في بعض الخلافات الزوجية، لا تنتهي الإساءة بانتهاء المشاجرة، بل قد تتحول إلى وسيلة ضغط مستمرة، عندما تُلتقط صور أو مقاطع خاصة دون رضا الزوجة، ثم تُستخدم لاحقًا للتهديد أو التشهير أو إجبارها على التنازل عن حقوقها. وهنا تتجاوز الواقعة حدود الخلاف الأسري، لتدخل في نطاق قانوني تتداخل فيه حماية الحياة الخاصة مع التجريم المعلوماتي وقواعد التطليق للضرر.
ولا ينظر القانون إلى الهاتف باعتباره مجرد وسيلة للتصوير، وإنما يتوقف تحديد المسؤولية على كيفية الحصول على المحتوى، ومكان التصوير، ومدى رضا صاحبة الصورة، وطبيعة المادة المصورة، وما إذا كانت قد نُشرت أو استُخدمت في التهديد أو التشهير.
عندما يصبح التصوير وسيلة للضغط والسيطرة
تظهر في بعض المنازعات الأسرية وقائع تدعي فيها الزوجة أن الزوج لم يكتفِ بالتعدي عليها، بل قام بتسجيل الواقعة أو تصويرها، ثم احتفظ بالمقاطع وهدد باستخدامها ضدها.
وفي إحدى الوقائع، أقامت زوجة دعوى تطليق للضرر أمام محكمة الأسرة بأكتوبر، وربطت طلبها بما وصفته بتعرضها للعنف والتهديد بنشر مقاطع مصورة، إلى جانب خلافات أخرى تتعلق بالمسكن والمنقولات والمصوغات.
وفي واقعة أخرى، لجأت زوجة إلى القضاء بعد اتهامها زوجها بالتعدي عليها وتصوير بعض خصوصياتها وتهديدها بالتشهير بها، مدعية أن الهدف من ذلك كان الضغط عليها للتراجع عن ملاحقته قضائيًا والمطالبة بحقوقها.
وتطرح هذه الوقائع سؤالًا قانونيًا مهمًا: متى تتحول الصورة أو التسجيل من مجرد محتوى خاص إلى فعل قد يعاقب عليه القانون؟
الخصوصية.. حماية قانونية لا تسقط بسبب الزواج
لا يعني قيام العلاقة الزوجية أن الحياة الخاصة تصبح مباحة للطرف الآخر دون قيود. فالمادة 309 مكرر من قانون العقوبات تتناول صورًا محددة من الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، من بينها التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص باستخدام جهاز من الأجهزة، في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضا صاحب الشأن، وفقًا لشروط النص.
وبالتالي، فإن تحديد المسؤولية الجنائية لا يتوقف على كون الفاعل زوجًا أو قريبًا، وإنما يرتبط بتوافر أركان الفعل المجرّم والظروف التي وقع فيها.
وتشمل الحماية القانونية صورًا من التسجيل أو نقل الأحاديث أو التقاط الصور في الأماكن الخاصة، وفقًا للضوابط التي حددها القانون، وهو ما يجعل ظروف التصوير وطبيعته ومدى مشروعيته عناصر أساسية عند بحث الواقعة.
نشر الصور على الإنترنت.. متى تنشأ مسؤولية قانونية؟
تزداد خطورة الواقعة عندما لا يبقى المحتوى داخل هاتف صاحبه، بل ينتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو التطبيقات الإلكترونية.
وتتناول المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 صورًا من الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، ونشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة، متى توافرت شروط التجريم.
وبذلك، قد يشكل النشر الإلكتروني محل مساءلة مستقلة عن الطريقة التي جرى بها الحصول على الصورة أو التسجيل، بحسب ملابسات الواقعة والنص القانوني المنطبق عليها.
التهديد بالنشر.. متى تتدخل القواعد الجنائية؟
من أخطر صور استخدام المحتوى الخاص أن يتحول إلى وسيلة تهديد، من خلال مطالبة الزوجة بالتنازل عن حقوقها أو التوقف عن اتخاذ إجراءات قضائية مقابل عدم نشر الصور أو المقاطع.
وفي هذه الحالة، لا يُنظر إلى الواقعة باعتبارها مجرد خلاف زوجي، إذ قد تنشأ مسؤوليات جنائية مختلفة بحسب مضمون التهديد وطريقته والهدف منه، وما إذا كان قد اقترن بطلب أو إكراه أو ظروف أخرى يعتد بها القانون.
وقد تناولت أحكام قضائية وقائع تضمنت تهديدًا بإفشاء أمور خادشة للشرف عبر وسائل التواصل، إلى جانب الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة من خلال صور التُقطت في مكان خاص. ويظل تحديد الوصف القانوني لكل واقعة مرتبطًا بأدلتها والظروف المحيطة بها.
التشهير والسب والقذف.. ما الفارق القانوني؟
إذا صاحب نشر الصور أو المقاطع إسناد وقائع محددة إلى الزوجة من شأنها، لو صحت، أن تعرضها للعقاب أو للاحتقار بين الناس، فقد يدخل الأمر في نطاق القذف وفقًا لأحكام قانون العقوبات.
أما العبارات التي تتضمن خدشًا للشرف أو الاعتبار دون إسناد واقعة محددة، فقد تندرج، بحسب محتواها وظروف نشرها، تحت أحكام السب.
ولهذا، لا تكفي عبارة «تم التشهير بي» وحدها لتحديد الوصف القانوني، وإنما يتعين فحص النص المنشور، والصور أو المقاطع المصاحبة، وطريقة إتاحتها للجمهور، والعبارات المستخدمة، ووسيلة النشر.
محكمة الأسرة.. متى يصبح التصوير والتشهير ضررًا زوجيًا؟
بعيدًا عن المسؤولية الجنائية، قد يكون للسلوك نفسه أثر في دعوى التطليق للضرر. فالمادة السادسة من القانون رقم 25 لسنة 1929 تجيز للزوجة طلب التطليق إذا ادعت إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما، ويكون الحكم مرتبطًا بثبوت الضرر وتعذر الإصلاح وفقًا لشروط القانون.
ويعتمد تقدير الضرر على الوقائع والأدلة المعروضة أمام المحكمة، ومدى تأثيرها في استمرار الحياة الزوجية. لذلك، فإن التصوير أو التهديد أو التشهير لا يؤدي تلقائيًا إلى الحكم بالتطليق، لكنه قد يمثل أحد عناصر الضرر إذا ثبت وقوعه وبلغ من الجسامة حدًا يجعل دوام العشرة متعذرًا.
الأدلة الرقمية عنصر أساسي في النزاعات الأسرية
في بعض المنازعات، تستند الزوجة إلى اتهام الزوج بالتعدي عليها وتصوير بعض خصوصياتها، إلى جانب ادعائها استخدام الصور للضغط عليها، بالتزامن مع خلافات مالية وأسرية تتعلق بالمنقولات والمصوغات.
وتكشف هذه الوقائع عن أهمية الأدلة الرقمية عندما تنتقل الخلافات الزوجية من نطاق المنزل إلى الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ قد تصبح الرسائل والتسجيلات والصور والمنشورات عناصر مهمة في إثبات ما تدعيه الأطراف.
وتتوقف قيمة هذه الأدلة على سلامة الحصول عليها، وإمكانية التحقق من صحتها، ومدى صلاحيتها للإثبات وفقًا للقواعد القانونية والإجرائية ذات الصلة.
البلاغ ليس حكمًا.. ودعوى التطليق لا تعني ثبوت الضرر
من المهم قانونيًا عدم الخلط بين مراحل النزاع؛ فتقديم بلاغ أو تحرير محضر لا يعني ثبوت الجريمة، كما أن إقامة دعوى تطليق لا تعني أن الضرر أصبح ثابتًا.
فالمسؤولية الجنائية تُبحث وفق إجراءاتها وأدلتها، بينما تنظر محكمة الأسرة في توافر شروط التطليق للضرر في الدعوى المعروضة عليها. ويظل الفصل في كل مسار مرتبطًا بما يقدم فيه من أدلة وما تنتهي إليه الجهات القضائية المختصة.
الخلاف الزوجي لا يبيح انتهاك خصوصية الطرف الآخر
لا يجعل الزواج الحياة الخاصة مباحة للنشر، كما لا يمنح الخلاف الأسري أي طرف الحق في تحويل صور الطرف الآخر أو تسجيلاته الخاصة إلى وسيلة للضغط أو التشهير.
وفي المقابل، لا يصح اعتبار كل تصوير أو كل خلاف داخل المنزل جريمة بمجرد وصفه بذلك؛ فالمسؤولية تتحدد وفقًا للنص القانوني المنطبق، وأركان الفعل، ورضا الشخص المصوّر، وطبيعة المكان، وكيفية الحصول على المحتوى، وما إذا كان قد نُشر أو استُخدم في التهديد أو التشهير.
أما في نطاق الأحوال الشخصية، فيبقى المعيار هو ثبوت الضرر الذي يتعذر معه دوام العشرة وفقًا للقانون، بما يجعل حماية الخصوصية والكرامة داخل الحياة الزوجية مسألة قد تترتب عليها آثار قانونية متعددة.