خالد دومة يكتب: حين يكشف المال حقيقة الإنسان

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 12:02 ص
خالد دومة يكتب: حين يكشف المال حقيقة الإنسان خالد دومة

قد تُثقل المعاناة كاهل الإنسان، لكنها قد تعلّمه أيضًا كيف يواجه الظروف والمخاطر، فيكتسب من التجارب ما يحميه من أضرارها، أو يتعلم من الفقر كيف ينظر إلى الآخرين، فيتعاون معهم على اجتياز الصعاب. فالفقر قد يمنح المرء حسًّا إنسانيًّا عميقًا، وقد يكشف عن حقيقة نفسه، فيظهر معدنه الأصيل، أو يفضح ما كان يخفيه وراء ابتسامة زائفة.
إن الإنسان حين يقف أمام امتحان الحاجة، تظهر أخلاقه على حقيقتها؛ فقد يتسع قلبه للآخرين، ويشعر بآلامهم، وقد يضيق بهم، وينكشف ضعف أخلاقه وبلادة حسه. فليس كل من عانى الفقر قد اكتسب الرحمة، كما أن الفقر لا يضمن للإنسان نقاء النفس، وإنما تكمن قيمته في الدروس التي يستخلصها منه، وفي الأثر الذي يتركه في نظرته إلى الحياة والناس.
والمشكلة ليست في أن يرى الإنسان المال وسيلةً للكرامة والحرية، فذلك حقه، وإنما في أن يحوّله إلى قيد يحيط بعنقه، ويلتف حول يديه، ويقتاده إلى طلب المزيد، فلا يرى فيه سوى الطمع والجشع. عندئذ ينسى أيام العوز التي طاردته، ويتنكر لماضيه، كأن الفقر عار يريد محوه من ذاكرته، لا تجربة كان ينبغي أن تعلّمه الرحمة بمن لا يزالون يعانونها.
ليس الفقر في ذاته عيبًا أو وصمةً تلحق بالإنسان، وإنما الوصمة الحقيقية أن ينتهي الفقر وتتراجع الإنسانية؛ أن يغتني المرء في ماله، ويفتقر في أخلاقه، وأن يستمد قيمته وقيمة الآخرين مما يملكون، لا مما يحملون من فضائل. وكلما ازداد ماله، انتقص من إنسانيته، حتى ترى رجلًا حسن الهندام، يختبئ خلف مظهره الأنيق قلبٌ قبيح خلا من الرحمة، وعقلٌ لم يتعلم من تجاربه إلا كيف يتعالى على من كانوا يومًا رفقاء محنته.
إن صورته الجديدة بعد الغنى قد تكون أقبح من صورته القديمة في الفقر؛ لأن الفقر لم يكن بالضرورة تعبيرًا عن حقيقته، أما الغنى فقد أتاح له أن يكشف عن وجه ظل مستترًا وراء الحاجة، أو أن يطلق العنان لنفس لم تكن تملك من قبل أدوات الاستعلاء. وقد يكون الفقر نفسه ستارًا تختبئ خلفه نفس دنيئة وقلب أعمى، كما قد يكشف الغنى للناس حقيقة من ظنوا أن المال سيجعله أفضل مما كان.
ولعل أشد ما يكشفه المال أن بعض الناس لا يرونه وسيلةً للحياة، بل تعويضًا عن شعور دفين بالنقص. فالقوة التي يستمدها هؤلاء من كثرة المال قوة موهومة؛ إذ يحاولون أن يصنعوا به لأنفسهم قيمةً عجزوا عن تحقيقها بغيره، وأن يعوضوا ما يشعرون به من ضآلة في نفوسهم بالتطاول على الآخرين، ولا سيما أولئك الذين لا يملكون ما يملكون.
إنه يريد بالمال أن يبلغ ما عجز عنه بفضائله، وأن يشتري ما لا يُشترى، فيتوهم أنه يمنحه التفوق العقلي والأخلاقي، ويصنع لنفسه أوهامًا يخدع بها ذاته، أو يقنع بها أمثاله من عبيد المال. وقد يحقق له ثراؤه وجاهةً في عيون من يقيسون الناس بما يملكون، لكنه لن يمنحه بالضرورة الوقار والاحترام في عيون من يرونه على حقيقته، ويدركون ما وراء مظهره من خواء وضعف.
فالمال قد يرفع مكانة الإنسان في أعين بعض الناس، لكنه لا يرفع قدره بالضرورة؛ وقد يغيّر مظهره وموقعه الاجتماعي، لكنه لا يضمن أن يغيّر جوهره إلى الأفضل. وليس الامتحان الحقيقي أن تعرف كيف تجمع المال، بل أن تعرف ماذا بقي منك بعد أن امتلكته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة