بين أروقة "قمة مستقبل الصحة بأبوظبي 2026"، التي تركز بشكل خاص على الدور الذي تلعبه الخوارزميات والتكنولوجيا والشيفرات الجينية في مستقبل الصحة، كان هناك هاجس إنساني يفرض نفسه وسط التطور التقني المتسارع: هل سنسلم أجسادنا ومستقبلنا الصحي للآلات؟ وإذا نجحت التكنولوجيا الطبية في تحقيق شعار القمة وهو "التنبؤ" بالمرض واستشعاره قبل حدوثه، فهل يتعارض ذلك مع مصير المؤسسات الطبية والدوائية؟
لم يكتفِ "اليوم السابع" بمتابعة فعاليات القمة التي جمعت نحو 16 ألف مشارك من 100 دولة حول العالم، بل استغل هذا التجمع الاستثنائي لخبراء الرعاية الصحية، والباحثين، ومسؤولي كبرى شركات الدواء، ليحمل هذه التساؤلات المشروعة ويطرحها مباشرة على طاولة المتخصصين. بحثنا بين الأطباء المتمرسين والطالبات اللواتي يوشكن على التخرج عن إجابات حقيقية من قلب الميدان؛ لنكتشف كيف يُعاد تشكيل خارطة الطب، وأين يقف الإنسان بلمسته العاطفية في مواجهة صرامة التقنية.

الطريق إلى مستقبل الصحة
الـAi مساعد للطبيب وليس بديلا
يحدد الدكتور محمد فيتيان، المدير الطبي لمجموعة برجيل القابضة واستشاري الطب الباطني وأمراض السمنة، موقع الذكاء الاصطناعي بوضوح تام قائلاً: "نستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، ولا ينبغي أن يكون بديلاً في أي يوم". ويشبه التقنية بالحاسوب الذي "يجمع المعلومات ويُعد التقرير ويختصر وقتي، لأقضي وقتاً أكثر مع المريض، لكن القرار النهائي يجب أن يكون للطبيب المختص".
ويشرح استشاري الطب الباطني كيف يتحقق ذلك عمليا؛ فمن التاريخ المرضي للعائلة إلى فحوص الدم والفحوص الجينية، يستطيع الذكاء الاصطناعي جمع هذه المعطيات في تقرير واحد يعرضه على الطبيب. وفي غرفة الفحص، يستمع جهاز مدعوم بما يسمى "الذكاء الاصطناعي المحيط" إلى حديث الطبيب والمريض ويسجله، فلا ينشغل الطبيب بالكتابة والطباعة.

دكتور محمد فيتيان مع محررة اليوم السابع
ولا تدخل المعلومات إلى سجل المريض إلا بعد أن يراجعها الطبيب ويتأكد منها، وهي خطوة يسميها استشاري الطب الباطني "التحقق السريري"، أي ألا تُعتمد أي مخرجات قبل التأكد من صحتها. وينطبق المبدأ نفسه على الأشعة والمختبر، حيث تشير الأداة إلى ما وجدته، وعلى الطبيب أن يراجع التقرير بنفسه، محذراً من ترك الذكاء الاصطناعي يضع الخطة العلاجية كاملة دون استشارة المختص.
وتعكس مخرجات القمة الاتجاه نفسه، إذ أطلقت شركة رائدة للرعاية الصحية بالإمارات منصة "Ossi" التي تضم وكلاء ذكاء اصطناعي لتوثيق المحادثات واسترجاع السجلات واقتراح الترميز، وبدأ تشغيلها بالفعل في سبعة مرافق. كما عقدت إحدى المستشفيات الرائدة اتفاقًا على تطبيق التوثيق السريري المحيط لدى أكثر من 60 طبيباً، مع تحسين التوثيق باللغة العربية.
والفكرة الجوهرية في الحالتين هي أن يعود الطبيب إلى مريضه بدلاً من التحديق في شاشته. وفي الاتجاه ذاته، توضح فاطمة عبدو، قائد مختبر زراعة النخاع والمعالجة الخلوية في مركز أبوظبي للخلايا الجذعية، أن المركز يحاول ربط كل ما فيه بالذكاء الاصطناعي "بما لا يتعارض مع خصوصية المرضى"، ومن أمثلة ذلك توفير مساعد رقمي افتراضي يجيب الزوار عن أسئلتهم حين لا يتوفر الموظفون، وتطبيقات للهاتف المحمول تقرب المركز من مراجعيه.
تخصصات تتغير وأخرى تولد
لا تتجاهل الدكتورة تهاني القادري، نائب الرئيس المشارك لأكاديمية برجيل للتدريب، القلق المشروع في الأوساط الطبية، وتقول إن القطاع يواجه تساؤلات حول "هل يستمر الطبيب أم تحل الآلة محله، وهل أذهب إلى الطبيب أم أسلّم فحوصاتي للذكاء الاصطناعي ليعطيني الحلول". وتجيب بوضوح: "هناك تخصصات ستختفي وأخرى ستُستحدث"، مشيرة إلى إحصاءات ودراسات تتوقع زوال نحو 40% من الوظائف الحالية، مع إمكان ظهور آلاف الوظائف الجديدة بفعل الذكاء الاصطناعي.

دكتورة تهاني القادري مع محررة اليوم السابع
وهي صريحة في أن بعض المهام ستنتقل إلى الآلة، موضحة أنه في مجالات مثل الأشعة "ستتولى الآلة القراءة لأنها تقرأ الصورة أفضل من الإنسان"، وأن أخصائيي علم الأنسجة يواجهون اليوم آلة تعلمت من عشرات آلاف العينات. لكنها تقدم هذا التحول بوصفه إعادة تشكيل لدور الإنسان لا إلغاءً له، وتوجه رسالتها إلى الأطباء الشباب: "التكنولوجيا هنا لتساعدك لا لتأخذ وظيفتك". وتضيف أن تدريب الأجيال القادمة يجب أن يتغير، مبينة: "لا يكفي أن تحفظ المعلومات، فهي في هاتفك، لكن هل أنت واثق أن تقف أمام المريض وتعطيه العلاج؟".
وتلفت إلى أن المريض اليوم مثقف ويمكنه أن يحاور طبيبه بمعلوماته، وهذا يرفع المطلوب من الطبيب إنسانياً ومعرفياً. وبحسب القادري، فإن دور الأكاديمية هو تدريب الكوادر الطبية والتمريضية على كل تقنية جديدة تدخل المستشفى، بدءاً من المنصات الرقمية وصولاً إلى أجهزة الجراحة الروبوتية.
القبالة: مهنة لا تستطيع الخوارزمية القيام بها
ولعل أوضح نموذج لما لا تستطيع التقنية استبداله جاء من طالبتين في تخصص القبالة بكلية فاطمة للرعاية الصحية، هما نوف علي وشوق عبد الرحمن. تقول الطالبتان إن هذا التخصص الأكاديمي حديث نسبياً، وإن كثيرين لم يكونوا يعرفونه قبل دخولهم الكلية، وما جذبهما إليه هو تركيزه المباشر على المرأة والأم والطفل. وتشرح الطالبتان أن القابلة ترافق المرأة منذ معرفتها بالحمل وتقدم لها التثقيف، وتساعدها على وضع خطة للولادة وفق رغبتها.

طالبتان بكلية فاطمة للرعاية الصحية
وتبقى معها أثناء الولادة، ثم تتابعها بعدها في رعاية الجرح والنزف والرضاعة وفي فترة الأربعين يوماً، مع الاهتمام بحالتها النفسية. وتقولان إن القابلة "تكون مع المرأة في كل المراحل"، وتبني معها علاقة منذ البداية فتشعرها بالراحة والألفة.
وتحرصان على التفريق الدقيق بين القابلة والممرضة؛ فالقابلة تتعلم الجانب الطبي، من التعامل مع المعدات إلى العمل مع الأطباء، لكنها تتعلم أيضاً ما يُسمى بالرعاية الشمولية التي تنظر إلى الجسد والنفس معاً، لتقدم رعاية فردية لحالة محددة تعرف أدق تفاصيلها. وتضيفان أن الأبحاث تشير إلى أن القابلات يقللن خطر التدخلات الطبية غير الضرورية، ويسهمن في خفض وفيات الأمهات.

الطالبة نوف علي
وعن مستقبل هذا التخصص في زمن الذكاء الاصطناعي، تقول إحداهما: "التكنولوجيا تساعدنا، لكن يستحيل أن تلغي وظيفتنا. يستحيل أن تمنح الألفة والدعم العاطفي الذي نمنحه نحن البشر"، وترى أن التخصص مرشح للنمو بقوة. وتتوقع الأخرى أن تُفتح عيادات متخصصة للقبالة تتابع فيها الحوامل ومن يخططن للحمل. وتصف إحداهما أحد مخاوف النساء الشائعة والمتمثل في الخوف المرضي من الولادة، موضحة أن أصعب ما فيه أنه يتغذى على قصص تتناقلها النساء رغم أن "كل امرأة لها تجربتها"، وهنا يكون حضور القابلة وطمأنتها أبلغ وأعمق من أي تقنية.
هذا الحديث يتقاطع تماماً مع مخرجات القمة، حيث رصدت الورقة البيضاء عن الخصوبة ارتفاع نسبة نجاح الإخصاب خارج الجسم إلى 59%، وتناولت معيار رعاية ما قبل الحمل؛ فكلما تقدمت التقنية في الإنجاب، ازدادت الحاجة الماسة إلى من يرافق المرأة بإنسانية قبل الحمل وأثناءه وبعده.
الوقاية بدل العلاج.. ولماذا لا تخاف شركات الدواء منها؟
يبقى سؤال يطرحه كثيرون: هل تتحمس شركات الدواء حقاً لمستقبل يمنع المرض أصلاً؟ يجيب الدكتور تامر عباس، المدير الإقليمي للشرق الأوسط للمجلس الأسترالي لمعايير الرعاية الصحية الدولية، بأن "معظم الأبحاث في شركات الأدوية متجهة نحو الدواء الاستباقي، أي البحث عن الحل قبل ظهور المشكلة".

الدكتور تامر عباس مع محررة اليوم السابع
ويؤكد أن الشركات تستثمر بكثافة في العلاج الجيني وتحليل الحمض النووي لأنها تدرك أن "الدواء في المستقبل لن يكون كما هو الآن، بل سيكون العلاج أكثر وقائية"، مع بقاء أمراض لا يمكن للجينات وحدها حلها. ويفند الصورة الشائعة عن شركات الدواء بوصفها "تتآمر على المريض"، موضحاً أن نجاح هذه الشركات يقوم بالأساس على ثقة المريض واستمراره في استخدام منتجاتها، وبأن ما تجنيه من مبيعات الأدوية يُعاد ضخه في الأبحاث لاكتشاف علاجات أو وسائل وقاية أحدث. ويصف ما يجري بأنه "سباق، وهو لمصلحة المريض".
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما قاله شون لانت، المدير العام لشركة "سيرفييه" الفرنسية للأدوية في أبوظبي، والذي يرى أن التنبؤ المبكر سيغير رحلة المريض بأكملها، لأن "الفرصة ستتاح لتحديد الخطر مبكراً واتخاذ قرارات أدق بشأن متى وكيف نتدخل". ويضيف أن دور الصناعة سيتجاوز الدواء نفسه ليشمل المؤشرات الحيوية والجينوم والتشخيص والأدلة العلمية.
وكمثال على ذلك، يشير إلى الطب الدقيق في علاج السرطان الذي يقوم على فهم أعمق لبيولوجيا المرض، مؤكداً أن دور الشركة هو الإسهام في الرحلة بأكملها، من الابتكار العلمي إلى جاهزية التشخيص ووصول المريض إلى الرعاية المناسبة، ومبيناً أن "سيرفييه" تستثمر نحو 20% من إيرادات أدويتها ذات العلامة التجارية في جهود البحث والتطوير.
متى يمكن التنبؤ بدقة بالمرض قبل سنوات من ظهور أعراضه؟
على أن المتحدثين لا يبالغون في التفاؤل بشأن موعد التطبيق الفعلي. تشير فاطمة عبدو قائد مختبر زراعة النخاع والمعالجة الخلوية في مركز أبو ظبي للخلايا الجذعية إلى أن تسلسل الجينوم الكامل متاح تقنياً لكنه ما زال في مرحلة البحث، وأن دقته هي موضع عمل الجميع، ولذلك "لا نستطيع تحديد وقت".
وتوضح أن الجينات ليست العامل الأوحد، فالتوأمان المتطابقان قد يصاب أحدهما بمرض دون الآخر بسبب العوامل البيئية. كما يحذر شون لانت من الاعتماد على تقنية واحدة، مشدداً على أن التقنية "يجب أن تكسب مكانها في الممارسة السريرية" بأدلة قوية وتُحقق في الفئات السكانية التي ستُستخدم لديها، وأن بناء أدلة علمية ملائمة للمنطقة سيكون خطوة في غاية الأهمية لضمان دقة الطب الدقيق وتناسبه مع التركيبة الجينية للسكان؛ فكلما تضمنت قواعد البيانات الجينية بيانات محلية، زادت فرص أن تكون العلاجات أكثر فاعلية.

فاطمة عبدو مركز أبو ظبي للخلايا الجذعية
وتقدم تهاني القادري نائب الرئيس المشارك لأكاديمية برجيل للتدريب، صورة أوضح لما يعنيه ذلك للمريض قائلة: "لا نريد أن نعالج المريض، نريد أن نعرف ما الذي سيصيبه بعد عشر سنوات لنمنع المرض أو نؤخر ظهوره". وتضرب مثلاً بمرض السكري الشائع؛ فإذا أظهر الفحص الجيني أن شخصاً سيصاب به، تُعطى له خطة علاجية ونمط حياة يقللان ظهوره أو يؤخرانه.
وتشير إلى أن برنامج الجينوم الإماراتي، الذي تجاوزت عيناته 800 ألف عينة، يتيح فتح منصة للباحثين عالمياً بدلاً من إجراء أبحاث على أشخاص آخرين قد يختلف تفاعلهم الجيني مع الدواء.
جودة الحياة هي الغاية
ما الذي يعنيه كل ذلك للإنسان العادي؟ يقدم محمد فيتيان الجواب المباشر من عيادة السمنة، مؤكداً أن الطب يجب أن ينتقل من مفهوم "تعال إلى المستشفى إذا كنت مريضاً" إلى نهج "الوقاية والتنبؤ". ويشير إلى أن الدراسات العالمية تظهر أن نحو 80% من الأطفال والمراهقين المصابين بالسمنة بين 12 و18 عاماً يستمرون في المعاناة منها بعد البلوغ، ولذلك يدعو إلى التدخل المبكر وعلاج السمنة كمرض مزمن حين تُشخص، وعدم الانتظار حتى تظهر مضاعفاتها الخطيرة من سكري وكوليسترول ومشكلات في القلب والمفاصل.
ويضيف أن الفحوص الجينية وتاريخ العائلة يساعدان على تحديد من هم أكثر عرضة لهذه المخاطر، ليبدأوا نمط حياة صحياً ومتابعة مبكرة. وهو لا ينظر إلى السمنة بوصفها مسألة صحية بحتة، بل يوضح أن بعض مرضاه يأتون من أجل الشكل، وبعضهم بعد تشخيص السكري، وآخرون لأن مفاصلهم لم تعد تسمح لهم بالحركة كما كانوا. ويؤكد قائلاً: "الشكل مهم، وهذا جزء من جودة الحياة، لكن واجبنا كأطباء أن نزيد وعي المريض بالمخاطر الأخرى".
علاج لا يلتهم حياة المريض
وفي المعرض المصاحب للقمة، وفي المعرض المصاحب للقمة، حيث تعرض العديد من الشركات أبرز ابتكاراتها في المجال الطبي يبرز سؤال جوهري آخر عن جودة الحياة: كم من وقت الإنسان يستهلكه علاجه نفسه؟ يطرح محمد إبراهيم، من شركة للعلاج بتقنية ANF هذا السؤال من زاوية عملية لافتة. فالناس اليوم، بحسب قوله، يقيسون كل شيء، من ساعات النوم إلى النبض، عبر أجهزة مثل السوارات الذكية والخواتم، ثم يسألون: وماذا بعد القياس؟ ويرى أن بعض الحلول المتاحة مفيدة لكنها تفتقر إلى الراحة، "كأن تجلس أربع ساعات في غرفة بإضاءة حمراء أو تخضع لعلاج بالأوزون".

لاصقات بتقنية inf
ويضيف أن بعض من يسعون إلى تحسين صحتهم وإطالة عمرهم يقضون بين عشر إلى خمس عشرة ساعة أسبوعياً حول جلسات العلاج، فتدور حياتهم حول علاجهم بدلاً من أن تخدمها. والتقنية التي يقدمها إبراهيم تتمثل في لصقات تُلصق على الجسم وتبعث ذبذبات تعالج الالتهاب والألم، دون الحاجة لمواد كيميائية أو أجهزة وكابلات معقدة. ويشير إلى أن القرص الواحد يعمل لنحو 72 ساعة، ويستطيع المريض خلالها الذهاب إلى عمله ونومه كالمعتاد. وتنقسم هذه المنتجات إلى فئة تُباع دون وصفة طبية، وفئة تُستخدم تحت إشراف طبيب بعد دقة التشخيص.
ويوضح أن الجهاز مسجل لدى هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) كجهاز طبي من الفئة الأولى، وأن التقنية موجودة منذ أكثر من 14 عاماً لكن بدأ تسويقها التجاري قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط. ويشير إلى أن الإقبال الأكبر ينصب على الإصابات العضلية والعظمية، لأن أثر العلاج فيها يُرى ويُشعر به سريعاً.
ويروي قصة مريض جاء على كرسي متحرك بعد تجربة علاجات كثيرة، وبدأ المشي في غضون أربعة أو خمسة أيام. ويؤكد إبراهيم أن هذا العلاج لا يحل محل الأدوية التقليدية، بل يُستخدم بالتزامن مع المعالجين الطبيعيين؛ فحين يخف الألم يستطيع المريض أداء تمارين العلاج الطبيعي بصورة أفضل بكثير. وبحسب شرحه، يعالج الجهاز الالتهاب، ثم يخف الألم، ثم تُقوّى العضلة.