تحولت محطات الكهرباء ومستودعات الوقود فى السودان إلى أهداف متكررة للهجمات بالطائرات المسيّرة، فى تصعيد جديد للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، والتى لم تعد تداعياتها تقتصر على المواقع العسكرية وخطوط المواجهة، بل امتدت إلى البنية التحتية التى تعتمد عليها حياة ملايين السودانيين، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الخدمات الأساسية وتعطل الأنشطة الزراعية والصحية فى مناطق واسعة من البلاد.
وفى أحدث فصول هذا التصعيد، تعرضت خمس محطات تحويلية للكهرباء فى جنوب شرقى السودان لهجمات بطائرات مسيّرة، أسفرت عن انقطاع التيار الكهربائى عن أربع ولايات رئيسية، مع امتداد تأثير الانقطاع إلى مناطق أخرى، في وقت وجهت فيه شركة كهرباء السودان القابضة اتهامات مباشرة إلى ميليشيا الدعم السريع بالمسئولية عن الهجمات، محذرة من حجم الأضرار التى لحقت بمكونات الشبكة القومية للكهرباء، وفقا لبيان رسمى صادر عن شركة الكهرباء.
وفى أحدث تطور الثلاثاء، تعرضت محطة كهرباء المرخيات في أم درمان بالسودان، لهجوم بطائرة مسيرة باعتبارها المحطة السادسة التى تتعرض لهجوم، اليوم الثلاثاء، مما أدى لانقطاع الكهرباء عن العاصمة الخرطوم، ليرتفع عدد الولايات الغارقة فى الظلام إلى 5 ولايات، ويعتبر الهجوم هو السابع الذى يستهدف محطات الكهرباء خلال أسبوع.
وتكشف الهجمات المتلاحقة على محطات الكهرباء ومستودعات الوقود عن اتساع نطاق الأضرار التى تتعرض لها المنشآت المدنية والحيوية، بالتزامن مع استمرار الغارات الجوية على مواقع تابعة لميليشيا الدعم السريع فى جنوب دارفور.
كهرباء السودان: 5 محطات كهرباء تحت القصف.. والظلام يضرب أربع ولايات
أعلنت شركة كهرباء السودان القابضة، فى بيان، تعرض خمس محطات تحويلية للكهرباء لهجمات بطائرات مسيّرة، شملت محطة سنجة بولاية سنار، ومحطتى الفاو والحواتة بولاية القضارف، ومحطة مشكور بولاية النيل الأبيض، إلى جانب محطة الجنيد بولاية الجزيرة.
وأوضحت الشركة أن الهجمات ألحقت أضرارًا كبيرة بالمكونات الفنية للمحطات المستهدفة، ما أدى إلى انقطاع كامل للإمداد الكهربائى عن الشبكة الجنوبية الشرقية للبلاد، وتوقف الخدمة فى مناطق واسعة تعتمد على هذه المحطات لتوفير الكهرباء للمنازل والمنشآت الخدمية والأنشطة الاقتصادية.
واتهمت الشركة ميليشيا الدعم السريع بتنفيذ الهجمات، مؤكدة أن الطائرات المسيّرة استهدفت بصورة مباشرة منشآت حيوية الاثنين، فى وقت تواجه فيه شبكة الكهرباء السودانية تحديات متزايدة نتيجة الأضرار المتكررة التى لحقت بمحطات التوليد والتحويل وخطوط الإمداد منذ اندلاع الحرب، وفقا لصحيفة المشهد السوداني.
وأعلنت الشركة استنفار فرقها الهندسية والفنية، وتوجيهها إلى المواقع المتضررة لتقييم حجم الخسائر وحصر الأضرار التى أصابت المحولات والمعدات، تمهيدًا لبدء أعمال الإصلاح وإعادة التيار الكهربائى تدريجيًا وتحقيق الاستقرار فى الشبكة.
ولم تحدد الشركة موعدًا متوقعًا لعودة الخدمة، ما أبقى المناطق المتضررة أمام حالة من عدم اليقين بشأن مدة الانقطاع، خصوصًا فى ظل تكرار استهداف المنشآت الكهربائية خلال الأسابيع الماضية.
وفى ولاية سنار، كشفت لجنة الأمن بالولاية تفاصيل الهجوم الذى استهدف محطة سنجة التحويلية، موضحة أن طائرة مسيّرة استراتيجية أطلقت صاروخين باتجاه المحطة، ما تسبب فى أضرار مادية بالموقع وإصابة عدد من أفراد طاقم الحراسة.
ووفقًا لمجموعة «محامو الطوارئ»، فقد أسفر الهجوم عن إصابة شخصين، فيما امتدت تداعيات انقطاع الكهرباء إلى مناطق من ولايتى شمال كردفان وكسلا، إلى جانب الولايات الأربع المتضررة بصورة رئيسية.
وأشارت المجموعة إلى تعرض المحول الكهربائى فى محطة مشكور بمحلية الدويم لأضرار نتيجة القصف، وهو ما يضيف تحديات فنية أمام جهود إعادة تشغيل الشبكة واستعادة الإمداد الكهربائى.
ولم تقتصر الهجمات على محطات الكهرباء، إذ شهدت الأيام الماضية سلسلة من الاعتداءات التى استهدفت منشآت تخزين الوقود ومحطات توزيعه فى عدد من الولايات السودانية، ما يعكس اتساع نطاق المنشآت الحيوية المتضررة من العمليات العسكرية.
وفجر الأحد، تعرضت مستودعات أم عليلة للوقود، الواقعة شرق مدينة ود مدنى بولاية الجزيرة، لمحاولة استهداف بطائرات مسيّرة، فيما أفادت تقارير صحفية بأن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط أربع مسيّرات انقضاضية كانت تتجه نحو المستودعات.
ولم تكن هذه المحاولة الأولى لاستهداف المنشآت نفسها، إذ تعرضت لهجوم مماثل فى 27 سبتمبر الماضى، تسبب فى اندلاع حريق داخل المستودعات.
وذكرت هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة، عقب الهجوم السابق، أن طائرة مسيّرة أصابت خزانين للجازولين من أصل أربعة خزانات، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدنى من السيطرة على الحريق وإخماد النيران.
وامتدت الهجمات كذلك إلى ولاية شمال كردفان، حيث تعرضت محطات وقود فى مدينتى الرهد وأم روابة للقصف خلال الأيام الماضية.
وتزيد هذه الاعتداءات الضغوط على إمدادات الوقود فى المناطق المتضررة، خاصة مع ارتباط الوقود بتشغيل وسائل النقل والمولدات الكهربائية والآلات الزراعية وغيرها من الأنشطة التى يعتمد عليها السكان فى حياتهم اليومية.
ست هجمات سابقة خلال أكتوبر.. وتحذيرات من تدهور الخدمات
وتكشف بيانات مجموعة «محامو الطوارئ» أن استهداف محطات الكهرباء لم يبدأ بهجمات الاثنين، إذ سبقتها ست هجمات خلال أكتوبر الجارى، طالت منشآت كهربائية فى الدبة ومروى وعطبرة والروصيرص وتندلتى والفاو.
وتشير هذه الوقائع إلى تكرار الاعتداءات على منشآت الطاقة فى مناطق متباعدة جغرافيًا، بما يضاعف الأعباء على الفرق الفنية المسئولة عن إصلاح الشبكة، ويجعل استعادة استقرار الإمداد الكهربائى أكثر صعوبة.
الزراعة تدفع الثمن.. ومخاوف من توقف مضخات الرى
فى المناطق الزراعية المتضررة، أعادت الهجمات الأخيرة المخاوف بشأن قدرة المزارعين على استئناف أنشطتهم، بعد فترة شهدت تحسنًا نسبيًا فى الإمدادات الكهربائية وإصلاح بعض المحطات.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عبد الحافظ دفع الله، وهو مزارع فى مشروع الجنيد، أن إصلاح المحطة وتحسن الإمداد الكهربائى خلال الأشهر الثلاثة الماضية أعادا الأمل فى تشغيل مضخات الرى واستئناف الزراعة.
لكن استهداف المحطة مجددًا بدد تلك التوقعات، وأعاد المزارعين إلى حالة من القلق بشأن مستقبل الموسم الزراعى وقدرتهم على توفير المياه اللازمة للمحاصيل.
وقال دفع الله معبرًا عن خيبة أمله: «كنا نأمل فى أن نتمكن أخيرًا من أن نزرع مجددًا، لكنّ المحطة ضُربت الآن".
كما يضع تكرار انقطاع التيار المزارعين أمام تحديات إضافية، فى ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة التى تشهدها البلاد، وما يرتبط بها من صعوبات فى توفير مستلزمات الإنتاج وتشغيل المعدات.
انقطاع الكهرباء يهدد الأدوية.. والأنسولين مصدر قلق للأسر
لا تتوقف التداعيات الإنسانية للهجمات عند الزراعة والمياه، بل تمتد إلى الأسر التى تعتمد على الكهرباء فى حفظ الأدوية الضرورية لعلاج الأمراض المزمنة.
وفى مدينة الفاو بولاية القضارف، عبّر المواطن بابكر يوسف عن مخاوفه من تأثير انقطاع التيار الكهربائى على حفظ دواء الإنسولين المخصص لابنه، فى ظل عدم وضوح موعد استعادة الخدمة.
وأشار إلى أن تلف الدواء واضطرار الأسرة إلى شرائه مجددًا سيمثلان عبئًا ماليًا إضافيًا.
وقال يوسف: «لا نعرف متى تعود الكهرباء»، فى تعبير عن حالة القلق التى تعيشها الأسر المتضررة من توقف الإمدادات الكهربائية.
غارات جوية على نيالا.. وتصاعد العمليات العسكرية فى جنوب دارفور
بالتزامن مع الهجمات على منشآت الطاقة، شهدت ولاية جنوب دارفور تصاعدًا فى الغارات الجوية التى ينفذها الجيش السودانى على مواقع فى مدينة نيالا، الخاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع.
ونقلت صحيفة «دارفور 24» عن شهود عيان أن غارات جوية استهدفت مواقع تابعة للميليشيا ومحيط سوق المواشى فى المدينة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم أجانب، دون أن تتوافر حصيلة نهائية مؤكدة للضحايا.
وتأتى هذه الغارات فى وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية بين الجيش السودانى وميليشيا الدعم السريع فى عدد من جبهات القتال، بالتزامن مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة فى تنفيذ هجمات على مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.
حرب تتجاوز الجبهات.. والبنية التحتية فى قلب الأزمة الإنسانية
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السودانى وميليشيا الدعم السريع فى أبريل 2023، تعرضت قطاعات واسعة من البنية التحتية السودانية لأضرار نتيجة العمليات العسكرية، فيما أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى الوسائل المستخدمة فى استهداف المواقع والمنشآت الواقعة بعيدًا عن مناطق الاشتباكات التقليدية.
وتظهر الهجمات الأخيرة على محطات الكهرباء ومستودعات الوقود مدى اتساع التداعيات المدنية للحرب، حيث لم تعد آثار القصف مرتبطة فقط بالخسائر المباشرة فى المواقع المستهدفة، وإنما تمتد إلى الخدمات التى تعتمد عليها مناطق سكنية وزراعية واسعة.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية متكررة من خطورة استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، لما قد يترتب عليه من تعطل الرعاية الصحية وإمدادات المياه والخدمات الأساسية التى يحتاج إليها ملايين السودانيين.
وتبرز الهجمات التى طالت خمس محطات كهربائية فى يوم واحد حجم التحديات التى تواجه قطاع الطاقة السودانى، فى ظل تكرار الاعتداءات والحاجة المستمرة إلى إصلاح المنشآت المتضررة، دون وضوح موعد نهائى لاستعادة الإمدادات.