كشف تمثال برونزي صغير للإله حاربوكرات، الطفل حورس في المعتقدات المصرية القديمة، عن تداخل التقاليد الدينية المصرية واليونانية والرومانية قبل نحو ألفي عام، بعدما جمع في تصميمه بين تاج مصري وملامح فنية يونانية ورمز للوفرة والازدهار.
ويُحفظ التمثال في متحف هيرابوليس للآثار جنوب غربي تركيا، ودرسته عالمة الآثار إسما إيفريندي شينول من جامعة باموكالي، في بحث نُشر يوم 12 أكتوبر في دورية Cedrus. وبمقارنة تفاصيله بقطع أثرية مشابهة، رجحت الباحثة أن يعود تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، خلال العصر الإمبراطوري الروماني.
حاربوكرات.. من المعتقدات المصرية إلى العالم اليوناني
يرتبط حاربوكرات بالإله المصري حورس في طفولته، ويعود اسمه إلى التعبير المصري القديم “حور با خِرِد”، أي حورس الطفل، ووفقًا للأساطير المصرية كان ابن إيزيس وأوزيريس، وارتبط بمعاني التجدد والحماية واستمرار الملكية.
واعتاد الفنانون المصريون تصويره طفلًا يضع إصبعه قرب فمه، في إشارة إلى الطفولة، لكن هذه الإشارة اكتسبت دلالات أخرى لدى اليونانيين، الذين ربطوها بالصمت والسرية والمعرفة المقدسة، وظل حاربوكرات مرتبطًا أيضًا بالإلهة إيزيس، التي انتشرت عبادتها في مناطق واسعة من البحر المتوسط خلال العصرين الهلنستي والروماني.
ثلاثة تقاليد دينية في قطعة واحدة
يظهر التمثال إصبع حاربوكرات مرفوعًا نحو فمه، مع ارتدائه تاجًا على الطراز المصري، بينما تعكس هيئة جسده ووقفته تأثيرات النحت اليوناني. ويحمل كذلك قرن الوفرة، وهو رمز ارتبط في المعتقدات اليونانية والرومانية بالخصوبة والثروة والرخاء.
وترى شينول أن اجتماع هذه العناصر يجسد ما يُعرف بالتوفيق بين المعتقدات الدينية، وهي عملية تتداخل فيها تقاليد مختلفة وتكتسب رموزها معاني جديدة. كما عُثر في مدينة أفسس القديمة على مبخرة تحمل صورة سيرابيس، وهو معبود ذو طابع يوناني مصري، بما يبرز انتشار التأثيرات الدينية المصرية في الأناضول.
ويرجح البحث أن تماثيل صغيرة قابلة للحمل من هذا النوع ربما استُخدمت في الممارسات التعبدية الشخصية أو طلب الحماية، لكن الغرض الأصلي من استخدام هذا التمثال تحديدًا لا يزال غير محسوم، إذ إنه جزء من مجموعة متحفية قائمة.
هيرابوليس.. مركز ديني في العصر الروماني
ازدهرت مدينة هيرابوليس القديمة، بالقرب من مدينة دنيزلي التركية حاليًا، بوصفها مركزًا دينيًا مهمًا في ظل الحكم الروماني، واشتهرت بينابيعها الحرارية ومواقعها المقدسة، ومنها معبد مخصص لأبولو، إلى جانب موقع بلوتونيون الذي اعتُقد أنه مدخل إلى العالم السفلي، وساعدت الغازات الخطرة المنبعثة من الأرض في ترسيخ سمعته الخارقة للطبيعة.