لماذا فشلت الإرهابية في الحكم؟.. أهل الثقة واحتكار القرار حولا مؤسسات الدولة إلى ساحة للتمكين.. العنصرية وإقصاء الكفاءات أضعفا قدرة الجماعة على إدارة الدولة.. والانغلاق وغياب التوافق عجلا بعزلتها السياسية

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 02:00 م
لماذا فشلت الإرهابية في الحكم؟.. أهل الثقة واحتكار القرار حولا مؤسسات الدولة إلى ساحة للتمكين.. العنصرية وإقصاء الكفاءات أضعفا قدرة الجماعة على إدارة الدولة.. والانغلاق وغياب التوافق عجلا بعزلتها السياسية الاخوان

كتب: عزوز الديب

لم يكن إخفاق جماعة الإخوان الإرهابية في إدارة الدولة المصرية مجرد نتيجة لأزمات اقتصادية متراكمة أو صراعات سياسية صاحبت وصولها إلى السلطة، بل كشف عن خلل أعمق في فلسفة الإدارة التي تبنتها الجماعة، يقوم على تقديم الولاء التنظيمي على الكفاءة المهنية، وإخضاع القرار لمعايير الثقة داخل التنظيم، والتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات يمكن إعادة تشكيلها لخدمة مشروع الجماعة، لا مؤسسات وطنية تعمل لصالح جميع المواطنين.

فخلال فترة حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي بين عامي 2012 و2013، اصطدمت الجماعة باختبار مختلف تمامًا عن طبيعة عملها التنظيمي السابق؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة بإدارة قواعد مؤيدة أو تنظيم شبكات للدعم الاجتماعي والسياسي، وإنما بإدارة دولة ذات مؤسسات راسخة، وأجهزة بيروقراطية معقدة، والتزامات اقتصادية داخلية وخارجية، ومجتمع يتسم بالتنوع السياسي والفكري.

لكن الجماعة، وفق تحليلات بحثية تناولت تجربتها في الحكم، لم تنجح في إجراء التحول الضروري من عقلية التنظيم المغلق إلى منطق الدولة المؤسسية، وخلص تحليل لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي إلى أن الجمود التنظيمي، وضعف الشفافية في صناعة القرار، وتقديم الولاء على الجدارة، كانت من العوامل التي أسهمت في عجز الجماعة عن التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر بعد عام 2011.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: امتلكت الجماعة تنظيمًا هرميًا قادرًا على حشد أنصاره وإدارة نشاطه الداخلي، لكنها لم تتمكن من تحويل هذه القدرة التنظيمية إلى كفاءة في إدارة دولة بحجم مصر وتعقيداتها.

 

أهل الثقة.. حين يصبح الولاء معيارًا لاختيار القيادات

تتمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في النموذج الإداري للجماعة في تغليب الاعتبارات التنظيمية على معايير الجدارة والاستحقاق، فالإدارة الحديثة تقوم على اختيار المسؤولين وفق الخبرة والتخصص والقدرة على اتخاذ القرار، إلى جانب النزاهة والمساءلة، بينما يؤدي حصر الثقة في دائرة ضيقة من المقربين إلى تقليص فرص الاستعانة بالكفاءات المستقلة، حتى عندما تكون أكثر تأهيلًا لإدارة الملفات المعقدة.

وتزداد خطورة هذا النمط عندما ينتقل من إدارة التنظيم إلى إدارة الدولة؛ فالمسؤول داخل الجماعة قد يخضع لتسلسل قيادي محدد، لكن المسؤول الحكومي مطالب بالتعامل مع خبراء ومؤسسات وأطراف متعددة، واتخاذ قرارات تستند إلى البيانات والقانون والمصلحة العامة، لا إلى اعتبارات الانتماء السياسي.

وانعكست هذه الإشكالية في الجدل الذي صاحب اختيارات الحكومة والتعيينات خلال فترة حكم مرسي، وكذلك في المخاوف التي أثارتها محاولات توسيع النفوذ السياسي للجماعة داخل مؤسسات الدولة، ولم يكن الاعتراض على انتماء المسؤولين السياسي في حد ذاته، بقدر ما ارتبط بمخاوف من أن تتحول الثقة التنظيمية إلى معيار حاسم في الاختيار، وأن يتراجع استقلال المؤسسات لصالح دوائر النفوذ الحزبي والتنظيمي.

والنتيجة أن نموذج «أهل الثقة» يخلق بيئة إدارية مغلقة، تُكافأ فيها الطاعة على حساب المبادرة، ويصبح فيها الاعتراض المهني أو تقديم رؤية مختلفة مخاطرة بالنسبة إلى المسؤول، بدلًا من أن يكون جزءًا طبيعيًا من عملية صنع القرار.

 

الأخونة.. الخلط بين إدارة الدولة والتمكين التنظيمي

لم تقف الأزمة عند حدود اختيار القيادات، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة التي تصورتها الجماعة بين السلطة ومؤسسات الدولة، فقد أثارت التعيينات والتحركات الرامية إلى توسيع النفوذ السياسي للجماعة مخاوف من اتجاهها إلى إحكام السيطرة على مفاصل مؤسسية، في وقت كانت فيه البلاد بحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية ومؤسسات الحكم.

وكان الخلل الجوهري في هذا التصور هو الخلط بين امتلاك التفويض الانتخابي وامتلاك الحق في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق اعتبارات الولاء السياسي، فالانتخابات تمنح الفائز حق ممارسة السلطة في حدود الدستور والقانون، لكنها لا تعني أن أجهزة الدولة ملك للحزب الحاكم، أو أن تغيير القيادات وتوزيع المواقع ينبغي أن يخضعا لمعيار القرب من التنظيم.

وفي هذا السياق، رصدت دراسات تناولت تجربة الإخوان في الحكم محاولات الجماعة تعزيز سيطرتها السياسية، إلى جانب عجزها عن بناء علاقة مستقرة مع مراكز القوة والمؤسسات القائمة، كما أشارت إلى أن التوجه نحو السيطرة الحصرية على القرار ساهم في نفور قوى سياسية وحلفاء محتملين، بدلًا من بناء تحالف وطني واسع.

ومن منظور إداري، فإن محاولة إخضاع المؤسسات لمنطق التمكين لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة قدرة الحكومة على التنفيذ؛ بل قد تنتج العكس تمامًا، عبر إضعاف الثقة المتبادلة، وتسييس القرارات، وإثارة مقاومة داخل المؤسسات، وتراجع القدرة على التنسيق بين الأجهزة المختلفة.

فالدولة لا تُدار بإحلال مجموعة من الموالين محل مجموعة أخرى، وإنما بتطوير قواعد العمل المؤسسي، ورفع كفاءة الجهاز الإداري، وتحديد المسؤوليات، وربط السلطة بالمحاسبة.

 

القرار من خارج المؤسسات.. ازدواجية أضعفت المسؤولية والمحاسبة

من أبرز أوجه الخلل التي رافقت تجربة الإخوان في الحكم طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والقيادة التنظيمية للجماعة، فقد أثار استمرار نفوذ الدوائر التنظيمية في توجيه الخيارات السياسية تساؤلات بشأن الجهة التي تمتلك القرار الفعلي، وحدود استقلال مؤسسات الدولة في صناعة السياسات العامة.

وتكمن خطورة هذه الازدواجية في أنها تفصل بين سلطة اتخاذ القرار وسلطة تحمل المسؤولية عن نتائجه، فعندما تتداخل الاعتبارات الحزبية والتنظيمية مع الاختصاصات الرسمية، يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن صياغة السياسة، أو تقييم أسباب نجاحها وإخفاقها، أو محاسبة من اتخذ القرار.

كما أن القرار الذي يُصنع داخل دائرة ضيقة قد يفتقر إلى المعلومات التي تمتلكها المؤسسات التنفيذية، وإلى التقديرات الفنية التي يقدمها المتخصصون، وإلى النقاش الضروري لاختبار البدائل والآثار المحتملة.

وبدلًا من أن تكون المؤسسات الحكومية مركزًا لصناعة السياسات وتنفيذها، تصبح عرضة لضغوط من خارج التسلسل الرسمي، وهو ما يضعف وحدة الإدارة ويجعل المسؤول التنفيذي محاصرًا بين متطلبات وظيفته واعتبارات الولاء السياسي.

 

من إدارة الجماعة إلى إدارة الدولة.. فجوة في الخبرة والتخطيط

تختلف إدارة التنظيمات السياسية عن إدارة الدول من حيث حجم المسؤوليات، وطبيعة الموارد، واتساع المصالح المتعارضة، والقيود القانونية والمالية التي تحكم عملية اتخاذ القرار، فالدولة تحتاج إلى سياسات اقتصادية قابلة للتنفيذ، وخطط زمنية واضحة، وموازنات مدروسة، وتنسيق بين الوزارات، ومؤشرات لقياس الأداء، وآليات لتقييم النتائج وتصحيح المسار. كما تتطلب إدارة الملفات الخارجية والأمنية والاقتصادية فهمًا لتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

في المقابل، لا تكفي القدرة على الحشد السياسي أو امتلاك شبكة تنظيمية واسعة لضمان النجاح في هذه المهام. وقد أشار تحليل لمعهد الشرق الأوسط إلى أن جماعة الإخوان لم تكن تمتلك تصورًا واضحًا أو خطة كافية لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية والبيروقراطية، رغم الحديث عن مشروعها المعلن للنهضة.

وانعكس هذا القصور في الفجوة بين الوعود السياسية والتوقعات الشعبية من جهة، والقدرة الفعلية على معالجة المشكلات من جهة أخرى، فالأزمات المتعلقة بالكهرباء والوقود وتدهور الأوضاع المعيشية كانت كاشفة لعجز الجماعة الإرهابية عن تقديم حلول مقنعة للشارع.

 

إدارة الأزمات.. الارتجال لا يعوض غياب الرؤية

كشفت الأزمات المتلاحقة خلال فترة الحكم عن صعوبة بناء استجابة حكومية متماسكة في بيئة تتسم بالاضطراب السياسي والاقتصادي، فقد تزامنت تحديات الطاقة والوقود والضغوط الاقتصادية مع تصاعد الاستقطاب السياسي، وهو ما ضاعف تكلفة القرارات المتأخرة وأضعف قدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي.

لكن التفسير الإداري للأزمة لا يتوقف عند وجود المشكلات، وإنما يمتد إلى طريقة التعامل معها: هل كانت هناك خطط بديلة؟ وهل جرى تنسيق الاستجابة بين الوزارات؟ وهل امتلكت الحكومة مؤشرات إنذار مبكر؟ وهل أُعلنت الحقائق بشفافية، مع تحديد المسؤوليات وتوضيح البدائل المتاحة؟

هذه الأسئلة تضع جوهر المشكلة في قدرة النظام الإداري على الاستعداد للأزمات، وليس فقط في التعامل مع آثارها بعد وقوعها، فالأزمات الاقتصادية الكبرى لا تُدار بالتصريحات وحدها، بل تحتاج إلى سيناريوهات متعددة، وتقديرات دقيقة للموارد، وخطط قابلة للتعديل، وتواصل حكومي يشرح للمواطنين طبيعة التحديات وتكلفة الحلول.

كما أن ضعف الثقة السياسية يرفع تكلفة أي قرار صعب؛ فالإصلاحات التي قد تتطلب تضحيات مؤقتة تحتاج إلى قدر من التوافق والاقتناع العام، وإلى مؤسسات تستطيع شرحها والدفاع عنها وتعديلها وفق نتائج التنفيذ.

ولذلك، لم تكن المشكلة في أن الحكومة واجهت أزمات فحسب، وإنما في عجزها عن بناء ثقة كافية في قدرتها على إدارتها، بالتوازي مع اتساع الخلافات حول طبيعة الحكم واتجاهاته.

 

الاستعلاء التنظيمي.. لماذا أخفقت الجماعة في بناء شراكة وطنية؟

لا يمكن فصل الإخفاق الإداري عن الأزمة السياسية التي نشأت من ضعف القدرة على استيعاب التعددية وبناء التوافق، فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الأغلبية وحدها، وإنما تحتاج إلى قواعد تضمن مشاركة المختلفين، وتحمي حقوقهم، وتمنع تحول المنافسة السياسية إلى صراع صفري بين من يحكم ومن يُقصى.

وقد أظهرت تجربة الإخوان صعوبة بناء شراكة مستقرة مع قطاعات واسعة من القوى السياسية والمدنية، في ظل تصاعد المخاوف من احتكار القرار وتوسيع النفوذ التنظيمي، وبدلًا من تحويل الفوز الانتخابي إلى فرصة لبناء توافق حول قواعد المرحلة الانتقالية، اتسعت فجوة الثقة بين الجماعة وخصومها، وامتد الاستقطاب إلى مؤسسات الدولة والشارع.

وكان الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر 2012، الذي حصّن قرارات رئاسية من الطعن القضائي، من أبرز المحطات التي عمّقت الأزمة،  وقد جرى التراجع عن الإعلان في 9 ديسمبر من العام نفسه، مع الإبقاء على آثاره، وفق النص المعلن آنذاك، وكشف هذا التطور عن تكلفة القرارات التي تُتخذ من دون توافق سياسي ومؤسسي كافٍ، وعن صعوبة احتواء تداعياتها بعد اتساع الاحتجاجات.

إداريًا، يمثل التوافق موردًا أساسيًا لنجاح السياسات العامة، وليس مجرد تنازل سياسي، فكلما اتسعت قاعدة المشاركة، زادت فرص الحصول على معلومات وخبرات متنوعة، وتحسنت القدرة على اكتشاف الأخطاء مبكرًا، وارتفعت احتمالات قبول القرارات وتنفيذها.

أما حين تنظر القيادة إلى المختلفين باعتبارهم خصومًا يجب تحييدهم، فإنها تحرم نفسها من الخبرات والشبكات اللازمة للحكم، وتحوّل كل خلاف إلى معركة على النفوذ، بما يضعف القدرة على الإنجاز حتى عندما تتوافر الموارد أو الصلاحيات الرسمية.

 

الفشل البنيوي.. حين يتحول التنظيم المغلق إلى عبء على الحكم

في المحصلة، لم يكن إخفاق الإخوان إداريًا منفصلًا عن طبيعة بنيتهم التنظيمية، بل ارتبط بمدى قدرتهم على تجاوز نموذج يقوم على التسلسل الهرمي والانضباط الداخلي، والانتقال إلى نموذج يعتمد على الجدارة والشفافية والمساءلة وتداول الرأي.

فالتنظيم المغلق قد يجد في وحدة الصف وسرعة الاستجابة مصدرًا للقوة، لكنه يصبح أقل قدرة على تصحيح أخطائه عندما يُهمش الرأي المخالف، ويحتكر عدد محدود من القيادات صناعة القرار، ويُنظر إلى الاستقلال المهني باعتباره تهديدًا للتماسك الداخلي.

وعندما تنتقل هذه السمات إلى مؤسسات الدولة، فإنها تؤدي إلى تضييق دائرة الخبرة، وإضعاف المساءلة، وخلط المصالح التنظيمية بالمصلحة العامة، وتراجع القدرة على بناء التوافق الضروري لاستمرار السياسات.

وهكذا، تكشف التجربة عن مفارقة أساسية: القدرة على إدارة تنظيم لا تعني القدرة على إدارة دولة، والانضباط الداخلي لا يعوض غياب الكفاءة، والولاء لا يصنع وحده سياسة عامة ناجحة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة