ليست كل الأسئلة التي تُطرح تحت قبة البرلمان أسئلة تكون عن إجراء حكومي أو قرار بعينه، فبعضها يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.. وهذا النوع من الأسئلة، كان على طاولة أول جلسة مجلس الشيوخ التي عقدت اليوم برئاسة المستشار عصام الدين فريد رئيس المجلس، لمناقشة طلبي مناقشة عامة بشأن دور بنك الاستثمار القومي وإدارة أصول الدولة، وطبيعة الشراكة مع القطاع الخاص، ومدى قدرة السياسات الاستثمارية على دعم الإنتاج وتوفير فرص العمل، خاصة في المحافظات التي تحتاج إلى فرص تنموية تتناسب مع إمكاناتها واحتياجاتها..
وضمن مناقشات طلبي مناقشة عامة من النائبين أحمد عبد اللاه، وعمرو أبو العيون، وفي حضور د. أحمد رستم وزير التخطيط، جاءت مداخلات النواب طارق عبد العزيز، وإيهاب وهبة، وحسام الخولي، لتطرح زوايا مختلفة لقضية واحدة، فبينما ركز الأول على قدرة البنك على إدارة الأصول التي آلت إليه من تسويات المديونيات، طالب الثاني بخطة واضحة لتحديث البنك ومعايير محددة للشراكة مع القطاع الخاص وقياس النتائج، فيما دعا الثالث إلى التعامل مع ملفات الاستثمار والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتنمية الصناعية باعتبارها أجزاء مترابطة من خطة اقتصادية واحدة.
النظر إلى ملفات بنك الاستثمار القومي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة
هذه الأسئلة تعلقت بوزارة التخطيط - التي وصفها النائب حسام الخولي رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس الشيوخ، بأنها «عقل الحكومة»، باعتبارها الجهة المعنية بربط احتياجات القطاعات المختلفة في إطار خطة واحدة، وتحديد الأولويات التي تتحرك الدولة على أساسها، فيما يخص دور بنك الاستثمار القومي، معتبرا أن التخطيط لا يتوقف عند توزيع الاستثمارات أو وضع المستهدفات، وإنما يمتد إلى تحديد ما تحتاجه الدولة، وكيف يمكن توظيف مواردها لتحقيق أكبر عائد اقتصادي واجتماعي ممكن.
النائب حسام الخولي، قدم زاوية أكثر اتساعًا، داعيًا إلى النظر إلى ملفات بنك الاستثمار القومي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتنمية في المحافظات باعتبارها أجزاء مترابطة، لا ملفات منفصلة يمكن التعامل مع كل منها بمعزل عن الآخر.
تبدأ بدراسة طبيعة المحافظة وما تتميز به من مقومات اقتصادية
وأكد الخولي، أن إقامة مشروع في محافظة مثل سوهاج لا ينبغي أن تقوم على مجرد الرغبة في توفير فرص عمل، وإنما يجب أن تبدأ بدراسة طبيعة المحافظة وما تتميز به من مقومات اقتصادية، وتحديد الأنشطة التي يمكن أن تنجح فيها وتحقق قيمة مضافة.
وشدد على ضرورة ربط المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالمصانع الكبرى، بحيث تتمكن المشروعات الأصغر من توفير المكونات ومستلزمات الإنتاج التي تحتاج إليها الصناعات الكبيرة، بما يضمن وجود دورة إنتاج متكاملة، بدلًا من إقامة مشروعات تعمل بمعزل عن الأسواق والأنشطة الصناعية المحيطة بها.
وفي تقييمه لسياسات دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أشار "الخولي" إلى أهمية مراجعة ما تحقق بعد التوسع في التسهيلات المقدمة لهذه المشروعات، وعدم الاكتفاء برصد عدد الشركات التي تأسست، وإنما النظر إلى طبيعة أنشطتها وما إذا كانت قد اتجهت إلى الصناعة والإنتاج أم تركزت في أنشطة تجارية أسهل في التأسيس.
وقال النائب حسام الخولي، إن الدولة تحتاج إلى تحديد أولوياتها بوضوح، مشيرًا إلى أن إنشاء مصنع صغير قد يكون أكثر صعوبة من إقامة نشاط تجاري بسيط، وهو ما يستدعي أن تنعكس الأولويات الصناعية على السياسات والتسهيلات التي تقدمها الدولة.
أصول بمليارات الجنيهات.. هل تملك الدولة أدوات إدارتها؟
طرح النائب طارق عبد العزيز رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، تساؤلًا مباشرًا بشأن مدى جاهزية بنك الاستثمار القومي لإدارة الأصول التي آلت إليه، مشيرًا إلى أن البنك حصل، بحسب ما ذكره خلال المناقشة، على أصول عينية وتسويات عينية بقيمة 400 مليار جنيه خلال عام 2026.
وأكد عبد العزيز أهمية تقييم تجربة البنك منذ إنشائه، والوقوف على السلبيات التي شهدتها آليات الإدارة والتمويل والمنح، إلى جانب مراجعة الاتفاقيات والتسويات التي حصل البنك بموجبها على أصول من عدد من الهيئات والمؤسسات العامة.
وتوقف عبد العزيز عند السؤال الأهم في رأيه: هل يمتلك البنك حاليًا إدارة قادرة على استثمار هذه الأصول والترويج لها وتعظيم عائدها، أم أن الأمر قد يقتصر على تحصيل الأصول وتسويتها دون الاستفادة منها بالشكل الأمثل؟
إيهاب وهبة: أين خطة تحديث البنك.. وكيف ستُختار الأصول المطروحة للشراكة؟
من جانبه، ركز النائب إيهاب وهبة عضو مجلس الشيوخ، على ضرورة وجود خطة محددة لتحديث بنك الاستثمار القومي، تتضمن إطارًا زمنيًا واضحًا للتنفيذ، وتساؤلات بشأن حجم الأصول التي يديرها البنك، والمستهدف من إعادة استخدامها أو إعادة تمويلها أو الدخول في شراكات بشأنها مع القطاع الخاص.
وتساءل وهبة عن المعايير التي ستُحدد على أساسها الأصول التي تدخل في هذه الشراكات، وما إذا كانت الشراكة ستعني نقل الأصول، أم ستقوم على دراسات جدوى واضحة والتزامات تنفيذية يمكن متابعتها.
واستحضر النائب حساسية ملف الخصخصة في مصر، مؤكدًا أهمية أن تقوم الشراكات الجديدة على أسس واضحة تضمن دراسة الجدوى ومتابعة التنفيذ، بما يحول دون تكرار مشكلات ارتبطت بتجارب سابقة.
كما امتدت أسئلة "وهبة" إلى آليات تمويل الشركات الناشئة التي لا تمتلك ضمانات تقليدية، وطريقة توزيع الاستثمارات بين المحافظات، وما إذا كان التوزيع سيستند إلى الاحتياجات الفعلية أم إلى حجم الإنفاق، وطالب في ختام مداخلته بخطة زمنية تتيح لمجلس الشيوخ متابعة ما جرى تطويره، والنتائج التي تحققت، ومدى انعكاس الاستثمارات على التشغيل والناتج المحلي.
مصير المديونيات.. وزير التخطيط يرد على تساؤلات نواب "الشيوخ"
الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، سرد خلال كلمته بالجلسة العامة، تفريقا بين أدوار بنك الاستثمار القومي، مشيراً إلى أن الدور الأساسي للبنك منذ تأسيسه عام 1980 يرتكز على حوكمة الاستثمارات العامة وتوجيه الموارد المالية المدرجة بالباب السادس نحو مشروعات التنمية، مضيفا أن البنك يمتلك البنية المعلوماتية الكاملة لمتابعة وتقييم تنفيذ المشروعات بفاعلية، سواء الممولة ذاتياً من الهيئات الحكومية أو بالتنسيق بين وزارتي التخطيط والمالية.
وأوضح "رستم"، أنه تم الانتهاء من فض نحو 95% من التشابكات المالية المتعلقة بمبلغ 400 مليار جنيه في إطار خطة إعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي، مشيرا في كلمته أمام مجلس النواب، إلى استمرار العمل على تسوية النسبة المتبقية، بالتوازي مع إعداد استراتيجية متكاملة لتعظيم الاستفادة من أصول البنك وتحويله إلى مؤسسة تنموية أكثر فاعلية.
وأشار إلى أن الحكومة أحرزت تقدمًا في تسوية المديونيات المتعثرة المستحقة لبنك الاستثمار القومي، عبر التوصل إلى تسويات مع عدد من الجهات، من بينها هيئة المجتمعات العمرانية، وهيئة النقل العام، والهيئة الزراعية، ومحافظة الوادي الجديد، في خطوة تستهدف تهيئة البنك لإعادة الهيكلة وتعزيز قدرته على القيام بدور تنموي أكثر فاعلية خلال الفترة المقبلة.
وفيما يخص الأصول العقارية، أوضح "رستم" أن أعمال الحصر تمتد إلى أراضٍ موزعة على عدد من المحافظات، تشمل القاهرة والجيزة وكفر الشيخ وقنا والفيوم والسويس والإسماعيلية، بهدف الوقوف على قيمتها الحقيقية وتقييم مدى ملاءمتها لإقامة مناطق صناعية أو استثمارية، لا سيما في المناطق القريبة من الكتل العمرانية بصعيد مصر.
وأضاف أن الحكومة تعمل على إعداد مركز مالي يعكس بصورة دقيقة الوضع الفعلي للبنك، من خلال حصر الأراضي وتقييم أصولها، على أن تخضع القوائم المالية للمراجعة من جانب الجهاز المركزي للمحاسبات ومكاتب مراجعة الحسابات المعتمدة لدى البنك المركزي، بما يضمن دقة البيانات المالية، ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة بشأن مستقبل البنك وتوجهاته الاستثمارية.
توضيح من وزير التخطيط: نتعلم من أخطاء الماضي والبنك لم ينحرف عن دوره
وزير التخطيط، أوضح أيضا أن الحكومة تواصل البحث عن حلول للتعامل مع كافة الملفات المتربطة بعمل بنك الاستثمار القومي، بمختلف الآليات الممكنة، مشيرا إلى أن د. مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء يتابع الملف باعتباره الجهة المعنية بالنظر في هذه التشابكات وتسويتها.
وأكد "رستم" أن الحكومة تستفيد من دروس التجارب السابقة، وتعمل على معالجة أوجه القصور بما يضمن عدم تكرار الأخطاء، وتحقيق أفضل استفادة من موارد البنك وأصوله، قائلا "نحن نتعلم من أخطاء الماضي"، وأشار وزير التخطيط، إلى أن بنك الاستثمار القومي لم ينحرف عن دوره الأساسي، موضحا أن توقفه عن التمويل كان إجراء مؤقتا، في إطار التعامل مع أوضاعه المالية وإعادة هيكلته، تمهيدا لاستعادة دوره التنموي وفق أسس أكثر كفاءة واستدامة.
تعديل قانون بنك الاستثمار القومي وإعادة هيكلته
وأعلن الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط، أن الوزارة تعمل على إعادة تنظيم بنك الاستثمار القومي وتطوير آليات إدارته، مستهدفة الانتهاء من خطة إعادة الهيكلة وتحديث منظومة الحوكمة بنهاية العام المالي الحالي، بما يساعد البنك على تجاوز التحديات السابقة واستعادة دوره في تمويل المشروعات التنموي.
وأضاف "رستم" أن الحكومة تعمل على دراسة تعديل قانون بنك الاستثمار القومي، بما يتيح تطوير دوره وتحويله إلى بنك تنموي، حال إقرار التعديلات التشريعية اللازمة، لافتا إلى وجود نماذج وأطر دولية يمكن الاستفادة منها في تنظيم عمل المؤسسات التمويلية والتنموية، ليكون بنك تنمويا.