شهدت السنوات الماضية عودة عدد من المومياوات المصرية والرفات البشرية المحنطة من مؤسسات ومتاحف أجنبية، بعد أن قضى بعضها أكثر من قرن خارج مصر، في وقائع تكشف عن طرق مختلفة لاسترداد التراث الأثري، شملت التبرعات المؤسسية والاتفاقات الدبلوماسية والتعاون بين السلطات المختصة، وهو ما يكتسب أهمية جديدة مع قرارات بعض المتاحف البريطانية حجب المومياوات المصرية عن الجمهور خلال عام 2026، وطرح تساؤلات حول إمكانية استعادة هذه الرفات إلى موطنها الأصلي.
وتوثق سجلات متحف مايكل سي كارلوس بجامعة إيموري الأمريكية، وجامعة كورك الأيرلندية، والبيانات الرسمية المصرية، ثلاث تجارب لاستعادة مومياوات أو أجزاء بشرية محنطة من الولايات المتحدة وأيرلندا وألمانيا، وتوضح هذه الوقائع أن إعادة الرفات يمكن أن تتحقق عبر تفاهمات بين المؤسسات والدول، مع اختلاف الظروف القانونية والتاريخية لكل حالة.
مومياء رمسيس الأول تعود من أمريكا
تعود إحدى أشهر وقائع استرداد المومياوات إلى عام 2003، عندما أعاد متحف مايكل سي كارلوس، التابع لجامعة إيموري بمدينة أتلانتا الأمريكية، مومياء رجل مصري قديم اعتقد بعض الباحثين أنها قد تكون للملك رمسيس الأول، مؤسس الأسرة التاسعة عشرة.
وكان المتحف قد اشترى عام 1999 مجموعة تضم أكثر من 150 قطعة أثرية ومومياوات مصرية من متحف شلالات نياجرا بكندا، الذي تعود بدايات مجموعته المصرية إلى مشتريات أجراها سيدني بارنيت خلال رحلات إلى مصر بدأت عام 1854.
ولفتت إحدى المومياوات انتباه الباحثين بسبب وضع الذراعين المتقاطعتين على الصدر، وجودة التحنيط، وهي سمات دفعتهم إلى بحث احتمال انتمائها إلى أحد ملوك مصر القديمة.
وأجرى متخصصون فحوصًا بالأشعة السينية والمقطعية، إلى جانب تحاليل علمية ودراسات مقارنة، قبل أن يقرر المتحف إعادتها إلى مصر، لعدم إمكان استبعاد احتمال انتمائها إلى الأسرة الملكية.
هل كانت المومياء لرمسيس الأول فعلًا؟
رغم الشهرة التي اكتسبتها المومياء باعتبارها مومياء رمسيس الأول، فإن هويتها لم تثبت بصورة قاطعة.
وتوضح المعلومات العلمية التي نشرها متحف كارلوس لاحقًا أن نتائج التأريخ بالكربون المشع أشارت إلى فترة تمتد تقريبًا بين عامي 409 و185 قبل الميلاد، وهي فترة أحدث كثيرًا من عهد رمسيس الأول الذي حكم في نهاية القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
وتجعل هذه النتائج نسبة المومياء إلى رمسيس الأول محل شك علمي، رغم أن المتحف أعادها باعتبارها رفاتًا مصرية يحتمل أن تكون ملكية.
وشهد أكتوبر 2003 إجراءات تسليم المومياء ونقلها إلى مصر، حيث استقرت في متحف الأقصر، في واقعة توضح أن المبادرة الطوعية من المؤسسة الحائزة يمكن أن تؤدي إلى إعادة الرفات دون صدور حكم قضائي بإلزامها بذلك.
جامعة كورك تعيد مومياء وتابوتًا إلى مصر
وفي ديسمبر 2024، أعلنت جامعة كورك الأيرلندية نقل مجموعة من المقتنيات المصرية إلى مصر، ضمن تبرع قدمته الجامعة للدولة المصرية، بعد تعاون استمر بين المؤسسات المعنية في البلدين.
وضمت المجموعة رفات رجل مصري محنط وتابوتًا خشبيًا وأربعة أوانٍ كانوبية وقطعًا من الكارتوناج، وهي أغطية جنائزية صُنعت من الكتان والجص والألوان.
وكشفت الدراسات أن التابوت يعود إلى نحو 625–600 قبل الميلاد، ويحمل اسم رجل يُدعى "حور"، بينما تعود الرفات الموجودة معه إلى رجل آخر كان عمره عند الوفاة بين 45 و50 عامًا، وأظهرت فحوص اللفائف تاريخًا أحدث من صناعة التابوت بعدة قرون.
وتشير سجلات الجامعة إلى أن التابوت اكتشفه عالم الآثار الإيطالي إرنستو سكياباريللي خلال حفائره بوادي الملكات بين عامي 1903 و1904، بينما ظلت بعض تفاصيل انتقال المقتنيات إلى الجامعة غير مؤكدة.
وجاءت الإعادة بالتعاون بين الجامعة ووزارة السياحة والآثار المصرية ووزارة الخارجية الأيرلندية والمتحف الوطني الأيرلندي والسفارات المعنية، في نموذج للاسترداد عن طريق التفاهم والتبرع المؤسسي.
ألمانيا تعيد جمجمة ويدًا محنطتين
وشهد أكتوبر 2024 واقعة أخرى، عندما تسلمت السفارة المصرية في برلين ثلاث قطع أثرية، بينها جمجمة ويد تعودان إلى مومياء مصرية قديمة، بالإضافة إلى تميمة على هيئة علامة "عنخ" المصرية.
وبحسب وزارة السياحة والآثار، كانت الجمجمة واليد، المطليتان بالذهب، معروضتين في أحد متاحف مدينة هامبورج منذ أكثر من 30 عامًا، قبل أن تبادر الجهات الألمانية إلى التواصل مع السفارة المصرية لبحث إعادتهما.
وأوضحت الوزارة أن ظروف وصول الرفات إلى ألمانيا لم تكن معروفة بصورة مؤكدة، بينما كانت التميمة قد صودرت بواسطة السلطات الجمركية الألمانية بعد محاولة إدخالها بطريقة غير مشروعة.
وجرى تسليم القطع إلى السفارة المصرية في أكتوبر 2024، قبل الإعلان لاحقًا عن استكمال إجراءات إعادة مقتنيات أثرية مصرية من ألمانيا، في إطار التعاون بين البلدين لمكافحة الاتجار غير المشروع في الآثار.