نقلًا عن العدد الورقي..
لم يعد منتدى مصر 2026 مجرد فعالية تقليدية، بل تحول فى حضور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى منصة حوارية حقيقية، وجها لوجه بين المواطن والحكومة، المواطن يسأل والحكومة تجيب، فى مشهد يعكس توجه الدولة للاستماع لنبض الشارع.

ففى قاعة واحدة اجتمع الوزراء والمسؤولون مع ممثلين عن كل أطياف الدولة، الصحفيون والإعلاميون وعمال وفلاحون، شباب وطلاب، ونواب من أعضاء مجلسى النواب والشيوخ، وممثلون عن مختلف محافظات الجمهورية، من الإسكندرية إلى أسوان، ليطرحوا ما يشغل بالهم اليومى، بلا حواجز ولا وسطاء، فى حضور فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى حرص على أن يستمع بنفسه إلى ما يشغل بال وهموم المواطنين.

وخرج المنتدى برسالة طمأنة، مفادها أن الدولة تسمع وتستجيب، وأن كل المقترحات التى طُرحت، سواء حول الدعم أو البطالة أو السياحة أو الخدمات، ستتحول إلى قرارات وتوصيات قابلة للتنفيذ، وأن المنتدى منصة لصناعة الأمل وتحويل هموم المواطنين إلى خطط عمل على أرض الواقع، فى حضور رئيس يؤمن بأن قوة الدولة تأتى من قوة مواطنيها.
ولم يغفل منتدى مصر 2026 الطبقة الوسطى، التى تعد صمام الأمان الحقيقى للمجتمع، حيث كان ملف حمايتها من التضخم أحد أهم محاور الجلسات، فالطبقة الوسطى هى الأكثر تأثرا بارتفاع الأسعار، فلا هى تستفيد بالكامل من برامج الدعم المخصصة للأولى بالرعاية، ولا هى قادرة على تحمل موجات الغلاء المتتالية، ومن هنا طرح المنتدى سؤالا جوهريا: كيف نحميها؟
ودارت المناقشات حول حزمة إجراءات متكاملة، بدأت بتثبيت أسعار السلع الأساسية لنحو 30 سلعة ضمن مبادرة تخفيض الأسعار التى تنفذها الحكومة بتوجيهات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى، والتوسع فى إقامة معارض السلع المخفضة والمنافذ المتنقلة وطرح السلع بكميات كبيرة لمواجهة غلاء الأسعار والتصدى لأى مخالفات، كذلك العمل على ضبط أسعار الخدمات، وصولا إلى توفير منتج محلى بسعر مناسب ينافس المستورد، وأكد المشاركون أن حماية الطبقة الوسطى ليست مجرد إجراء اقتصادى، بل هى حماية للاستقرار الاجتماعى للدولة، لأن انهيار هذه الطبقة يعنى خللا فى بنيان المجتمع، وهو ما تدركه الدولة جيدا وتعمل على مواجهته بخطط مدروسة تحفظ للمواطن متوسط الدخل حياته الكريمة، فضلا عن إعداد مقترح لتنظيم كتابة سعر البيع النهائى للمستهلك على المنتجات الغذائية بداية من المصنع، بما يدعم الشفافية ويعزز قدرة المواطنين على المقارنة بين الأسعار ويضمن وضوح السعر قبل الشراء، ويمكن الأجهزة الرقابية من رصد الممارسات السعرية غير المنضبطة.
كذلك تم التأكيد على تطوير قنوات التواصل مع المواطنين وتسريع الاستجابة لشكاواهم، والتوسع فى تحليل البيانات وتوجيه الحملات الرقابية وفقًا للمؤشرات الفعلية، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد، ويسهم فى استباق المخالفات والحد من آثارها، باعتبار أن حماية حقوق المواطن جزء أصيل من جهود الدولة للتعامل مع التحديات الاقتصادية، كما أن المتغيرات الاقتصادية وتحديات الأسواق تستلزم تطوير أدوات الرقابة وتعزيز الجهود الرامية إلى حماية القوة الشرائية، من خلال تكثيف التواجد الميداني، ورصد تطورات الأسواق ومستويات الأسعار، وفحص الشكاوى والتحقق منها، والتصدى للممارسات المخالفة، وفى مقدمتها البيع بأزيد من السعر المعلن، والإعلانات المضللة، والغش التجارى، وحجب السلع الاستراتيجية عن التداول، بما يُسهم فى الحد من الأعباء غير المبررة على المواطنين، ويعزز انضباط الأسواق وشفافية التعاملات.
كما تصدرت قضية أمن الوطن والمواطن المشهد تحت عنوان «رسالتك مسموعة.. رحلة استجابة»، لتتناول جهود مؤسسات الدولة ووزارة الداخلية لتحقيق الأمن والأمان للمواطنين، خاصة منذ أحداث يناير 2011، ليكشف اللواء محمود توفيق وزير الداخلية أن المواطن أصبح شريكا فى رصد المظاهر السلبية والمخالفات القانونية وتوجيه الأجهزة الأمنية إليها، وأن منظومة شرطة النجدة مصممة لضمان توحيد زمن الاستجابة لبلاغات المواطنين فى جميع أنحاء الجمهورية، سواء فى القرى أو المراكز أو المدن، مع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى لتحويل البلاغ آليا إلى أقرب سيارة من موقع الواقعة، فضلا عن التصدى للجريمة الجنائية، وعودة الأمن للشارع المصرى، والاستجابة السريعة لبلاغات المواطنين، ضاربًا مثالًا بموضوع سرقة السيارات التى انخفضت بمعدلات كبيرة جدًا وصلت إلى 94%، وأن وزارة الداخلية وضعت خطة متكاملة فى إطار جهودها لإعادة صياغة العمل الأمنى خاصة مع تطور أساليب ارتكاب الجرائم، ارتكزت على خمسة محاور تشمل، أولا تطوير المنشآت الشرطية وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة لمواكبة التطور الذى نشهده فى مختلف المجالات، وثانيا استحداث منظومة متكاملة تعتمد على النهج العلمى فى العمل الأمنى باستخدام الذكاء الاصطناعى والرصد المبكر لمختلف أنماط الجريمة ووضع الخطط المناسبة لمجابهتها، وهو ما تطلب تحديث مختلف غرف العمليات بمختلف المحافظات وربطها بالمركز الرئيسى، وثالثا تطوير العنصر البشرى لنجاح المنظومة المنشودة، حيث تم استحداث وتطوير مختلف مجالات العمل الأمنى وتكوين كوادر فى مجال الجريمة الإلكترونية والملكية الفكرية والرصد المبكر لحركة التنظيمات الإرهابية، ورابعا تنمية وعى المواطن كونه حائط الصد أمام مساعى النيل من استقرار الوطن وأمن المواطن، وخامسًا تحديث السياسة العقابية بالنسبة للمحكوم عليهم.
كيف الدولة تحمى الفئات الأولى بالرعاية فى مواجهة التضخم؟
فى ظل موجة التضخم العالمية وارتفاع الأسعار، كان السؤال الأكثر إلحاحًا فى منتدى مصر 2026: كيف تحمى الدولة الفئات الأولى بالرعاية؟ وجاءت إجابة الدكتورة مايا مرسى وزيرة التضامن الاجتماعى واضحة، مؤكدة أن فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى يضع الأسر الأولى بالرعاية على رأس أولوياته، وهو نهج ثابت شاهدناه منذ عام 2014 وحتى اليوم، فالدولة لم تترك المواطن البسيط للغلاء، بل سارعت بتنفيذ حزمة متكاملة من برامج الحماية الاجتماعية، فى مقدمتها برنامج الدعم النقدى تكافل وكرامة، الذى كان طوق النجاة لملايين الأسر، وأن هذا البرنامج لم يكن مجرد دعم مالى عابر، بل كان له أثر مباشر فى تغيير حياة الأسر، حيث وفر لها دخلًا ثابتًا وساعدها على تحمل أعباء المعيشة وضمان تعليم أبنائها وصحتهم، ليؤكد أن الدولة المصرية تضع الإنسان فى قلب معادلة التنمية، وتعتبر حماية الفئات الأكثر احتياجا خطا أحمر لا يمكن المساس به مهما كانت التحديات الاقتصادية.
لم يعد برنامج تكافل وكرامة مجرد رقم فى موازنة الدعم، بل تحول على مدار السنوات الماضية إلى واحد من أهم وأنجح برامج الحماية الاجتماعية فى تاريخ مصر، برنامج غيّر حياة ملايين الأسر الأكثر احتياجًا، فالبداية كانت فكرة بسيطة هى صرف دعم نقدى مشروط، لكن مع مرور الوقت وتوجيهات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، تطور البرنامج ليصبح منظومة حماية متكاملة تضمن حياة كريمة، وأن البرنامج بدأ بـ1.7 مليون أسرة عام 2015، واليوم وصل إلى 4.7 مليون أسرة مستفيدة حاليًا، وبلغت التغطية التراكمية 8.3 مليون أسرة على مدار عمر البرنامج، وتخارج ما يزيد على 2.2 مليون أسرة مستفيدة لتحسن حالتهم الاجتماعية، كما أن استراتيجية وزارة التضامن تعتمد على الانتقال من الدعم إلى التمكين.
فالأسرة المستفيدة لا تحصل على الدعم النقدى فقط، بل يتم إعفاء أبنائها من دفع المصروفات الدراسية بالكامل، لضمان استمرارهم فى التعليم وعدم تسربهم منه بسبب الفقر، كما تحصل على الرعاية الصحية المجانية، ودعم غذائى عبر بطاقات التموين، بالإضافة إلى فرص للتمكين الاقتصادى من خلال برنامج «فرصة» لإقامة مشروعات صغيرة.
والأهم أن البرنامج أصبح ديناميكيًا، يدخل فيه المستحق ويخرج منه من تحسنت أوضاعه، وفق قاعدة بيانات دقيقة وزيارات ميدانية، لضمان وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين.
لذلك، عندما نتحدث عن تكافل وكرامة، نحن نتحدث عن قصة نجاح مصرية، حولت الدعم من عبء على الموازنة إلى استثمار فى الإنسان، وحولت الأسر من متلقية للدعم إلى أسر منتجة قادرة على مواجهة ظروف الحياة بكرامة.
ماذا لو قدمت الحكومة دعمًا نقديًا بدلًا من العينى وحدث تضخم؟
كان أبرز الأسئلة التى تناولتها جلسات منتدى مصر 2026 فى ظل توجه الدولة إلى دراسة تحويل دعم السلع التموينية والخبز إلى دعم نقدي، وجاءت إجابة الحكومة بأن التوجه نحو دراسة تطوير المنظومة تدريجيًا من الدعم العينى بصورته الحالية إلى دعم نقدى سلعى أكثر مرونة، يتيح للمواطن اختيار احتياجات أسرته من السلع الأساسية وفقًا لأولوياته، مع الحفاظ على توجيه الدعم للأغراض الغذائية وتحسين كفاءة الاستهداف، وبما يضمن توجيه الدعم إلى مستحقيه وفقًا لمعايير العدالة الاجتماعية، وتحقيق أقصى استفادة من الموارد المخصصة للحماية الاجتماعية.
كما جاءت مطالب المواطنين واضحة ومباشرة: وضع معايير عادلة وشفافة لمستحقى الدعم، وتحديد دقيق للفئات الأولى بالرعاية، حتى يصل الدعم لمن يستحقه فعلًا، وتطرق الحوار بصراحة إلى السؤال الأكثر اهتمامًا الذى يشغل كل بيت مصري، وهو ماذا لو تحول الدعم العينى إلى نقدي؟ وكيف نحمى المواطن فى حال حدوث تضخم؟ وهنا كانت برامج الحماية الاجتماعية حاضرة بقوة، من تكافل وكرامة إلى آليات الحماية الجديدة، كضمانة حقيقية لحماية الفئات الأكثر احتياجًا، ليكشف الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية بأن الدعم السلعى يُقدم لأكثر من 57 مليون مواطن، وأن الموازنة المخصصة له ارتفعت من 34 مليار جنيه إلى أكثر من 210 مليارات جنيه لدعم السلع التموينية والخبز المدعم، وأوضح أن الدعم يُقدم لأربع شرائح، وأن أكبر فئة تحصل عليه هى مستفيدو برنامج «تكافل وكرامة»، ثم الفئات الأولى بالرعاية، ثم الطبقة المتوسطة، والطبقة فوق المتوسطة، وأن التوجه نحو دراسة تطوير المنظومة تدريجيًا من الدعم العينى بصورته الحالية إلى دعم نقدى سلعى أكثر مرونة، يتيح للمواطن اختيار احتياجات أسرته من السلع الأساسية وفقًا لأولوياته، مع الحفاظ على توجيه الدعم للأغراض الغذائية وتحسين كفاءة الاستهداف، وأكد أن التطوير لا يقتصر على تغيير آلية تقديم الدعم، بل يشمل أيضًا تحديث قواعد البيانات وآليات الصرف والرقابة والربط بين الخدمات، بما يعزز كفاءة المنظومة وقدرتها على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية.
ولم يتوقف الحوار عند الدعم فقط، بل امتد إلى هموم الحياة اليومية، كيف نخفض معدلات البطالة؟ وكيف نزيد الاستثمارات لإتاحة المزيد من فرص العمل الحقيقية للشباب؟ وكيف نروج للسياحة المصرية لزيادة عدد السائحين وجلب العملة الصعبة؟ وكانت الإجابات مرتبطة بخطط عملية، منها خطة تطوير المطارات ورفع كفاءتها، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين فى كل القطاعات.
ما ميز المنتدى هذا العام أنه لم يكن حديث حكومة فقط، بل كان حديث مواطن، طرح أسئلته ببساطة عن لقمة العيش وفرصة العمل وجودة الخدمة، ووجد حكومة تستمع وترد وتتعهد، ليؤكد المنتدى أن الدولة المصرية الجديدة تقوم على معادلة واحدة: المواطن يسأل والحكومة تجيب.
وكان اللافت فى جلسات المنتدى هو تلك المصارحة التى دارت حول ملف الخدمات الأمنية والاجتماعية، حيث أُعلن بوضوح توحيد زمن الاستجابة للنجدة فى جميع المحافظات، ليصبح معيارا واحدا من الإسكندرية لأسوان، مع تشكيل فرق متخصصة لرصد الاستغاثات على مدار الساعة، عبر غرف عمليات لا تنام، شعارها «نجدة واحدة لكل المحافظات.. دقيقة تفرق»، هذا التوجه يعكس فلسفة جديدة فى إدارة الدولة، تقوم على أن المواطن فى أقصى قرية له نفس حق المواطن فى قلب العاصمة، وأن سرعة الاستجابة لم تعد رفاهية بل حق أصيل.
وما تشهده الأحداث الإقليمية وتأثير سلاسل الإمداد على المنافذ السلعية فى العديد من الدول، كانت الدولة المصرية سباقة فى اتخاذ إجراءات لتأمين مخزون استراتيجى من السلع الغذائية، وهو ما كان أحد محاور الأمن الغذائى ضمن جلسات المنتدى، من حيث تعزيز توافر السلع الغذائية وتحقيق الأمن الغذائى، من خلال زيادة مساحة وتطوير الرقعة الزراعية المصرية واستصلاح الأراضى، بالإضافة إلى العمل على وصول الدعم لمستحقيه، فضلا عن تعزيز منظومة الدعم التموينى وضمان استقرار الاحتياطى الاستراتيجى للسلع الأساسية، وزيادة الصوامع والسعة التخزينية لها.
وتكمن أهمية المنتدى مصر 2026 فى أنه لم يعد مجرد ملتقى حوارى، بل أصبح أداة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، فمن خلال محاوره التى مست كل تفاصيل الحياة اليومية، أكد المنتدى أنه يضع الإنسان فى صدارة المشهد التنموى، فمن محور حماية الطبقة المتوسطة من التضخم، مرورًا بمقترح كتابة سعر البيع النهائى للمستهلك على المنتج بداية من المصنع لضبط الأسواق، وصولًا إلى ملف أمن الوطن والمواطن وتوحيد زمن استجابة النجدة تحت شعار «دقيقة تفرق»، قدم المنتدى نموذجا لدولة تسمع قبل أن تقرر، فالمواطن الذى كان يشعر بأن صوته بعيد عن دوائر القرار، وجد نفسه شريكًا فى صياغة الحل، ورقيبًا على تنفيذه.
كما برزت أهمية المنتدى فى طرحه الصريح لقضية الدعم، من خلال وضع معايير عادلة لمستحقيه، والانتقال من فلسفة الدعم إلى التمكين عبر برامج مثل تكافل وكرامة وفرصة، ومواجهة السؤال الصعب حول التحول من الدعم العينى إلى النقدى السلعى فى حال حدوث تضخم، وهو ما عكس نضجًا فى إدارة الحوار المجتمعى حول القضايا الشائكة.
ولم يغفل المنتدى ملف الأمن الغذائى فى ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، حيث كشف عن رؤية استباقية للدولة فى تأمين المخزون الاستراتيجى وزيادة الرقعة الزراعية والصوامع، ليؤكد أن الأمن الغذائى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى.
وفى النهاية فإن منتدى مصر 2026 بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، قد رسخ معادلة جديدة قوامها: المواطن يسأل والحكومة تجيب وتُنفذ، ليتحول من منصة كلام إلى ورشة عمل وطنية تضع خارطة طريق لمصر الجديدة، دولة قوية بمواطنيها، عادلة فى توزيع مواردها، ويقظة فى حماية أمنها وقوت شعبها.

العدد الورقى لليوم السابع