرارة: إما الخضوع المطلق لمفهوم (الفيديو) في التصوير والإخراج والأداء… إلخ، أو الدخول مرة اخرى في صراع أولويات تخص حماسي للمهنة التي تعلمتها في عالم السينما.القطع بين أحجام اللقطات بتغيير العدسات، والاهتمام بعمق الكادر عند اللقطات البعيدة والمتوسطة ومحاولة إحداث الاتزان بين تصوير فيلم سينمائي، وبين فكرة أن هذا الفيلم مخصص للعرض فقط على شاشة التلفزيون..
خاصة وأن (أحجام) أجهزة التلفزيون في هذا الوقت لم تكن تتيح إمكانية لمشاهدة جيدة للقطات البعيدة والمشاهد ذات الإضاءة الدرامية المعتمدة على حساسية شريط (السيلولويد) السينمائي في مقابل حساسية مفتقدة نسبيا في شريط الفيديو (يوماتيك).. وكنت بالطبع أدافع بكل طاقتي عن أسلوب الإخراج (السينمائي) للمشهد وأدلل على وجهة نظري بأن أفلام السينما عندما تُعرض في التلفزيون (مهما كان حجم الأجهزة)تلقي قبولا وتحظى بمشاهدة ممتازة افضل كثيرا من سهرات التلفزيون رغم الاختلاف الجذري عما اعتاده مشاهد الفيديو.. كان هذا يشكل ما يشبه (العقدة) لدى كثير من مخرجي الدراما تجاه عملهم في السينما..