-
كيف تبني الكنيسة شخصيته وتكتشف المواهب وتصنع قيادات جديدة؟
قد يبدو الخادم فى الكنيسة، بالنسبة لمن يراه من الخارج، شخصًا يقف أمام مجموعة من الأطفال أو الشباب ليتحدث معهم، يشرح درسًا، ينظم اجتماعًا، أو يشارك في نشاط. لكن الصورة داخل منظومة الخدمة تبدو أكثر اتساعًا؛ فقبل أن يصبح الإنسان خادمًا، هناك إعداد وتدريب، وبعد أن يصبح خادمًا تبدأ مرحلة أخرى من التعلم واكتساب الخبرات، ثم يأتي الطريق الأصعب: كيف يتحول الخادم مع الوقت إلى شخص قادر على تحمل المسؤولية وقيادة فريق وإعداد جيل جديد من الخدام؟.
هذه الفكرة تظهر بوضوح في «دليل تنظيم الخدمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية»، الذي يخصص فصلًا لإعداد الخدام وفصلًا آخر لإعداد القادة، في تصور لا ينظر إلى الخدمة باعتبارها مجرد نقل للمعلومات، وإنما باعتبارها عملية بناء متكاملة للإنسان وقدراته وشخصيته.
فالخادم، بحسب التصور الوارد في الدليل، يحتاج إلى أن يكون متعلمًا باستمرار، وقادرًا على التواصل والحوار والعمل الجماعي، وأن يمتلك أدوات تساعده على التعامل مع الواقع والمشكلات المختلفة. كما أن إعداد القادة يستهدف خلق قيادات جديدة وصف ثانٍ قادر على استكمال مسيرة الخدمة وتطويرها.
البداية من الإنسان.. لا من المنبر
القصة تبدأ قبل أن يمسك الخادم كتابًا أو يقف أمام المخدومين. فالدليل يضع تصورًا لإعداد الخادم يركز على بناء شخصيته من جوانب متعددة، ويستخدم أساليب متنوعة في التعليم، من المناقشة والمشاركة إلى المعايشة والتدريب والتعلم الذاتي.
وفي هذا التصور، لا يكون الهدف أن يحفظ الخادم مجموعة من المعلومات ثم ينقلها إلى الآخرين، وإنما أن يتعلم كيف يفكر ويتواصل ويشارك ويكتشف قدراته ويستخدمها داخل الخدمة.
وتتحدث الوثيقة عن التعليم التفاعلي من خلال الندوات والمناظرات ومجموعات العمل، والتعليم بالمشاركة والمعايشة، إضافة إلى التدريب العملي والتعلم الذاتي من خلال القراءة والتطبيق.
حتى الخادم الذي يبتعد عن الخدمة لفترة لا يُنظر إليه باعتباره خارج المنظومة إلى الأبد؛ فالدليل يقترح إعادة تأهيله قبل العودة، وفقًا لمدة التوقف وطبيعة الخدمة التي سيعود إليها. وفي المقابل، يؤكد أهمية إعداد جيل جديد من الخدام.
خادم يفهم الناس قبل أن يتحدث إليهم
الخدمة، في هذا التصور، ليست مجرد علاقة بين شخص يتحدث وآخر يستمع. هناك أطفال وشباب وأسر وشخصيات مختلفة، لكل منهم احتياجاته وظروفه وطريقته في التعامل.
ولهذا تظهر مهارات التواصل والحوار والعمل الجماعي ضمن المهارات العامة المطلوبة لجميع الخدام بمختلف مستوياتهم.
ويزداد الأمر وضوحًا عندما يصل الخادم إلى مستوى المسؤولية؛ إذ تتحدث الوثيقة عن التعامل مع الشخصيات الصعبة، والفروق الاجتماعية والثقافية بين المخدومين، والتعامل مع بعض الأسر، باعتبارها من التحديات التي قد تواجه المسؤول عن الخدمة.
وهنا يصبح الخادم مطالبًا بأن يفهم الإنسان الذي أمامه، لا أن يكتفي بما يريد هو أن يقوله.
من «الخدمة» إلى «الإدارة».. حين يكبر حجم المسؤولية
مع الوقت، قد ينتقل الخادم من مسؤولية مجموعة صغيرة إلى مسؤولية مرحلة أو فريق أو قطاع، وهنا تتغير طبيعة الدور، ولم يعد الأمر متعلقًا فقط بإعداد موضوع أو تنظيم لقاء، وإنما أصبح هناك احتياج إلى رؤية وخطة وأهداف وموارد ومتابعة وتقييم.
ولهذا يضع الدليل التخطيط الاستراتيجي ضمن برنامج إعداد القادة، بما يشمله من تحليل البيئة الداخلية والخارجية، ووضع الرؤية والرسالة وتحديد الأهداف، إلى جانب التخطيط التنفيذي وتقدير الاحتياجات وجمع البيانات وتحديد الموارد والأنشطة ثم المتابعة والتقييم.
وبعبارة بسيطة، الخادم الذي كان يفكر في «ماذا سأقدم في اجتماع الأسبوع المقبل؟»، يصبح القائد مطالبًا بأن يسأل سؤالًا أكبر: «إلى أين نريد أن تصل الخدمة؟ وكيف نصل إلى هناك؟».
إدارة الوقت.. لأن الخدمة ليست نشاطًا واحدًا
مع تعدد المسؤوليات، يصبح الوقت نفسه جزءًا من مهارات الخادم، ولهذا تضع الوثيقة إدارة الوقت ضمن المهارات القيادية التي يحتاج إليها الأمناء، إلى جانب الرؤية والتخطيط والتحفيز والتفويض واتخاذ القرار وإدارة الأزمات.
فالقائد الخدمي لا يتعامل مع مهمة واحدة؛ هناك اجتماعات، ومتابعة، وافتقاد، وتواصل مع الخدام والمخدومين، إلى جانب الأنشطة المختلفة.
ومن هنا تصبح القدرة على ترتيب الأولويات وإدارة الوقت جزءًا من القدرة على الاستمرار في الخدمة دون أن تتحول المسؤوليات المتزايدة إلى عبء غير منظم.
التفويض.. القائد الذى لا يعمل وحده
واحدة من النقاط اللافتة في تصور إعداد القادة هي «التفويض»، فالقائد، بحسب هذا التصور، ليس الشخص الذي يفعل كل شيء بنفسه، وإنما الشخص الذي يستطيع توزيع المسؤوليات وبناء فريق يعمل معه.
وتضع الوثيقة التفويض إلى جانب التحفيز وبناء الفريق وفن الإقناع والتفاوض وحل المشكلات،وهذا يرتبط بفلسفة الهيكل التنظيمي للخدمة التي تقوم على أن يكون لكل عضو دور محدد داخل فريق العمل، مع اكتشاف الطاقات والمواهب وإتاحة الفرصة لتنميتها.
عندما لا تكون المشكلة في «ماذا نفعل؟» بل «كيف نحل المشكلة؟»
الحياة اليومية لأي فريق عمل تحمل خلافات ومواقف مفاجئة وشخصيات مختلفة وقرارات تحتاج إلى حسم.
لذلك لا تكتفي الوثيقة بتقديم المعرفة، وإنما تضع التفكير التحليلي والنقدي والإبداعي والعلمي والموضوعي ضمن مهارات التفكير، ثم تضيف إليها حل المشكلات والتفاوض والتعامل مع الشخصيات الصعبة وإدارة الأزمات.
وهذه النقطة تعكس انتقالًا مهمًا في مفهوم إعداد الخادم: فالمطلوب ليس فقط أن يعرف الإجابة، وإنما أن يمتلك طريقة للتعامل مع السؤال عندما يكون معقدًا، ومع المشكلة عندما لا تكون لها إجابة جاهزة.
إدارة الأزمات.. اختبار حقيقي للقيادة
قد تكون الاجتماعات والأنشطة سهلة عندما تسير الأمور كما هو مخطط لها، لكن الاختبار الحقيقي لأي قائد يظهر عندما تتغير الظروف.
ولهذا تضع الوثيقة «فن إدارة الأزمات» ضمن المهارات القيادية، إلى جانب التفاوض وحل المشكلات وبناء فرق العمل.
وهنا يتحول التدريب من الجانب النظري إلى مهارة يحتاج إليها القائد عندما يواجه موقفًا غير متوقع، ويصبح عليه أن يحافظ على تماسك الفريق، ويدير الموقف، ويتخذ القرار المناسب.
من خادم جيد إلى قائد يصنع قادة
ربما تكون أهم فكرة في هذا التصور كله هي أن نجاح القائد لا يقاس فقط بما يفعله بنفسه، وإنما بما يستطيع أن يتركه وراءه من كوادر، فالوثيقة تضع «بناء قادة آخرين» و«الصف الثاني» ضمن المهارات القيادية، كما تؤكد فلسفة التنظيم أهمية خلق قيادات جديدة وإعداد صف ثانٍ واكتشاف الطاقات والمواهب.
كما تذكر الوثيقة أن من أهداف القيادة الجماعية إعداد قادة جدد وصف ثانٍ في الخدمة، مع تنمية الإبداع والتطوير والابتكار، وهنا تتغير المعادلة بالكامل؛ فالقائد لا يصبح مهمًا لأنه الأكثر ظهورًا، وإنما لأنه قادر على اكتشاف شخص آخر ومنحه فرصة، وتدريبه، ومساعدته على تحمل المسؤولية.
ليست مدرسة وعظ.. بل مساحة للتعلم المستمر
ومن اللافت أن الدليل يضع مجموعة متنوعة من وسائل تطوير الخدام، بينها إعداد الأبحاث، وتلخيص الكتب، والمسابقات، والمشروعات المهارية، واللقاءات والمؤتمرات الدورية، فضلًا عن تشجيع تبادل الخبرات بين الخدام عبر الوسائل الإلكترونية.
كما يطرح تصورًا لخريج إعداد الخدام باعتباره شخصًا متعمقًا روحيًا، ومفكرًا ومبدعًا، وقادرًا على التعامل مع متطلبات عصره، وناجحًا اجتماعيًا، مع امتلاك مهارات وقدرات تساعده في مجال الخدمة.
وبذلك تبدو رحلة الخادم، وفق التصور الوارد في الدليل، رحلة تعلم طويلة؛ تبدأ باكتشاف الاستعداد للخدمة، ثم التدريب، ثم الممارسة، ثم اكتساب الخبرة، ثم تحمل المسؤولية، وأخيرًا المساهمة في إعداد خدام وقادة جدد.
في النهاية.. صناعة الإنسان قبل صناعة القائد
وراء كل هذه المهارات، من التخطيط وإدارة الوقت إلى التفاوض وإدارة الأزمات، توجد فكرة واحدة تجمعها: صناعة الإنسان القادر على تحمل المسؤولية.
فالخدمة، كما يصورها الدليل، لا تحتاج فقط إلى شخص يعرف ماذا يقول، وإنما إلى شخص يستطيع أن يستمع ويتحاور ويعمل مع الآخرين، ويعرف كيف يخطط ويحل المشكلات ويدير الوقت ويتعامل مع الاختلاف، ثم يفسح المجال لغيره كى يتعلم ويقود.
وهكذا لا تنتهي رحلة الخادم عندما يصبح قائدًا، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ مرحلة يصبح فيها مطلوبًا منه ألا يحتفظ بالخبرة لنفسه، وإنما ينقلها إلى جيل جديد.
وهنا تكمن الفكرة الأهم في مشروع إعداد القادة: أن تستمر الخدمة من خلال الأشخاص الذين تصنعهم، لا من خلال شخص واحد فقط.
وهذا التصور، كما يرد في الدليل، يجعل إعداد الخدام والقادة جزءًا من منظومة أوسع لتنظيم وتطوير الخدمة، وليس مجرد دورات تدريبية عابرة.