البين في علم اللغة يعنى البعاد، الفراق والرحيل، نعم رحلت سعاد، ماتت أمى وتركتنى طفلا ضعيفا على مشارف الخمسين من عمره، كانت بمثابة المرآة ناصعة الشفافية، أضحك أمامها فأخلع قناع الرجل الناضج مرتديا ثوب الطفولة، كنت طفلا أمامها حتى وإن اتخذ المشيب من رأسي مستقرا ومقاما، برحيلها اختفى المكان الوحيد على الأرض الذى كان يسمح لى أن أكون طفلا مدللا دون أحكام.
ماتت سعاد، ورحل معها النقاء والابتسامة التي ما فارقت وجهها يومًا، كانت أم الجميع، والملجأ والسند كلما ضاقت الحياة، واليد السخية التي تعطي بلا حدود ولا مقابل، نعم فقدت أمى وتفتت ما تبقى من روحى، فلا يداويها كبر السن أو نضج العمر، توفيت أمى رحمها الله مع آذان فجر الإثنين 28 من سبتمبر عام 2026 عن عمر يناهز الثانية والسبعين، أقول توفيت ولا أقول رحلت، فقد رحلت عن عالمنا قبل ذلك التاريخ بأيام معدودات، شاءت إرادة الله سبحانه أن يرفع من درجاتها عنده بسكرات الموت، فأصبحت بين عالمين تحضر حينا وتغيب تارة أخرى، ومن فضل الله علي، سبحانه وتعالى أن أكون شاهدا على لذة سكرات موتها، ساعات أصبح فيها الانتقال إلى عالم الموتى، أمر بالغ الخطورة لمن يشهد هذه اللحظات، أظنها عصيبة وهى عند أمى سهلة كالماء.
كانت أمى في أيامها الأخيرة تحدث الأموات من الأهل والمقربين في منامها، تنادى على أصدقائها الموتى، تستبشر بالموت وترحب به وتنتظر لقاء الله، أمر لمسته بقربي منها فأيقنت فيه الغياب أفضل من الحضور، أحمد الله على نعمة القراءة، فقد قرأت كتاب الروح من قبل لابن القيم 3 مرات وسر الروح للإمام البقاعى وكذلك التذكرة في أحوال الموتى وأهوال القبور للسيوطى، نعم أكرر القراءة نعمة ولكن الجهل بتلك الأمور في هذه اللحظات العصيبة لاحتضار شخص عزيز عليك أكبر نعمة كنت أتمناها، ماذا لو لم أقرأ هذه الكتب الثلاث من قبل لكان الأمر أصبح هينا أو مفاجئا بالنسبة لى، نعم كانت تنتقل لعالم آخر تغدو وتروح أمامى، أعلم الأمر وصعوبته جيدا، أعلم أن الشخص المحتضر لا يبوح بما يرى بعد أن يكشف الله الغطاء عن عينيه تصديقا لقوله تعالى "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" سورة ق الأية ،22 فالحديد هنا من حدة البصر، شدته وقوته الخارقة، فالمحتضر يرى مالا يراه البشر.
ويقول ابن القيم: "أرواح المؤمنين في عليين تتلاقى، فإذا قدم عليهم مؤمن جديد فرحوا به فرح أهل الغائب بقدوم غائبهم" في ذلك الوقت أيقنت أن الإنسان ما هو إلا ذاكرة، يتذكر فيها أسماء يحبهم في الدنيا وفجأة ينتقل لعالم آخر ينادى على أموات رأهم واستبشر بهم.
لذلك حين نويت كتابة مقال أرثى فيه أمى ترددت كثيرا وتعثرت الكتابة أكثر من مرة، نعم عجزت عن الكتابة، فقد كتبت مئات المقالات وآلاف المواضيع الصحفية، ولكن يصعب على أن أكتب حرفا واحدا، أرثى فيه أمى، لذلك تأخرت كثيرا وكأنى أحاول أن أجتاز الخوف من الكتابة، محاولات القفز فوق السطور ولكن لا فرار، أنها أمى أول من علمتنى كيف أمسك بالقلم، وأحافظ على المسافات وأخط مواضع الهمزات، فالكتابة عن رحيلها لا يزال طازجًا، والجرح الذي خلّفه هذا الرحيل لا يزال مفتوحًا، ليس هناك أصعب من الفقد ومن مرارة الرحيل وقسوة الفاجعة، نعم فقدت نفسي بغياب أمى، فقدت مشاعر كانت لا تظهر إلا في حضورها، الشروع في الكتابة عن سعاد لا يتوقف عند الحزن بل يمتد لآثار ملموسة قد توصف بالقهر، وهو ما يصفه أصحاب الاختصاص النفسى بـ"وجع القلب الحقيقي"، أمام هذا الفقد الكبير، تعجز الكلمات ويقف القلم عاجزًا عن التعبير...كيف يكتب منكسر القلب؟ لولا حبي الجارف لأمى ما استخدمت الكتابة للتعبير عن مشاعر أصنفها بالملكية الخاصة التي لأحد على وجه الأرض يخصه تفسيرها.
حين بدأت كتابة المقال لم أكن أرى الموت شكلا وحيدا للرحيل، بل متيقنا أن رحيل أمى لم يكتمل، إلا بفقدان ذاكرتى، فالعقل مؤمن برحيلها ولكن القلب يرفض تصديق البعاد، حقا ماتت أمى ولم يفارقنى منها غير الجسد، نعم ستظل سعاد تتعايش بكلماتها وعباراتها ومواقفها ما حييت وإن ماتت وقبرت، فهى مجرد مراسم وداع لحال الدنيا وما دون ذلك شكليات.
قبل أن يتوفاها الله بالموت بساعات، كنت أكتم هذه المشاعر عن أحبتى عن أسرتى وأقاربي، كنت أتظاهر أمامهم أنها بصحة جيدة حتى إذا تكلموا معها يظنون أنها بخير، نعم هي بخير فسكرات موتها كانت كلها خير، لم أصارح أحدا، ماذا كانت تردد وهى نائمة ماذا كانت تحدثنى عندما تفيق، من منامها، ماذا كانت تردد في كلماتها الأخيرة، كيف لم تخف من الموت، كيف كانت ثابتة شجاعة راضية بقضاء الله، تنتظر لقاء الله، فحق عليها قوله تعالى: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً" [الفجر:27].
عشت في حضن أمى 47 عاما تقريبا، فيها حفظت أذنى جملة "ان عيشنا" كانت تكررها في يومها مرارا وتكرار قبل البدء والشروع في أي أمر مستقبلى، كل يوم وكل ليلة، تطبيقاً لقوله تعالى "وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ" [الكهف:23]، ظلت جملة ان عيشنا تمر على مسامعى مرور الكرام طيلة أيام حياتى معها، وقبل وفاتها بساعات ختم لها الله بقولها أن تنطق "أما ربنا يأذن"، هنا اخترقت أذنى الكلمات وكأنها ترجمة لجملة ان عيشنا، وكأنهم وجهان لعملة واحدة.. يقول الله في كتابه "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" [آل عمران: 145].
صدق ابن القيم حين قال: "من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه"، عاشت سعاد تسلم أمرها لله في كل شيء : "إن عشنا"، وماتت تسلم أمرها لله في كل أمر "أما ربنا يأذن" فحق عليها قول الله تعالى: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ" [إبراهيم:27].، لم تكن أمى امرأة داعية أو قديسة أو مريدة لمقامات الأولياء، بل كانت امرأة، كل أمانيها فى الدنيا أن تلقى الله بقلب سليم قال تعالى: "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم" [الشعراء: 89].
كانت أمى معطاءة، وجودها يعتمد على إسعاد الآخرين، فهى لا تبتهج إلا بإسعاد الناس، ورسم البهجة على شفاه السائل والمحروم، فلا ترد عابر سبيل ولا تغلق بابها في وجه محتاج، نعم كان لها من اسمها أكبر نصيب لغيرها، فكانت سعاد مصدر إسعاد لكل من حولها، شاء الله أن يمد في عمرها 72 عاما بصحة جيدة، أهدت من ثمار حكمتها ثلاث أجيال فصاحبت أصدقائها وجيرانها وربت أبنائها وبعثرت الورود على أحفادها، أمى لم يراودها المرض إلا شهرا أوأقل، لم تكن تصارع الموت، لم تخف منه يوما ما، بل انتظرت إذن الله بسكينة عجيبة، يقول الله "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا" [فصلت: 30].
كنت أنظر إلى ثباتها في منامها واتدبر، كيف ينطق لسان متعب بكلام مفصل؟ كيف كانت في منامها تنادي على أموات تعرفهم بأسمائهم بحروف مفصلة لصوت رنان ، تنادي على من سبقها من الأموات وتقول خذينى معك، تكرر في منامها أنه الموت أنه الموت، سمعت الكلمات وكأن الموت هين على الرغم من أنه مصيبة وعظمها الله سبحانه وتعالى، فآراء الأطباء تتفق دون خلاف أن الانسان عند الاحتضار يضعف جسده كله وأن عضلة اللسان تصاب بالفتور قبل غيرها، هنا استحضرت قول ابن القيم في كتابه الروح : "الروح إذا قويت عند مفارقة البدن استمدت قوة من الله، فيكون نطق المحتضر من قوة الروح لا من قوة البدن، ولهذا يرى ما لا يراه الصحيح"، ولهذا نجد المحتضر ينطق بكلام واضح فصيح لم يكن ينطق به قبل، لأنه في تلك الساعة منكشف الغطاء فالروح هي التي تتكلم بطلاقة ويكرر ابن القيم في كتابه : "المحتضر يرى ما لا يراه الحي، لأن الشيطان لا يتسلط على روحه، وتحفه الملائكة، فكلامه حق ورؤياه حق"، هذه هى لذة سكرات الموت على الرغم من كون الموت نفسه مصيبة، نعم الموت مصيبة تصديقا لقوله تعالى "فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ" سورة المائدة الآية 106
كانت سعاد امرأة خيرة، تواظب على إخراج الصدقات، فكانت لا تترك هذه العادة أبدا، نعم صدقة الدنيا هي التي اشترت لها الكثير، تصديقا لقول رسولنا الكريم : "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، وقال: "إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور"، وقال أيضا: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس" ويقول المفسرون، أن أهل الصدقة اليومية يموتون في أوقات الرحمة، لأن الملائكة التي تاخد الصدقة كل يوم هي التي تأخد روحه وتصعد بها للسماء، تصديقا لقول الله: "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [البقرة: 274]، نعم إخراجها للصدقة برد عليها حر الاحتضار فانطلق لسانها، بكلماتها الأخيرة أما ربنا بإذن.
ماتت أمى فجر ليلة الاثنين.. اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومات فيه أيضا، وكان أبو بكر الصديق وأصحابه يتمنون الموت فيه، أذن الله لأمى أن تموت في وقت صلاة الفجر، هو الوقت المشهود الذي قال الله عنه: "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا"، سورة الإسراء (الآية 78) وذلك لعظمة التوقيت، تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.
حقا توفيت أمى، وأسدلت الدنيا ستار الحنان والعطاء وبقى في الموت سرٌّ يجب أن أتبعه لو كانت الدنيا في كفة وأمى في الكفة الأخرى لاخترت أمى ولكن سأبقى يتيماً بعد رحيلها ولو عانقنى العالم، أردد سيرتها الطيبة العطرة حية لا تموت. وأكمل معاركى الحياتية التافهة مع الدنيا إلى أن ألقاها.