هل تخيلت يوماً أن يتحول الخوف من الأمراض الغامضة إلى تجارة مرعبة تقودها السلطات الرسمية والصحافة المطبوعة ؟ في القرن الثامن عشر، اجتاحت أوروبا هستيريا جماعية عُرفت باسم "أوبئة مصاصي الدماء"، حيث تداولت الألسن والكتب روايات تقشعر لها الأبدان عن قرويين ينبشون القبور لشرب دماء الموتى مخلوطة بالمشروبات الكحولية، أو يتناولون أعضاءهم لحماية أنفسهم من اللعنة المزعومة.
ووفقا لما نشره موقع " livescience" ، يزيح المؤرخ البروفيسور جون بلير الستار عن الحقيقة الصادمة في كتابه الصادر عن دار نشر جامعة برينستون بعنوان "قتل الموتى: أوبئة مصاصي الدماء من بلاد ما بين النهرين إلى العالم الجديد"، حيث يكشف في دراسته أن هذه الممارسات المقززة لم تكن تعبيراً عن معتقدات شعبية أصيلة، بل كانت نتاجاً للترهيب القضائي والإثارة الصحفية.
"قتل الجثث".. آلية مجتمعية لإنقاذ الأحياء
يطرح البروفيسور بلير أطروحة سيكولوجية مثيرة، إذ يرى أن نبش القبور وتشويه الموتى كان يمثل صمام أمان أو آلية دفاع نفسية وعلاجية جماعية تلجأ إليها المجتمعات القديمة عند تفشي الأوبئة الفتاكة كالسُل أو الطاعون.
ويؤكد بلير أن قيام المجتمع بقطع رؤوس الجثث ونبش القبور كان أفضل بكثير من منظورهم من توجيه أصابع الاتهام للأحياء أو حرق النساء بتهمة السحر، فقد كان الموتى هم الضحية المثالية لتفريغ ذعر الأحياء دون إراقة دماء جديدة داخل المجتمع.
الروايات التاريخية
أثارت الروايات التاريخية حول خلط دماء الموتى بالمشروبات الكحولية أو صناعة كعك الدم رعباً طويلاً، لكن بحث بلير يثبت أن هذه التقاليع صُنعت داخل غرف التحقيق والمطابع الأوروبية.
ويكشف الكتاب أن المحققين والقضاة كانوا يستجوبون القرويين تحت التهديد والترهيب، ويجبرونهم على الاعتراف بتبني ممارسات مرعبة لم يفعلوها في الحقيقة، تماماً كما كان يحدث في محاكمات الساحرات .
وبالتوازي مع هذا الضغط، استغلت الصحف البريطانية والأوروبية الناشئة آنذاك أخبار نبش القبور في صربيا وأوروبا الشرقية، وقامت بتضخيمها وصياغتها بأسلوب مثير لزيادة المبيعات وجذب القراء، في حين أثبت البحث التاريخي أن بعض التقارير الشهيرة التي بنى عليها الأدب الفيكتوري قصصه لم تكن سوى سرقات أدبية مبنية على نظريات طبية بالية قديمة وليس لها أصل فلكلوري حقيقي.
الموتى القلقين
لا يقف كتاب جون بلير عند الصورة النمطية المعاصرة لمصاص الدماء، بل يعود بالجذور لتصنيف الكيانات التي أثارت رعب البشرية تاريخياً تحت مسمى "الموتى القلقين".
ومن بين هذه الأصناف ما عُرف بمضغي الأكفان، وهي جثث كان يُعتقد أنها تلتهم أكفانها داخل القبر وتتسبب في نشر الطاعون، بالإضافة إلى ممتصي الدماء أو الجثث المنفخة التي تظهر متضخمة بالدم نتيجة غازات التحلل الطبيعي، مما جعل القدامى يظنون واهمين أنها تتغذى على دماء أقاربها الأحياء.
كما شملت التصنيفات خناقي الليل، وهو المفهوم الشعبي القديم الذي استخدمه البشر عبر العصور لتفسير ظاهرة شلل النوم أو الجاثوم.
من إنجلترا إلى أمريكا
يثبت التقرير أن هستيريا مصاصي الدماء ليست حكراً على ترانسيلفانيا أو أوروبا الشرقية، بل رصد بلير تفشيها في بقاع مختلفة من العالم عبر العصور.
فقد مارست المجتمعات في بريطانيا خلال العصور الوسطى نبش القبور وتشوية الجثث لتهدئة روع الناس قبل قرون من بزوغ الأسطورة في الشرق.
وامتدت الظاهرة حتى نيو إنجلاند بأمريكا في القرن التاسع عشر، حيث قام الأهالي أثناء تفشي وباء السل بنبش جثث موتاهم وحرق قلوبهم وأكبادهم لاعتقادهم أن المتوفى يمتص طاقة الأحياء من داخل قبره، فضلاً عن وجود روابط وثيقة بين هذه الظاهرة وأساطير أخرى كشياطين الطيران الإناث في جنوب شرق آسيا وطقوس الفودو في هايتي.
كتاب المؤرخ جون بلير
يضعنا كتاب جون بلير أمام حقيقة تاريخية صارخة، وهي أن مصاص الدماء لم يكن وحشاً حقيقياً يخرج من قبره، بل كان مرآة سيكولوجية تعكس أعمق مخاوف البشر وسوء فهمهم الطبي Killing the Dead.
ويوضح التقرير بوضوح كيف يمكن لتحالف الجهل، والترهيب السلطوي، والإثارة الإعلامية أن يخلقوا من جثث الموتى تجارة رعب وهمية عاشت لقرون طوال في وجدان البشرية.

كتاب المؤرج جون بلير