يأتي نداء فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لتشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة لإنهاء الحروب والصراعات في المنطقة العربية، معبّرًا عن مسؤولية دينية وإنسانية تفرضها خطورة ما يجري؛ فالحروب لا تحصد الأرواح وحدها، بل تهدم الأوطان، وتستنزف الثروات، وتترك جراحًا تمتد آثارها إلى أجيال كاملة، وقد جعل الإسلام إصلاح ذات البين واجبًا، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «تَرى المُؤمِنينَ في تَراحُمِهم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشتَكى عُضوًا تَداعى له سائِرُ جَسَدِه بالسَّهَرِ والحُمَّى» رواه البخاري وغيره، وهي معانٍ لا ينبغي أن تبقى حبيسة الخطب والكلمات، بل يجب أن تظهر في المواقف والقرارات، وفي السعي الجاد لوقف القتال وحماية الأبرياء وفتح أبواب الحوار؛ فليس من الحكمة أن نترك الخلافات تتسع حتى يصبح الرجوع عنها بالغ الصعوبة، وليس من الدين ولا من المروءة أن نعتاد مشاهد الدم والدمار حتى تفقد أرواح الأبرياء قيمتها في أعيننا.
وليس هذا وقت الطائفية ولا النعرات المذهبية، ولا وقت أن يفرح فريق بإضعاف فريق آخر، أو يتصور طرف أن اشتعال النار بعيدًا عنه لا يعنيه، فالمنطقة كلها أمام خطر لا يستثني أحدًا، وإذا اتسعت دائرة الصراع فلن يسأل الخراب عن مذهب ضحاياه ولا عن انتماءاتهم، وإنما سيدفع الجميع ثمن الانقسام والعداء، ولعل المثل العربي «أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض» يلخص العاقبة التي ينبغي أن نتعلم منها، فحين يُترك طرف وحيدًا في مواجهة الخطر، قد يأتي الدور على الآخرين واحدًا بعد آخر، حتى لا يجد الجميع من ينصرهم، ومن هنا تبرز أهمية الوعي بوحدة المصير، وتغليب المصالح المشتركة، ورفض كل خطاب يؤجج الكراهية أو يبرر الاعتداء، مع التأكيد أن الدعوة إلى التهدئة لا تعني التفريط في الحقوق، وأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدل واحترام سيادة الدول وصون كرامة الشعوب، كما أن لمصر، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثقلها ودورها المعروف في دعم الاستقرار الإقليمي، وتظل الجهود المصرية والعربية الرامية إلى احتواء الأزمات ووقف التصعيد ذات أهمية بالغة في هذه المرحلة، بما يعزز فرص الحلول السياسية ويحول دون اتساع رقعة الحرب، فالمطلوب أن تتضافر جهود القادة والحكماء والمؤسسات الدينية والدبلوماسية لإنقاذ المنطقة، لا أن تنشغل بتصفية الحسابات بينما تتسع دائرة الخطر، فالأوطان لا يحميها التعصب، ولا تصونها الكراهية، وإنما تحميها الحكمة ووحدة الصف والقدرة على تقديم مصلحة الشعوب على كل اعتبار، ونداء الأزهر فرصة لأن تستعيد الأمة رشدها قبل أن تدفع ثمنًا أكبر، فنسأل الله أن يحفظ بلادنا والمنطقة العربية من الفتن والحروب، وأن يحقن الدماء، ويؤلف بين القلوب، ويهدي الجميع إلى ما فيه الخير والأمن والسلام.
نسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا ومصرنا الحبيبة، وأن يجنب أمتنا العربية والإسلامية الفتن والحروب، وأن يحقن دماء أبنائها، ويؤلف بين قلوبهم، ويهدي قادتها إلى ما فيه خير شعوبهم وصون أوطانهم، وأن يطفئ نيران الصراعات، ويبدل الخوف أمنًا، والفرقة وحدةً، والعداوة مودةً ورحمةً، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.