قبل أن يظهر المؤرخون بوصفهم أصحاب منهج في جمع الأخبار وتفسير الأحداث، كانت الحضارات القديمة تسجل ماضيها بوسائل متعددة، من النقوش الملكية وقوائم الحكام إلى السجلات الإدارية والروايات الشفهية، وهي المصادر التي أسهمت في حفظ جانب كبير من تاريخ الإنسانية، وإن لم تكن جميعها تهدف إلى كتابة التاريخ بالمعنى المعروف اليوم.
وبحسب دراسة منشورة على الموقع التعليمي لمشروع «ديجيتال إيجيبت» التابع لكلية لندن الجامعية، عرفت مصر القديمة منذ عصور مبكرة سجلات للأحداث المهمة وقوائم بأسماء الملوك، كما تطورت هذه السجلات تدريجيًا لتشمل روايات أكثر تفصيلًا عن بعض الوقائع التاريخية.
الكهنة والكتبة.. حراس ذاكرة الحضارات
كان الكتبة وموظفو الدولة من أبرز الفئات التي تولت تسجيل الأحداث في الحضارات القديمة، إذ ارتبط عملهم بتدوين المعلومات المتعلقة بالحكم والإدارة، فضلًا عن تسجيل أسماء الحكام ومدة حكمهم وبعض الأحداث المهمة في عهودهم.
وفي مصر القديمة، تمثل «حجر باليرمو» أحد الشواهد البارزة على تقاليد تسجيل الأحداث الملكية، إذ يضم أجزاء من حوليات تعود إلى الدولة القديمة، بينما شهدت عصور لاحقة تسجيلات أكثر تفصيلًا لأحداث سياسية وعسكرية.
وتشير مادة علمية منشورة على موقع كلية لندن الجامعية إلى أن النقوش المصرية تطورت مع مرور الزمن، فبعد أن اقتصرت بعض السجلات على ذكر الأحداث المهمة، بدأت تتضمن مقاطع سردية أكثر تفصيلًا، ومن أمثلتها حوليات الملك تحتمس الثالث المنقوشة في معبد الكرنك.
قوائم الملوك.. التاريخ كما أرادت السلطة أن تتذكره
لم تكن السجلات القديمة مجرد وسيلة لحفظ أسماء الحكام، بل ارتبط بعضها بتأكيد شرعية السلطة واستمرار الحكم، وتقدم قائمة الملوك في أبيدوس مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ نُقشت في المعبد الجنائزي للملك سيتي الأول خلال الأسرة التاسعة عشرة، وضمت أسماء عدد من ملوك مصر السابقين.
وبحسب جمعية استكشاف مصر القديمة «ARCE»، لم تكن قائمة أبيدوس سجلًا زمنيًا محايدًا بالمعنى الحديث، فقد استُخدمت في سياق طقسي وديني، كما استبعدت أسماء بعض الحكام، من بينهم حتشبسوت وبعض ملوك فترة العمارنة، بما يعكس موقف خلفائهم منهم ومحاولات محو ذكراهم.
ويكشف هذا المثال جانبًا مهمًا من التعامل مع المصادر التاريخية؛ فالنقش القديم قد يقدم معلومات عن الماضي، لكنه يكشف أيضًا عن رؤية السلطة لهذا الماضي، وعن الشخصيات التي أرادت تخليدها أو استبعادها من الذاكرة الرسمية.
بردية تورين.. سجل مهم لتاريخ الفراعنة
ومن الوثائق المهمة في هذا السياق «بردية الملوك» أو «قائمة ملوك تورين»، المحفوظة ضمن مجموعة البرديات بالمتحف المصري في تورين بإيطاليا، وتضم البردية قائمة بأسماء عدد من الحكام المصريين ومدد حكمهم، وتمثل مصدرًا مهمًا لدراسة التسلسل الملكي في مصر القديمة.
ويوضح المتحف أن القوائم المصرية القديمة لم تكن جميعها متطابقة في محتواها أو أغراضها، وأن بعض السجلات الرسمية القديمة أسهمت لاحقًا في أعمال مؤرخين اعتمدوا عليها في إعادة بناء تاريخ مصر.
ومن بين هؤلاء مانيتون، الكاهن والمؤرخ المصري الذي كتب باليونانية عن تاريخ مصر في العصر البطلمي، مستعينًا بوثائق وقوائم ملكية مصرية أقدم، وقد أسهم تقسيمه تاريخ مصر إلى أسرات في تشكيل الطريقة التي يدرس بها علماء المصريات تعاقب الأسر الحاكمة حتى اليوم.
هيرودوت.. من تسجيل الأحداث إلى كتابة التاريخ
مع تطور الكتابة التاريخية في اليونان القديمة، برز هيرودوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ويُعرف تقليديًا بلقب «أبي التاريخ»، بفضل عمله الذي تناول الحروب اليونانية الفارسية، وجمع فيه بين سرد الأحداث والاهتمام بالشعوب وعاداتها وأحوالها.
وتشير دراسة أكاديمية منشورة في موسوعة «وايلي» المرجعية إلى أن هيرودوت يُعد من أبرز مؤسسي الكتابة التاريخية السردية، إذ قدم رواية مترابطة لأحداث سياسية وعسكرية، مع الاستعانة بما جمعه من أخبار وروايات خلال أسفاره.
لكن عمله لم يخلُ من مشكلات تتعلق بموثوقية بعض الأخبار، وهو ما يوضح أن الانتقال إلى كتابة التاريخ لم يكن يعني الوصول فورًا إلى منهج نقدي مكتمل.
وجاء ثوسيديديس، الذي تناول الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، ليمنح الكتابة التاريخية اهتمامًا أكبر بفحص الروايات وتحليل الأسباب السياسية والعسكرية للأحداث، وأصبح عمله أحد النماذج المؤثرة في تطور المنهج التاريخي.
هل كان التاريخ يُكتب من وجهة نظر المنتصر فقط؟
توضح الشواهد القديمة أن التاريخ لم يكن دائمًا تسجيلًا محايدًا لما جرى، فقد ارتبطت بعض النقوش والسجلات بأهداف سياسية أو دينية، كما اعتمدت روايات أخرى على الذاكرة الشفهية وما تناقله الناس من أخبار.
ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين المصادر المكتوبة والآثار والنقوش والوثائق، بدلًا من التعامل مع رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الكاملة.
وتؤكد دراسة تاريخ الكتابة في مصر القديمة أن السجلات الملكية والنقوش تمثل مصادر لا غنى عنها، لكنها تحتاج إلى قراءة في سياقها التاريخي والديني والسياسي لفهم ما تسجله وما قد تستبعده.