دراسة: زيادة الراتب غالبا ما تصاحبها تغيرات فى الشخصية

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 11:38 ص
دراسة: زيادة الراتب غالبا ما تصاحبها تغيرات فى الشخصية تأثير زيادة الراتب على الشخصية

كتب خالد إبراهيم

كشفت دراسة تحليلية واسعة لأبحاث علم النفس أن زيادة الراتب لا تقتصر آثارها على تحسين الوضع المالى، بل قد ترتبط بتغيرات طفيفة فى شخصية الفرد، تشمل زيادة الضمير الحى والاستقرار العاطفى، مقابل تراجع التوافق الاجتماعى والانبساط، وأظهرت النتائج أن العلاقة متبادلة، إذ يمكن لبعض سمات الشخصية أن تتنبأ أيضا بالتغيرات اللاحقة فى الدخل.

ونُشرت الدراسة فى مجلة "النشرة النفسية"، وشارك فيها باحثون بقيادة وين دونغ لى، الأستاذ المشارك فى الإدارة بالجامعة الصينية فى هونغ كونغ، وكايلى يو، إلى جانب باحثين آخرين، واعتمدت الدراسة على بيانات أكثر من 134 ألف موظف، بهدف توضيح العلاقة بين الدخل وسمات الشخصية على مدار سنوات، ومعالجة التباين فى نتائج الأبحاث السابقة، بحسب psypost.

 

كيف تتغير الشخصية مع زيادة الدخل؟

يصنف علماء النفس الشخصية عادة ضمن 5 سمات رئيسية تُعرف باسم "العوامل الخمسة الكبرى"، وهى الضمير الحى، والاستقرار العاطفى، والتوافق، والانبساط، والانفتاح على التجارب، ويشير الضمير الحى إلى التنظيم والاجتهاد والاعتمادية، بينما يعكس الاستقرار العاطفى قدرة الشخص على التعامل بهدوء مع الضغوط، ويشمل التوافق التعاون والتعاطف، فيما يرتبط الانبساط بالحيوية والتفاعل الاجتماعى، ويعبر الانفتاح عن الفضول والإبداع وتقبل التجارب الجديدة.

وعلى الرغم من أن بعض النظريات ترى أن الشخصية تتحدد إلى حد كبير بفعل العوامل البيولوجية، فإن نماذج أخرى تؤكد أن الخبرات الحياتية والمهنية يمكن أن تعيد تشكيلها، ووفقا لنموذج الاستثمار الاجتماعى، قد تدفع المسئوليات المهنية والاجتماعية الأفراد إلى تعديل سلوكهم اليومى، ومع مرور الوقت يمكن أن تتحول هذه التعديلات إلى أنماط أكثر استقرارا، وسعت الدراسة الجديدة إلى اختبار هذه الفكرة من خلال تتبع التغيرات فى الأجور وسمات الشخصية عبر الزمن.

تأثير زيادة الراتب على الشخصية
تأثير زيادة الراتب على الشخصية

 

تحليل بيانات أكثر من 134 ألف موظف

جمع الباحثون بيانات فردية من 11 دراسة طولية واسعة النطاق أُجريت فى الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا والنرويج وأستراليا، وتراوحت مدة الدراسات بين 4 و20 عاما، وشملت البيانات ما بين 3 و18 موجة قياس، تفصل بينها فترات تتراوح من عام إلى 12 عاما، واستخدم الفريق نماذج إحصائية تتيح التمييز بين الاختلافات الثابتة بين الأشخاص والتغيرات التى تحدث لدى الفرد نفسه بمرور الوقت.

وأظهرت النتائج أن ارتفاع الدخل ارتبط لاحقا بزيادة طفيفة فى الضمير الحى والاستقرار العاطفى، فى حين ارتبط بانخفاض محدود فى التوافق والانبساط، ولم تظهر علاقة ذات دلالة إحصائية بين الدخل والانفتاح على التجارب، ويرجح الباحثون أن الوظائف الأعلى أجرا قد تتطلب مزيدا من الانضباط والقدرة على تحمل الضغوط والتركيز على المهام، وهو ما قد يصاحبه تراجع فى بعض أشكال التفاعل الاجتماعى.

 

الشخصية تؤثر أيضا فى الراتب

كشفت الدراسة عن علاقة متبادلة بين الدخل والشخصية، إذ ارتبط ارتفاع الضمير الحى والاستقرار العاطفى بزيادة لاحقة فى الدخل، ما يشير إلى احتمال وجود تأثير متبادل بين هاتين السمتين والنجاح المالى، فى المقابل، ارتبط ارتفاع الانبساط بانخفاض طفيف فى الدخل اللاحق، بينما لم تتنبأ التغيرات فى التوافق والانفتاح على التجارب بصورة واضحة بالتغيرات المستقبلية فى الأجور، وأوضح الباحثون أن أثر الانبساط قد يختلف حسب طبيعة الوظيفة، إذ يمكن أن يكون التفاعل الاجتماعى ميزة فى بعض المهن، بينما يؤدى البحث عن الإثارة أو الانشغال بالتواصل إلى تشتيت الانتباه فى مهن أخرى.

وكانت أحجام التأثيرات محدودة، إذ بلغت أقوى علاقة بين الدخل والضمير الحى لاحقا نحو 0.06، بينما كانت العلاقات المرتبطة بالتوافق والانبساط فى حدود 0.01، كما وجدت التحليلات أن التأثيرات المتبادلة بين الدخل والشخصية تزداد فى البداية، وتبلغ ذروتها بعد نحو 1.2 إلى 1.4 عام، ثم تتراجع تدريجيا على مدى السنوات التالية، لكن هذا المسار الزمنى استند إلى نموذج إحصائى، ولم يُرصد مباشرة بفواصل زمنية تقل عن عام.

 

العمر يغير بعض النتائج

ظهر العمر عاملا مؤثرا فى بعض العلاقات، إذ ارتبطت زيادة الأجور لدى الموظفين الأكبر سنا بمكاسب لاحقة أكبر فى الاستقرار العاطفى والانفتاح، إلى جانب زيادة فى التوافق بدلا من تراجعه، وفى المقابل، كانت العلاقة بين الضمير الحى والاستقرار العاطفى والدخل المستقبلى أضعف لدى الأكبر سنا، ويرى الباحثون أن ارتباط هؤلاء الموظفين بوظائفهم وشبكاتهم المهنية قد يجعل التغير فى الأجور أكثر أهمية بالنسبة إليهم، بينما قد تحد العوائق المرتبطة بالعمر من تأثير تغيرات الشخصية فى فرص زيادة الدخل.

أما الفروق بين الجنسين فكانت محدودة، وظهرت أساسا فى العلاقة بين الدخل والاستقرار العاطفى، فقد حققت النساء مكاسب أقل فى الدخل بعد تحسن استقرارهن العاطفى مقارنة بالرجال، لكنهن أظهرن تحسنا أكبر فى الاستقرار العاطفى بعد ارتفاع الدخل، ولم تؤد عوامل منهجية أخرى، مثل مكان إجراء الدراسة أو طريقة قياس الدخل والشخصية، إلى تغيير جوهرى فى النتائج.

 

نتائج تحتاج إلى مزيد من التحقق

تتفق بعض النتائج مع أبحاث سابقة ربطت زيادة الضمير الحى وتحسن الاستقرار العاطفى باستقرار مالى أكبر، بينما تختلف عن دراسة أخرى نُشرت عام 2025 ولم تجد تغيرات كبيرة فى سمات الشخصية لدى طلاب انتقلوا إلى مستويات تعليمية أعلى، لكن المقارنة بين هذه الأبحاث تظل محدودة لاختلاف الفئات المدروسة والظروف التى جرى فيها قياس التغيرات.

ويؤكد الباحثون أن التحليل اعتمد على بيانات رصدية، ولذلك لا يثبت أن زيادة الراتب تسبب تغير الشخصية بصورة مباشرة، إذ قد تؤثر أحداث حياتية أخرى فى العاملين ودخلهم وسماتهم فى الوقت نفسه، كما اقتصرت الدراسات على 11 مجموعة بحثية فى دول غربية غنية، واعتمدت على استبيانات يملؤها المشاركون بأنفسهم، ما يترك تساؤلات حول مدى انطباق النتائج على ثقافات واقتصادات أخرى، أو انعكاسها على سلوك الأفراد كما يراه زملاؤهم وأفراد أسرهم.

ويقترح الباحثون إجراء دراسات مستقبلية تقيس الشخصية والدخل على فترات أقصر، وتستعين بتقييمات الزملاء والمشرفين، إلى جانب دراسة سمات أكثر تحديدا لفهم أسباب الارتباط بين بعض جوانب الشخصية والدخل، ويقول لى أن الهدف هو جمع أدلة أكثر دقة حول كيفية تأثير الخبرات المهنية فى تطور الشخصية، وكيف تؤثر الشخصية بدورها فى التجارب المهنية، بما يساعد على تطوير نظريات أفضل عن نمو الشخصية فى بيئة العمل، خصوصا لدى القادة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة