تواجه المفوضية الأوروبية ضغوطا متزايدة للتحقيق في ممارسات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بعد تأخر البت في شكوى قدمتها رابطة الدوريات الأوروبية للمحترفين في أكتوبر 2024، تتهم فيها الاتحاد باستغلال هيمنته وفرض جدول المباريات الدولية بما يتعارض مع مصالح المسابقات المحلية، وسط تساؤلات بشأن تضارب المصالح بين دوره كجهة منظمة لكرة القدم ومصالحه التجارية، وإحجام بروكسل عن فتح تحقيق رسمي رغم تحركات عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي.
شكوى ضد فيفا تنتظر التحرك الأوروبي منذ عامين
ذكرت صحيفة «بوليتيكو» الأوروبية، في تقرير نشرته أن المفوضية الأوروبية لم تبدأ حتى الآن إجراءات رسمية بشأن الشكوى التي تقدمت بها رابطة الدوريات الأوروبية لكرة القدم للمحترفين في أكتوبر 2024، قبل أن توسع نطاقها الشهر الماضي لتشمل كرة القدم النسائية.
وتتهم الرابطة، التي تمثل 53 دوريًا احترافيًا لكرة القدم للرجال والسيدات في أوروبا، الاتحاد الدولي لكرة القدم باستغلال موقعه المهيمن لفرض جدول المباريات الدولية على بقية الجهات الرياضية، بما قد يضر بالمسابقات المحلية ويثير تساؤلات حول مدى مراعاة مصالح الدوريات والأندية واللاعبين.
وتتركز إحدى النقاط الرئيسية في الشكوى على الجمع بين سلطتين داخل «فيفا»: تنظيم اللعبة ووضع القواعد التي تحكمها، وتنظيم مسابقاته الخاصة وتحقيق عائدات تجارية منها، وهو ما تعتبره الرابطة تضاربا محتملا في المصالح.
ونقلت «بوليتيكو» عن مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي مطلع على الملف أن الشكوى لا تزال معلقة لدى المفوضية، فيما تتزايد الضغوط السياسية لدفع بروكسل إلى التحرك.
نواب أوروبيون يطالبون أورسولا فون دير لاين بالتدخل
وطالب أعضاء في البرلمان الأوروبي من تيارات سياسية مختلفة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين باتخاذ إجراءات عاجلة بشأن ممارسات «فيفا»، مع إرسال نسخة من رسالتهم إلى تيريزا ريبيرا، المسؤولة عن ملف المنافسة في المفوضية.
وشارك في هذه المطالبات برونو غونسالفيس وهانز هايد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وبوغدان زدروييفسكي من حزب الشعب الأوروبي المحافظ، داعين إلى استخدام صلاحيات الاتحاد الأوروبي في مكافحة الاحتكار، بما يشمل الشكوى المقدمة من رابطة الدوريات الأوروبية.
ويرى النواب أن استخدام «فيفا» صلاحياته التنظيمية لتعزيز مصالحه التجارية يثير مخاوف تتعلق بالشفافية والموضوعية وعدم التمييز والتناسب، مطالبين بوجود ضمانات فعالة تمنع تضارب المصالح.
واستندت هذه المطالب إلى المبادئ التي أكّدتها محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في حكمها المتعلق بدوري السوبر الأوروبي عام 2023، بشأن ضرورة خضوع سلطات الاتحادات الرياضية لضوابط واضحة عند تنظيم المنافسات واتخاذ القرارات التي تؤثر في الأطراف الأخرى.
وقال غونسالفيس، وفقا للتقرير، إن «فيفا» يجمع بين دور الحكم والمنظم للمنافسة، مشددا على ضرورة التأكد من عدم تغليب المصالح التجارية على مصالح الناس.
لماذا تتردد بروكسل في فتح تحقيق ضد الاتحادات الرياضية؟
لا يرتبط تأخر المفوضية الأوروبية في التعامل مع ملف «فيفا» بالشكوى وحدها، بل يعكس نهجا أكثر حذرا تجاه النزاعات المتعلقة بالاتحادات الرياضية، وفقا لمسؤولين حاليين وسابقين نقلت عنهم «بوليتيكو».
ويعود هذا الحذر جزئيا إلى الطبيعة الخاصة للرياضة في الإطار القانوني الأوروبي، إذ تعترف المعاهدات الأوروبية بدورها الاجتماعي والتعليمي، كما أن النزاعات الرياضية قد تتحول إلى ملفات سياسية حساسة تتداخل فيها مصالح الحكومات الوطنية والاتحادات الكبرى.
وأوضح مسؤول أوروبي سابق أن المفوضية تنظر تقليديا إلى الرياضة باعتبارها مجالا يختلف عن الأسواق التجارية المعتادة، فضلا عن خشيتها من الدخول في مواجهات سياسية مع الدول الأعضاء التي قد تنحاز إلى الاتحادات الرياضية.
ويعني ذلك أن المفوضية لا تتعامل بالضرورة مع كل نزاع رياضي باعتباره قضية تستوجب تدخلا مركزيا، حتى عندما تثار مخاوف تتعلق بالمنافسة أو النفوذ التجاري.
من جوجل وغازبروم إلى فيفا.. اختلاف في التعامل مع الاحتكار
وتسلط القضية الضوء على التباين بين تحركات المفوضية الأوروبية في ملفات مكافحة الاحتكار المتعلقة بقطاعات اقتصادية كبرى، وحذرها في التعامل مع الاتحادات الرياضية.
فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، فتحت بروكسل تحقيقات في ممارسات شركات كبرى، من بينها شركة الغاز الروسية «غازبروم»، وشركة التكنولوجيا الأمريكية «جوجل»، إلى جانب إجراءات تتعلق بقواعد شركة «أبل» الخاصة بمطوري التطبيقات.
لكن النهج الأوروبي تجاه الرياضة اتسم بقدر أكبر من التحفظ. ففي عام 2017، تدخلت المفوضية في قضية الاتحاد الدولي للتزلج، عندما اعترضت على قواعد كانت تهدد الرياضيين بعقوبات قاسية، بينها الحظر مدى الحياة، إذا شاركوا في منافسات غير معتمدة من الاتحاد.
وفي ذلك الوقت، أكدت مفوضة المنافسة السابقة مارجريت فيستاجر أن تدخل المفوضية لا يعني أنها تريد الفصل في كل نزاع رياضي، موضحة أن قضايا مثل عقوبات المنشطات أو تحديد مواعيد المباريات لا تندرج بالضرورة ضمن نطاق قواعد المنافسة، وأن المحاكم الوطنية وهيئات المنافسة يمكنها التعامل مع كثير من هذه النزاعات.
وأصبحت هذه المبادئ جزءا من النهج الذي تسترشد به المفوضية في تحديد القضايا الرياضية التي تستحق التدخل، خاصة مع اتساع نطاق النزاعات المتعلقة بكرة القدم والتنس والبادل والإبحار وغيرها من الرياضات.
أحكام قضائية حديثة تعقد المواجهة مع فيفا
تواجه المفوضية أيضا تحديا قانونيا يتعلق بالسوابق القضائية الحديثة، إذ إن تدخلها في ملف «فيفا» يتطلب تقييم مدى توافق القواعد محل الشكوى مع قانون المنافسة الأوروبي والأحكام القضائية ذات الصلة.
وأشار التقرير إلى صدور حكمين في يوليو بشأن قواعد «فيفا» الخاصة بوكلاء اللاعبين، اعتبرهما التقرير في صالح الاتحاد إلى حد كبير، مع تأكيد محكمة العدل الأوروبية أن الاتحادات الرياضية يمكنها فرض قيود إذا كانت تسعى إلى تحقيق أهداف مشروعة بطريقة متناسبة.
ويرى بن فان رومبوي، أستاذ قانون المنافسة في جامعة ليدن، أن الدافع لدى المفوضية لفتح قضايا جديدة ضد الاتحادات الرياضية قد يكون محدودا، خصوصا بعد اتساع نطاق التوجيهات القضائية بشأن تطبيق قواعد المنافسة على الرياضة.
وأضاف أن فعالية التقاضي أمام المحاكم الوطنية قد تقلل من حاجة المفوضية إلى التدخل المباشر، كما شكك في مدى استيفاء الشكوى الحالية لمعايير المفوضية الخاصة بتحديد أولويات التحقيق، بالنظر إلى محدودية تأثيرها المحتمل على السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي.
فيفا يرفض التعليق والمفوضية تؤكد خضوعه لقواعد المنافسة
ورفض الاتحاد الدولي لكرة القدم التعليق على شكوى رابطة الدوريات الأوروبية ورسالة أعضاء البرلمان الأوروبي.
وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية ريكاردو كاردوسو إن الهيئات الرياضية الدولية تتحمل مسؤولية أساسية عن تنظيم الأحداث العالمية، موضحا أن الرياضة تظل في الأساس مجالا تتحمل الحكومات الوطنية مسؤولية التعامل معه، بينما يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور داعم.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن المنظمات الرياضية تخضع لقواعد المنافسة الأوروبية عندما تمارس نشاطا اقتصاديا، وأن المفوضية تراقب الأسواق لرصد الانتهاكات المحتملة، وتقيّم الشكاوى وفقا للإجراءات المعتادة.
وكانت رابطة الدوريات الأوروبية قد ضغطت من أجل تحريك الملف خلال اجتماع مع مكتب تيريزا ريبيرا في أواخر أبريل، ثم عادت في رسالة أرسلتها في أكتوبر للمطالبة بفتح تحقيقات دون مزيد من التأخير.
وأكدت الرابطة عزمها على استخدام المسارات المتاحة لضمان التزام «فيفا» بقواعد المنافسة وحماية المسابقات الوطنية الأوروبية من الممارسات التي تصفها بالتعسفية.
علاقة إنفانتينو بترامب وخطط تجارية تثيران الجدل
وتأتي هذه الضغوط في وقت تصاعدت فيه الانتقادات الموجهة إلى «فيفا» خلال الاثني عشر شهرا الماضية، على خلفية العلاقة الوثيقة بين رئيس الاتحاد جياني إنفانتينو وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فضلا عن الجدل المحيط بخطة لم تنجح في نهاية المطاف لبيع أجزاء من بطولة كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص خلال صيف 2026.
واعتبر النواب الأوروبيون أن خطة البيع التجاري التي طرحها إنفانتينو كشفت، بحسب رسالتهم، عن أوجه قصور تتعلق بالشفافية والمساءلة وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة.
وبينما تتواصل المطالبات الأوروبية بالتحقيق، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت المفوضية ستتعامل مع الاتحادات الرياضية الكبرى بالصرامة نفسها التي تطبقها على الشركات العاملة في قطاعات أخرى، أم ستواصل منح الرياضة مساحة خاصة في تحديد أولويات إنفاذ قواعد المنافسة.