حين ينفصل الأبوان، قد تنتهي العلاقة الزوجية بينهما، لكن مسؤولية الأب عن أبنائه لا تنتهي بانتهاء الزواج، وتبقى احتياجات الصغار، وعلى رأسها التعليم، التزاما لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة جديدة للصراع أو وسيلة لتصفية الحسابات بين الطرفين، ومع وصول مصروفات بعض المدارس الخاصة والدولية إلى مبالغ كبيرة، أصبح الخلاف حول من يدفع فاتورة التعليم من أكثر النزاعات التي تصل إلى محاكم الأسرة، خاصة عندما تتمسك الأم بأن الأبناء اعتادوا مستوى تعليميا معينا، بينما يدفع الأب بعدم قدرته على تحمل تلك التكلفة أو يعترض على قيمتها.
وهنا القانون يحسم المسألة بناء علي مصلحة الصغير وقدرة الأب المالية والاحتياجات الفعلية للابن في صدارة تقدير النفقة، وخلال السطور التالية نجيب علي أبرز الأسئلة .. متى تصبح المصروفات الدراسية جزءًا من النفقة المستحقة للصغير؟ وهل يتحمل الأب كامل تكلفة المدرسة الخاصة أو الدولية؟ وهل يمكن المطالبة بمصروفات سنوات سابقة؟ وماذا يحدث إذا كان الأب قد اعتاد سداد المصروفات ثم توقف؟ والأهم.. بالإضافة إلي متى يمكن للمحكمة أن ترفض المطالبة أو تخفض المبلغ؟
نفقة التعليم جزء من مسؤولية الأب تجاه الصغير
وفقا لقانون الأحوال الشخصية فإن نفقة الصغير تكون على أبيه إذا لم يكن له مال، وأن تستمر نفقة الأولاد وفق الضوابط التي حددها القانون، كما أوجب النص على الأب نفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره وبما يكفل لهم المستوى اللائق بأمثالهم، وحدد استحقاق نفقة الأولاد من تاريخ امتناع الأب عن الإنفاق عليهم.
وتعتبر استحقاق نفقة الأولاد من تاريخ الامتناع عن الإنفاق، فهي ليست مرتبطة فقط بتاريخ صدور الحكم، وإنما يمكن أن تستحق عن الفترة القانونية السابقة على الحكم متى توافرت شروطها وثبت الامتناع.
هل المدرسة الخاصة أو الدولية تلزم الأب بكل المصروفات؟
هنا يجب التفرقة بين أصل الالتزام بالنفقة وبين قيمة المصروفات الدراسية المطالب بها، فكون الطفل مقيدا في مدرسة خاصة أو دولية لا يعني تلقائيا أن الأب ملزم بسداد أي مبلغ تحدده الأم، كما أن ارتفاع المصروفات وحده لا يجعل المطالبة مستحقة بالكامل.
وتنظر المحكمة إلى قدرة الأب المالية ويساره، احتياجات الأبناء ومستواهم المعيشي، قيمة المصروفات الفعلية والمستندات المؤيدة لها، نوع التعليم ومدى ملاءمته لظروف الأسرة، الظروف التي أحاطت باختيار المدرسة، كما تنظر إذا كان الأب قد سبق له تحمل تلك المصروفات أو وافق على هذا المستوى التعليمي.
هل موافقة الأب السابقة على المدرسة تحسم النزاع؟
ليست موافقة الأب السابقة وحدها حكما نهائيا بإلزامه بكل الزيادات المستقبلية، لكنها قد تكون عنصرا مهما في تقدير المحكمة، فإذا كان الأب قد اختار المدرسة أو وافق على إلحاق أبنائه بها، أو اعتاد سداد مصروفاتها، فإن ذلك قد يكون من الوقائع التي تستدل بها المحكمة عند بحث مستوى التعليم الذي اعتاده الأبناء، أما في حال إذا ثبت أن اختيار تعليم مرتفع التكلفة تم رغم عدم قدرة الأب المالية، فقد تبحث المحكمة مدى ملاءمة استمرار هذا الالتزام لقدراته، وهل أصبحت المصروفات تمثل عبئا يتجاوز يساره.
متى يمكن أن ترفض المطالبة بالمصروفات الدراسية؟
رفض المطالبة لا يحدث لمجرد أن الأب يقول إنه غير قادر على الدفع، وإنما قد ترفض المحكمة المطالبة كليا أو جزئيا بحسب ما يثبت أمامها، ومن ذلك عدم ثبوت المصروفات بحيث إذا لم تقدم الجهة المطالبة مستندات كافية تثبت قيمة المصروفات أو طبيعتها، فقد يؤثر ذلك في تقدير المحكمة للمبلغ المستحق، بالإضافة إلي عدم ثبوت قدرة الأب على تحمل المبلغ المطالب به، أو انتهاء سبب النفقة فالقانون حدد استمرارها بحسب حالة الابن أو الابنة، فتستمر نفقة البنت إلى أن تتزوج أو تكسب ما يكفي لنفقتها، بينما تستمر نفقة الابن إلى بلوغه الخامسة عشرة قادرا على الكسب المناسب، مع استمرارها في حالات العجز عن الكسب أو طلب العلم الملائم لأمثاله واستعداده أو عدم تيسر الكسب.
هل يجوز المطالبة بالمصروفات عن سنوات سابقة؟
الأصل أن نفقة الأولاد تستحق من تاريخ امتناع الأب عن الإنفاق عليهم، وليس فقط من تاريخ صدور الحكم، وهو ما أكدته المادة 18 مكررا ثانيا، فالمحكمة تبحث الفترة المطالب عنها، وسبب الاستحقاق، وقيمة المبالغ، وما إذا كانت تدخل في نطاق النفقة، وما يثبت امتناع الأب عن تحملها.
ما خطوات رفع دعوى مصروفات التعليم؟
تبدأ الإجراءات قانونا قبل الوصول إلى المحكمة بمحاولة تسوية النزاع، إذ أوجب قانون محاكم الأسرة في غير الدعاوى المستثناة من التسوية تقديم طلب إلى مكتب تسوية المنازعات الأسرية المختص قبل إقامة الدعوى، وتبدأ بـ تقديم طلب إلى مكتب تسوية المنازعات الأسرية، ثم تتقدم صاحبة الصفة بطلب التسوية إلى المكتب المختص، وتوضح فيه طلبها والمبالغ محل النزاع، وإرفاق المستندات المؤيدة من شهادات ميلاد الأبناء، وما يثبت صفة الحاضنة أو من له الحق في المطالبة، إفادة من المدرسة بقيمة المصروفات، إيصالات السداد إن وجدت مستندات تثبت التحاق الطفل بالمدرسة، ما يتوافر من مستندات عن قدرة الأب المالية، ومستندات تثبت سابق تحمله للمصروفات أو موافقته على التعليم محل النزاع، بعدها تبدأ محاولة التسوية.
وينص القانون أنه إذا انتهى الأمر إلى اتفاق، يمكن إنهاء النزاع بالطرق القانونية المقررة، أما إذا تعذرت التسوية، فيتم الحصول على ما يفيد تعذرها، ثم ترفع الدعوى أمام محكمة الأسرة المختصة وفقًا للقواعد الإجرائية، وفي الأخير تنظر المحكمة في أصل الاستحقاق وقيمة المبلغ.
دور المحكمة في حسم المبالغ المستحقة
وهنا لا يكون دور المحكمة مجرد جمع المصروفات وإلزام الأب بها، وإنما تبحث احتياج الأبناء، وقدرة الأب، والمستندات، ومستوى المعيشة، وطبيعة التعليم، وقيمة المصروفات الفعلية، ثم تصدر حكمها في حدود ما يثبت أمامها.