ثمة سؤال يفرض نفسه على كل من يتابع مسار جماعة الإخوان الإرهابية: كيف لتنظيم يضم في صفوفه أطباء ومهندسين وأكاديميين أن يصل إلى حالة من العجز الفكري والانحدار الخطابي؟ الإجابة، كما يكشفها إبراهيم ربيع، القيادي المنشق والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، لا تكمن في غياب العقول، بل في آليات منهجية لاستبعادها. فالتنظيم الذي يرفع شعار "الدعوة والتربية" بنى هيكله الداخلي على قاعدة واحدة لا تقبل المساومة: "السمع والطاعة". ومن يحاول أن يفكر، أو أن يعترض، أو أن يقترح، يُقصى تدريجياً لصالح من يجيد الطاعة العمياء. وهكذا تحول التنظيم من كيان يستوعب الكفاءات إلى "مقصلة" تُسقط كل من يجرؤ على استخدام عقله .
محرم عليك التفكير و التعبير
قال إبراهيم ربيع إن التنظيم يضع على أعضائه ثلاثة محظورات جوهرية تكشف طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة: "محرم عليك الضمير، محرم عليك التفكير، ومحرم عليك التعبير" . وأضاف أن هذه المحظورات لم تكن استثناءً أو انحرافاً عن مسار الجماعة، بل كانت النتيجة الحتمية لهيكل يقدّم الانتماء التنظيمي على كل اعتبار آخر. وأوضح أن من يبدي اعتراضاً يواجه تدريجياً الإقصاء والتشكيك في التزامه الديني، معتبراً أن هذه الآليات أسهمت في تكريس الانضباط التنظيمي على حساب حرية التفكير والمراجعة الداخلية .

إبراهيم ربيع القيادى المنشق عن الجماعة
وأشار ربيع إلى أن نقطة التحول الحاسمة في تجربته الشخصية جاءت عندما فوجئ بترويج روايات غير صحيحة بشأن تعرضه للتعذيب خلال إحدى القضايا، وعندما اعترض على تلك الروايات تلقى تبريرات تعتبر أن الكذب جائز إذا كان يخدم مصلحة التنظيم . وهنا تتكشف المفارقة: التنظيم الذي يطالب أعضاءه بالصدق في الشأن العام، يبيح لنفسه التضليل متى اقتضت "المصلحة التنظيمية"، وهو ما يعني عملياً أن الكفاءة الأخلاقية نفسها تصبح عبئاً على من يحملها.
تجربة الإصلاح التي قوبلت بالسخرية
وفي كشفه لآلية استبعاد العقول، روى ربيع أنه بعد أحداث 2011 حاول إقناع قيادات الجماعة بإجراء إصلاحات داخلية تواكب التحولات السياسية، من خلال إعادة هيكلة التنظيم وتحويله إلى كيان شرعي يخضع لقواعد مؤسسية ويتيح تداول القيادة والاستفادة من الكفاءات الوطنية بعيداً عن الانتماء التنظيمي . وأضاف أنه طرح أفكاره على عدد من القيادات، ومنهم حلمي الجزار، فكان الرد الذي تلقاه: "يا أخ ربيع أنت عندك أفكار أفلاطونية طفولية رجاء تحتفظ بها لنفسك" .
وأوضح ربيع أن مقترحاته قوبلت بالرفض والسخرية من قيادات اعتبرت تلك الأفكار بعيدة عن نهج التنظيم، مؤكدين تمسكهم بالهيكل القائم بعد عقود من الإعداد للوصول إلى السلطة . وهنا يطرح ربيع سؤالاً ضمنياً: إذا كان من يملك أفكاراً إصلاحية يُوصف بأنها "أفلاطونية طفولية"، فمن يبقى في الصف الأول؟ الإجابة واضحة: من لا يملك أفكاراً أصلاً، أو من يملكها ويحتفظ بها لنفسه، أي من يجيد "السمع والطاعة".
آلية اختبار الاعضاء
وفي تفسيره لكيفية عمل هذه المنظومة، أوضح ربيع أن الأمر لم يكن عشوائياً داخل التنظيم، بل توجد منظومة لصناعة الكادر الإخواني تبدأ بالسيطرة على عقله ثم توجيهه، ومن يجيد السيطرة عليه "فقد نجح في الاختبار ودخل في سلم الترقى داخل التنظيم" . وأضاف أن الجماعة تعتمد على "الهندسة السلوكية" و"تدجين العقول"، محولة الكوادر إلى أدوات تنفيذية صماء تبرر تقلبات القيادة وانتهازيتها السياسية، حتى وإن صادمت تلك القرارات الفطرة السوية أو خالفت الثوابت الوطنية .
وأشار ربيع إلى أن الجماعة حرصت على مدار عقود على تقديم نفسها من خلال مفردات الدين والفضيلة، لكنها في جوهرها كانت تبني "دولة موازية" داخل التنظيم، بمكتب إرشاد يوازي المكتب الرئاسي، ومحافظات ومكاتب إدارية توازي أقسام الشرطة، في هيكل "محكم حديدي" يفرض على المتابعين "السمع والطاعة والبرمجة" . وفي هذا الهيكل، لا مكان للكفاءة إلا بقدر ما تخدم الانضباط التنظيمي، ولا قيمة للعقل إلا إذا كان أداة تنفيذ لا أداة تفكير.
كفاءات تستبعد وقيادات تدار بالأوامر
واختتم ربيع تحليله بالإشارة إلى أن هذا النموذج لم يكن مجرد خطأ إداري، بل كان خياراً استراتيجياً. فالتنظيم الذي يخشى العقول المستقلة يضطر إلى الاعتماد على "السمع والطاعة" كمعيار وحيد للترقية، فيصعد إلى القمة من لا يملك القدرة على الاعتراض، ويتراجع إلى الهامش من يملكها. والنتيجة، كما يقول ربيع، أن الجماعة باتت تدار بمن "يستخدمون" عقول الآخرين لا بمن "يملكون" عقولاً، وهو ما يفسر جزء كبير من الانحدار الخطابي والفكري الذي تعيشه .
والأخطر من ذلك، كما يشير ربيع، أن هذه المنظومة لا تكتفي باستبعاد الكفاءات، بل تُنتج بيئة نفسية تقوم على الشعور المستمر بالذنب والرقابة الذاتية، حيث يخشى العضو حتى من مجرد التساؤل . وهكذا يصبح "الولاء الحركي المطلق" ليس مجرد شرط للبقاء، بل هو البديل الوحيد المتاح لمن يريد أن يظل داخل الصف.
وأكد إبراهيم ربيع أن الجماعة التي تزعم أنها تحمل مشروعاً "حضارياً" لا تستطيع أن تحتفظ بعقول أبنائها، لأنها بنت هيكلها على قاعدة تناقض كل مشروع حضاري حقيقي. "السمع والطاعة" ليس مجرد شعار تنظيمي، بل هو الآلية التي تضمن بقاء القيادة وتُقصي كل من يهددها بالتفكير.