أحمد التايب

مستقبل الشرق الآوسط فى ضوء المواقف الدولية

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 12:06 ص


لا شك أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف جيوسياسي تاريخي يعيد صياغة معادلة الأمن الإقليمي، لينتقل من صيغة الارتهان للمظلات الدولية إلى صيغة الأمن الذاتي، ويتجسد هذا التحول في هندسة استراتيجية دقيقة وموقوتة تجمع بين الدبلوماسية الوقائية المرنة والردع العسكري الخشن مع توازى المسار التفاوضي الدبلوماسي في طهران بين أقطاب تحالف مكة (السعودية، وتركيا، وباكستان) والقيادة الإيرانية، وبالتالى فإن المشهد الاستشرافي لمستقبل المنطقة يبدأ بالالتزام الإيراني بضبط الحوثيين، وذلك يتحدد وفقاً لميزان القوة الردعية، خاصة أن مقاربة طهران تهدف إلى استغلال الزخم لإخراج القوى الأجنبية من معادلة الأمن الإقليمي، فيما تتحرك الرياض في طهران ليس بصفتها منفردة، بل كقائد لتكتل دفاعي واقتصادي متين أُسس بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026 رفقة أنقرة وإسلام آبادت تزامنا مع الموقف المصري المتمثل فى تفويض البرلمان كخطوة استراتيجية مدروسة منحت القاهرة الوفد السعودي المفاوض في طهران شبكة أمان عسكرية صلبة؛ والرسالة الضمنية لإيران وحلفائها هي أن الجنوح العربي نحو الحوار الإقليمي ينطلق من موقع قوة واقتدار، وأن أي استغلال للمسار الدبلوماسي لفرض شروط ميدانية سيواجه بأكبر جيش في المنطقة.

لكن، ما يجب الانتباه إليه، هو أن الدوائر السياسية والعسكرية في تل أبيب تنظر بريبة وقلق عميقين إلى هذا التقارب؛ إذ يخشى الإسرائيلي أن يؤدي نجاح منظومة أمنية إقليمية (تضم أكبر الجيوش الإسلامية: مصر، وتركيا، وباكستان، وإيرن) إلى تحجيم طموحات إسرائيل وعزلها استراتيجياً عبر فرملة مشاريع الدمج الأمنية التي رعتها واشنطن سابقاً.

فيما تتعامل واشنطن مع المشهد وفق حسابات معقدة؛ فهي تعلن ترحيبها وامتنانها لأي حراك عسكري أو سياسي يسهم في ردع هجمات الحوثيين وتأمين حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، خاصة أن الإدارة الأمريكية تبدي توجساً خفياً من مخرجات اجتماع طهران؛ حيث تخشى واشنطن أن تؤدي هذه التفاهمات الذاتية المستقلة إلى إفشال مشروع ناتو الشرق الأوسط وإقصاء الدور الأمريكي لصالح ترتيبات أمنية سيادية تصيغها عواصم المنطقة مباشرة مع إيران.

فيما يتمحور الموقف الأوروبي حول حماية خطوط الإمداد العالمية وضمان استقرار أسواق الطاقة والأسمدة، وقد عبرت عواصم الاتحاد، لا سيما برلين عبر تصريحات صريحة، عن دعمها للردع العسكري والسياسي الإقليمي إذا كان سيؤدي إلى الوقف الفوري لهجمات الحوثيين العشوائية في باب المندب، معلنة رفضها التام لسياسة الابتزاز التي تمارسها فصائل إيران المسلحة ضد التجارة الدولية وعموم الاقتصاد العالمي المعرض للاضطراب.

كما أنه معلوم، أن الصين تبدى  تأييداً مطلقاً لهذا الزخم وتعتبره امتداداً لجهودها السابقة في تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران، وترى في التهدئة الرباعية وتفويض الجيش المصري خطوة أساسية لتأمين ممرات التجارة الحيوية، وأيضا ترحب موسكو بقوة هذه التحركات وتقرأها من منظور صراع القوى الكبرى؛ فالأوساط الروسية ترى في ولادة وتمدد "تحالف مكة" نحو طهران، مسنوداً بقوة الردع المصرية، إعلاناً رسمياً لفشل مشاريع الهيمنة الأمريكية وعجز واشنطن عن فرض شروطها الأمنية بالقوة في الشرق الأوسط .. خاصة أن روسيا تعتبر هذا التنسيق الإقليمي المستقل تجسيداً عملياً لولادة "العالم متعدد الأقطاب" الذي تتقاسم فيه القوى المحلية إدارة التوازنات بعيداً عن الوصاية الغربية.


وختاما، ووفق لهذه المواقف، نستطيع القول، إن مستقبل منطقة الشرق الأوسط يتجه نحو ولادة نظام أمني واقتصادي "سيادي مستقل" متعدد الأقطاب، محكوم بمعادلة "الردع الخشن والدبلوماسية المشروطة"، لكن يظل هذا المستقبل رهيناً بمدى قدرة التكتل الناشئ على تحييد محاولات التعطيل الإسرائيلية، والتوجس الأمريكي من فقدان الهيمنة، وضمان التزام طهران الشامل بوعودها دون اللجوء لسياسة كسب الوقت.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة