أكد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن أبناء الأزهر الشريف في مختلف المؤسسات الدينية، سواء الأزهر أو وزارة الأوقاف أو دار الإفتاء المصرية، يمثلون حائط الصد الأول لحماية الوطن والمجتمع من الأفكار المتطرفة، مشددًا على أن مواجهة الغلو الفكري تتطلب إعدادًا علميًّا ومنهجيًّا منضبطًا، يمكن الأئمة والدعاة من تفنيد الشبهات وكشف أساليب التضليل التي تعتمد عليها الجماعات المتطرفة.
جاء ذلك خلال افتتاح وزير الأوقاف مقر التدريب الثالث بمسجد أبي مترد التابع لإدارة أوقاف الخانكة بمحافظة القليوبية، لتدريب دفعة جديدة من الأئمة، مختتمًا بذلك المرحلة الأولى من برنامج التدريب الميداني بالمحافظة، في إطار خطة الوزارة للارتقاء بالمستوى العلمي والفكري واللغوي للأئمة، وتطوير أدائهم الدعوي وتعزيز قدرتهم على حماية الوعي المجتمعي.
وزير الأوقاف يختتم المرحلة الأولى من التدريب الميداني بالقليوبية
وشهد افتتاح مقر التدريب حضور الشيخ محمود أبو العزايم، مساعد وزير الأوقاف لشؤون التدريب، والشيخ محمد مجدي غنيم، مدير عام التدريب، والشيخ عبد الرحمن رضوان، مدير مديرية أوقاف القليوبية، والشيخ أحمد كريمة، مدير إدارة أوقاف الخانكة.
واستُهلت الفعاليات بتلاوة قرآنية للقارئ الشيخ خالد محمد حنفي، أعقبها لقاء لوزير الأوقاف مع الأئمة المشاركين، تناول خلاله أهمية التدريب الميداني في الوصول إلى الأئمة بمواقع عملهم، وتيسير مشاركتهم في البرامج التدريبية، بما يسهم في تنمية قدراتهم العلمية والفكرية واللغوية، ورفع كفاءتهم في أداء رسالتهم الدعوية.
وأوضح الوزير أن افتتاح مقر التدريب بإدارة أوقاف الخانكة يأتي استكمالًا للمرحلة الأولى من البرنامج التدريبي بمحافظة القليوبية، معلنًا انتقال البرنامج، اعتبارًا من اليوم التالي، إلى محافظة القاهرة، من خلال التوسع في تنفيذ التدريب بثلاث إدارات أوقاف، تمهيدًا لتعميم التجربة في مختلف المحافظات.
وأشار إلى أن التدريب الميداني يمثل خطوة مهمة نحو تطوير منظومة إعداد الأئمة، من خلال تقديم برامج متخصصة تجمع بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي، وتراعي احتياجات الأئمة وطبيعة المهام الدعوية التي يضطلعون بها.
«أصول الفكر المعتدل» و«تحسين الأداء اللغوي».. مساران لتطوير الأئمة
وأكد وزير الأوقاف أن البرنامج التدريبي يعتمد على مسارين متكاملين، يتمثل الأول في دورة «أصول الفكر المعتدل»، التي تستهدف ترسيخ الفهم الصحيح للدين ومواجهة الغلو والتطرف الفكري، بينما يركز الثاني على دورة «تحسين الأداء اللغوي»، بهدف تطوير مهارات الإلقاء والبيان، وتعزيز قدرة الإمام على توظيف الصوت والبلاغة في إيصال المعاني إلى الجمهور بوضوح وتأثير.
وأوضح أن الجمع بين التأهيل الفكري والتطوير اللغوي يمثل ركيزة أساسية لإعداد الإمام القادر على التعامل مع القضايا المعاصرة، وتقديم خطاب دعوي يجمع بين سلامة الفهم وجودة التعبير، بما يعزز ثقة الجمهور في الخطاب الديني ويسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة.
وأضاف أن البرنامج يتضمن اختبارات تقييمية لقياس مستوى استفادة المشاركين من التدريب، مع تخصيص جوائز مالية للمراكز الأولى، تحفيزًا للأئمة على الاجتهاد والتميز، وتشجيعًا لهم على مواصلة تطوير قدراتهم العلمية والمهنية.
الأزهري: امتلاك الأدوات العلمية يكشف زيف شبهات الجماعات المتطرفة
وشدد الدكتور أسامة الأزهري على أن دراسة أصول الفكر المعتدل تمنح الإمام الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لتفنيد الأفكار المتطرفة وكشف أوجه الخلل في الفهم المنحرف للنصوص الدينية.
وأوضح أن بعض الجماعات المتطرفة تعتمد على الاستدلال بالقرآن الكريم والسنة النبوية في محاولة لإقناع أتباعها بأفكارها، مستغلة ضعف المعرفة الشرعية لدى بعض المتلقين، وعدم إلمامهم بقواعد الفهم الصحيح للنصوص ومناهج الاستدلال المنضبطة.
وأشار إلى أن من أبرز أساليب التضليل التي تستخدمها هذه الجماعات بتر النصوص من سياقاتها، وتفسير الآيات والأحاديث بعيدًا عن مقاصدها ودلالاتها الصحيحة، بما يؤدي إلى نشر مفاهيم مغلوطة وتبرير ممارسات قائمة على الغلو والتشدد.
وأكد وزير الأوقاف أن العالم المتمكن من العلوم الشرعية وأدوات الاستدلال هو الأقدر على التمييز بين الفهم الصحيح للنصوص والتفسيرات المنحرفة، وتفنيد الشبهات بالحجة العلمية والبرهان، بما يحصن المجتمع من الأفكار التي تهدد أمنه واستقراره.
وزير الأوقاف: الأزهر والأوقاف والإفتاء أسرة واحدة لحماية الدين والوطن
وفي سياق حديثه عن تكامل المؤسسات الدينية، أكد وزير الأوقاف أن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية يعملون ضمن منظومة متكاملة، تجمعها رسالة مشتركة تتمثل في حماية الدين والوطن، ونشر الفهم الصحيح للإسلام، ومواجهة قوى التطرف والغلو.
وقال الأزهري: «أبناء الأزهر الشريف في جميع المؤسسات هم حائط الصد الأول لحماية المجتمع بغض النظر عن مسمياتهم الوظيفية، وإن تعدد المؤسسات والأسماء لا ينفي وحدة الرسالة، فنحن أسرة واحدة تتكامل جهودها لحماية الدين والوطن، ومواجهة قوى التطرف».
وشدد على أن اختلاف الأدوار والمسؤوليات بين المؤسسات الدينية لا يتعارض مع وحدة الهدف، بل يعزز أهمية التنسيق والتعاون في مواجهة الأفكار المنحرفة، وتقديم خطاب ديني مستنير يستند إلى العلم الصحيح والفهم المنضبط.
وأضاف أن حماية المجتمع من التطرف مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود العلمية والدعوية، والعمل على ترسيخ الوعي الديني الصحيح، بما يسهم في الحفاظ على استقرار الوطن وصيانة عقول أبنائه من محاولات التضليل والاستقطاب الفكري.
الأزهري يحذر من التدين الشكلي: كثرة العبادة لا تمنع الانحراف الفكري
وحذر وزير الأوقاف من خطورة أنماط التدين التي تقف عند المظاهر والأشكال دون إدراك المقاصد والمعاني الحقيقية للدين، مؤكدًا أن كثرة العبادة في ظاهرها لا تعصم الإنسان من الانحراف إذا غاب الفهم الصحيح للنصوص الشرعية.
واستشهد الأزهري بوصف النبي صلى الله عليه وسلم للخوارج: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ»، موضحًا أن الحديث يكشف خطورة الاكتفاء بالمظاهر التعبدية دون امتلاك الفهم الصحيح الذي يضبط علاقة الإنسان بالنصوص الشرعية وبالآخرين.
كما استحضر ما ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مناقشة الخوارج، حين أوضح أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكافرين فحملوها على المؤمنين، في نموذج يكشف خطورة إساءة فهم النصوص وتطبيقها في غير مواضعها.
وأكد أن مواجهة هذا النوع من الانحراف تتطلب إعدادًا علميًّا راسخًا للأئمة والدعاة، يمكنهم من توضيح المعاني الصحيحة للنصوص الشرعية، وكشف مواطن الخلل في الاستدلال، والتصدي للأفكار التي تقود إلى تكفير الناس أو استباحة حقوقهم بغير حق.
وزير الأوقاف: مسؤوليتنا حماية المجتمع وأداء الواجب الدعوي
واختتم وزير الأوقاف كلمته بالتأكيد على عظم المسؤولية الملقاة على عاتق الأئمة والدعاة في حماية المجتمع والوطن، مشددًا على ضرورة استحضار أهمية الرسالة الدعوية وعدم الانشغال بالهموم اليومية على نحو يصرف عن أداء الواجب المهني والرسالة الدينية.
وقال الأزهري: «إن الأمانة المعقودة في رقابنا هي حائط الصد الأول، ونحن مسؤولون عن حماية المجتمع والوطن. وإن الانشغال بالحياة اليومية وهموم المعيشة، وإن كانت أمانة منوطًا بها المرء، إلا أنها يجب ألا تجعلنا ننسى المهمة الأكبر وأداء الواجب الدعوي المكلفين به».
وأكد أن دور الإمام لا يقتصر على أداء الشعائر أو إلقاء الخطب، وإنما يمتد إلى بناء الوعي، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة الفكر المتطرف، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية التي تدعم استقرار المجتمع وتحافظ على تماسكه.
ويأتي اختتام المرحلة الأولى من برنامج التدريب الميداني بمحافظة القليوبية ضمن خطة وزارة الأوقاف لتطوير الأداء الدعوي وتأهيل الأئمة في مختلف المحافظات، من خلال برامج تجمع بين ترسيخ الفكر المعتدل وتحسين المهارات اللغوية، بما يعزز قدرة الأئمة على أداء رسالتهم في نشر الوعي الصحيح وحماية المجتمع من الانحراف الفكري.