حسين السيد يكتب: العَلْمانية أم العِلْمانية كما يراها الدكتور زكى نجيب محمود

الأحد، 25 أكتوبر 2026 04:30 م
حسين السيد يكتب: العَلْمانية أم العِلْمانية كما يراها الدكتور زكى نجيب محمود زكى نجيب محمود

لا شك أن لهذه الكلمة معنى سيئا عند كثير من الناس، وتثير الريبة فى قلوبهم، لأنها تعنى ضمن ما تعنى "فصل الدين عن الدولة"، ومؤيدوها يرون أنها تستند إلى العِلْم، لهذا لابد من الرجوع إليها واتخاذها نبراسا وسبيلا كمنهج حياة إن أردنا حياة أفضل من بؤسنا وشقائنا، شأننا فى هذا شأن الغرب المتقدم.

ولكن العَلمانية لا تنتسب إلى العِلْم بكسر اللام، وإنما هى مأخوذة من "العَلْم" بفتح اللام التى تعنى العالم، والمراد بها الإقبال على العالم وعدم إهماله، والاحتفال بالدنيا، ولهذا فإن الدكتور زكى نجيب محمود يرى أن الصواب فى الكلمة أن  نقول: "العَلْمانية" بفتح اللام لأنها من العَلْم.

ويرى الدكتور زكى نجيب محمود أن "العَلْمانية" بفتح اللام لا وجود لها فى اللغة العربية قبل عصرنا الحديث، لكنها كلمة ترجمنا بها كلمة مقابلة لها فى اللغات الأوروبية، والكلمة عندهم لها أهمية وتاريخ، أما عندنا فليس لها عندنا تاريخ، وهى تتلخص فى سلطة رجال الدين على الناس، وكذلك تتمثل فى حياة الرهبان، من حيث الزهد فى الدنيا لا الإقبال عليها وهو ما ينبغى للإنسان الكامل أن يهتدى به، كذلك الغض من الدنيا وازدرائها، ونتيجة هذا الغض عدم الاهتمام بالعالم، الأمر الذى جعل الأوروبيين ينفرون من هذا الوضع الكاره للحياة المحب للآخرة، ومحاولة التطلع إلى الحياة المشرقة.

أما عندنا فى الإسلام كما يقول الدكتور زكى نجيب محمود وكما يقول الدين، فبعيد تماما عن هذه النظرة التشاؤمية للحياة، بل نحن نُعلِى من قيمة الحياة، ولنا فى الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فهو القائل للذين فضلوا الزهد فى الحياة من عدم الإفطار وكثرة الصلاة وعدم الزواج: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى"، وقوله تعالى: "قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وقول الرسول: "إذا قامت الساعةُ وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها"..

إذن الإسلام ليست فيه رهبانية، وإنما عمل وحب للحياة والأخذ بنصيب وافر منها، مع عدم إغفال الآخرة، فهى الأبقى وهى خير من الأولى، أما إذا كان فقر وجهل وضعف ومرض، حتى تمكن منا الطغاة واستولوا على مقاليدنا، فليس هذا نابعا من عقيدتنا، والأوْلى لنا أن نقاوم ونقتلع هذه الأسباب التى منعتنا عن التقدم والازدهار، كما يقول الدكتور زكى نجيب محمود.

يرى الدكتور زكى أن العَلْمانية كانت جزءا من حياتنا، ومقوما جوهريا من مقومات تاريخنا فى فترات عزه ومجده، كما كان فى عصر الرشيد والمأمون الذى نشطت فيه الحياة الدنيا بقوة نبضها، والتى هى فى الوقت نفسه الزهرة الحضارية والثقافية التى نشير إليها حين نريد أن نقول للناس: انظروا كيف ازدهرنا".

وإذا اعترض أحد على كلمة "العَلمانية"، لأن من يدعون إليها فى دواخلهم غلٌّ يخفونه وراء ستارها، فإن الدكتور زكى يدعونا إلى محاربتهم فى أشخاصهم، وتفنيد ما يرمون إليه، لأنهم ليسوا أصحاب مبادئ وإنما هم دجالون أفاقون، ليس عندهم علم يسعون إلى تطبيقه، وإنما يحملون فكرا متطرفا، وينفذون ما يُملى عليهم، فهؤلاء لابد من محاربتهم، لا أن نحارب الدعوة إلى الاهتمام بالعالم، لأن العالم هو مسرح العمل والنشاط وموطن الحضارات، وإلا فأين تريدوننا أن نقيم للحضارات على أرضنا قائمة؟ كما يذكر الدكتور زكى نجيب محمود.

أما "العِلْمانية" بكسر العين فإنها إشارة إلى "العِلْم"، وإلى الحياة التى تقيمها العلوم، ويستنكر الدكتور زكى رفضنا إياها، فيقول مستهجنا: هل يرضيكم أن نزرع أرضنا بغير علم، وأن ندير مصانعنا بغير علم، وأن ننشئ مدارسنا وجامعاتنا لغير العلم، وأن نعد عدتنا العسكرية بغير علم؟ هل يرضيكم أن نمحو أسماء العلماء من تاريخنا، فلا يكون بعد اليوم جابر بن حيان ولا الخوارزمى ولا ابن الهيثم ولا ابن النفيس.

مرة أخرى، هناك اعتراضات على "العِلْمانية"، نظرا لأن دعاتها أمثال "خالد منتصر"  نياتهم ليست طيبة، بل قل إنها خبيثة، فهم لا يدعون إلى استخدام العلم لأجل العلم، وإنما يريدون إقصاء الدين من حياتنا، وينقبون ويفتشون لإيجاد أى تعارض بين الدين والعلم، وهؤلاء هم الذين نحمل عليهم ونهاجمهم، فدعواهم ليست أصيلة، وهذا ما أراده منا الدكتور زكى نجيب محمود، ألَّا نهاجم العلم وإنما نهاجم الأشخاص ذوى القلوب المريضة فيقول: مرة ثانية أقول إننى لا أبالى أن يكون فى صدور الدعاة إلى العلمانية بكسر عينها، شر مكتوم يريدون به حياتنا الدينية، على افتراض جاهل منهم بأنه إذا كان علم فلا دين! وهنا يوضح الدكتور زكى بأنه لا تعارض بين العلم والدين، فيقول: لعب الشيطان بعقولهم فأوهمهم أن لا مصالحة بين علم ودين، فإذا قام أحدهما غاب الآخر، ذهبت عن الناس هذه الغفوة لأن الإنسان إنسان بدينه وبعلمه معا، وارجع إلى كتاب الله الكريم وإلى حديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.. لترى هذا. وينبهنا الدكتور زكى إلى أنه لا وجود فى لغتنا – قديمها وحديثها معا- لهذه الكلمة، فدورانها على الأقلام –إذن- هو وهمٌ يضاف إلى وهم، ليكتنف حياتنا وهمٌ مركب".

زكى نجيب محمود
زكى نجيب محمود

ليست العِلمانية ضد التراث، ولا تتعارض معه، وخلاصة ذلك أن أسلافنا حاولوا التوفيق بين العقل – وهو ما ورد فى الفلسفة اليونانية- وبين النقل وهو التراث أو الشريعة إن شئت الدقة، وعليه فإن الباحث المنصف هو الذى ينظر فى موروثنا نظرة الدارس الفاحص، وأن ننظر فيما عند الثقافات الأخرى نظرة الدارس الفاحص، لنرى كيف يكون التوفيق بين الطرفين، إذا كان ممكنا وحيثما وجدناه ممكنا"، كما يذكر الدكتور زكى نجيب محمود، كما يقول: إذا أردنا أن ننتهج نهج أسلافنا، فعلينا أن نلتمس صيغة ثقافية جديدة، نجمع فيها رحيقا إلى رحيق فى إناء واحد"، وإذا كان هذا الجمع بين الرحيقين، هو نفسه ما يطلقون عليه اسم "العلمانية" بعين مفتوحة، فأهلا بها، وإذا كان هو ما يسمونه بهذا الاسم بعين مكسورة، فمرحبا بها، إن الأسماء لا تسكنها العفاريت فأخشاها".

إذن العلمانية تعنى هضم التراث وفحصه جيدا للبناء عليه، ولا تنفيه أو تسعى لمحوه، كما أنها لا تعنى الأخذ عن الحضارات الحديثة أخذا مباشرا دون قيود، أو ابتلاع كل ما ينتجه الغرب دون إعمال العقل، والصواب فى المنهجين، هو الفحص والتأمل فيما هو متاح لك، فلن نرفض القديم لأنه قديم، كما لن نقبل بالجديد لأنه مجرد جديد، فهذه النظرة ليس فيها عدل، وخير من يمثل ذلك من وجهة نظر الدكتور زكى نجيب محمود هو الدكتور طه حسين، فهو ملم بالتراث إلماما لا يضاهيه أحد فى ذلك، أما روح العصر فظاهر فى منهجه وفى رؤيته وتصوره، وساق مثلا آخر للجمع بين التراث وعلوم العصر وهو الشيخ مصطفى عبد الرازق.

هذه هى "العلمانية" - سواء بفتح العين أو كسرها - التى كان يرحب بها الدكتور زكى، وهى التى يريدنا أن نطبقها وأن تكون منهجا لحياتنا، وخاصة إذا كانت لا تعنى فصل الدين عن الدولة كما يحلو للبعض الدعوة إلى هذا الفكر والترويج له، فمن يدعو إلى هذا فإما أن يكون مأجورا وإما أن يكون جاهلا، وذلك "لأن الإنسان إنسان بعلمه ودينه معا"، كذلك لا تقوم على هدم التراث، بل الجمع بينه وبين الجديد المفيد لنا، ونحن لم نعرف هذه الكلمة قديما، وإنما هى ترجمة معاصرة للكلمة الأوروبية، فلو كانت بفتح العين "العَلْمانية" فهى من العالم وهى دعوة إلى الاهتمام بعالمنا الذى نعيش فيه، وهو ما كان فى عصر الرشيد والمأمون وغيره من عصور الإسلام الزاهرة، وهى المقابل لحياة الرهبان الذين تركوا الحياة الدنيا وزهدوا فيها، وكما نعلم فإنه لا رهبانية فى الإسلام، إذن العَلْمانية بهذا المعنى معروفة فى الإسلام، والإسلام يحث عليها، من السعى فى الحياة والكد فيها وعدم الخمول والركون.. أما إذا كانت بكسر العين "العِلْمانية" فإنها مأخوذة من العلم، ومنّْ منَّا لا يحب العلم، وهو السبيل للنهوض بالأمم، وحياتنا كلها لا تقوم إلا على العلم، أو لسنا نفتخر بعلمائنا القدامى أمثال: الخوارزمى، ابن النفيس، ابن الهيثم، الرازى، البيرونى.. والإسلام يدعونا إلى طلب العلم والشواهد على ذلك كثيرة.. هذا ما كان يطالب به الدكتور زكى نجيب محمود، الاهتمام بالعالم أو الدعوة إلى استخدام العلم.

لا يهم الاسم، هل هى علمانية بفتح اللام أو كسرها، كل هذا لا يهم، ولأننا لم نعرف هذا المصطلح إلا قريبا، لكن معناه كان معلوما عند العرب المسلمين، عندما أقاموا حضارة استمرت عدة قرون، كان قوامها العلم، وكانوا مقبلين على الحياة، رغم أن هدفهم الأسمى مراعاة الآخرة، فالإسلام دين لا يحث على الكسل أو الزهد، فيقول تعالى بعد قضاء الصلاة: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله"، وقال تعالى: "هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه"، وقيل فى معنى "مناكبها": فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا فى أقاليمها وأرجائها فى أنواع المكاسب والتجارات، ثم يأتى أحد من الذين يدعون العلم والمعرفة، ليأمرنا بتطبيق العلم، وهذا هو الجهل بعينه، لأنه لا يوجد دين أمر أتباعه بطلب العلم والترغيب فيه كما فعل الدين.

حسين السيد
حسين السيد



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة