تمثل الرواية والقصة القصيرة السرد الحديث المعبر عن بنية الطبقة الوسطى المعاصرة وتطوراتها الفكرية والاجتماعية عبر التاريخ الحديث، وتتكدس الأدلة النقدية والتاريخية لتؤكد مقولة الناقد الكبير جورج لوكاتش بأن القصة القصيرة تزدهر عندما تكون الطبقة الوسطى مأزومة، بينما تزدهر الرواية عندما تكون هذه الطبقة في حالتها الثائرة الطامحة لتغيير واقعها وفرض حضورها.
وعند تطبيق هذه المقولة على مسار السرد المصري منذ نشأته في أوائل القرن العشرين، نجد انطباقها التام على المحطات التاريخية والفنية التي مر بها المجتمع المصري.
بدأت ملامح هذا الارتباط بوضوح مع اكتمال تشكل الطبقة الوسطى المصرية في أعقاب ثورة 1919، حيث ظهرت قصة «في القطار» لمحمد تيمور عام 1917 بوصفها نقطة انطلاق القصة القصيرة المصرية، تلتها جهود جماعة الفن الحديث عام 1923 التي عززت هذا الفن على يد الأخوين تيمور ويحيى حقي ومحمود طاهر لاشين، وظلت القصة القصيرة مهيمنة بتعبيرها عن أزمات تلك المرحلة، إلى أن تحولت الحالة المجتمعية نحو الثورة في منتصف الثلاثينيات عقب توقيع معاهدة 1936، وهو المناخ الذي شهد صدور كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين عام 1937، وصعود الرواية للمرة الأولى عبر كتابات نجيب محفوظ بداية بروايته «عبث الأقدار» عام 1939، معلنة بذلك عن صعود الطبقة الوسطى وطموحاتها.
وقد استمر هذا التناوب الدقيق بين النوعين الأدبيين تبعا لحالة الطبقة الوسطى حتى مطلع الستينيات، حيث ظهرت أزمة جديدة أفرزت جيل الستينيات في القصة القصيرة، والذي يمكن التأريخ لبدايته بمجموعة «عيش وملح» التي ضمّت أعمالاً لمحمد حافظ رجب وعز الدين نجيب وغيرهما، وتعمقت هذه الأزمة وزادت حدتها عقب هزيمة يونيو 1967 وما أعقبها من تأسيس مجلة «جاليري 1968» واهتمامها البالغ بالقصة القصيرة كوعاء تعبيري عن الإحباط والرفض والبحث عن الذات.
وظلت الأوضاع تتحرك في ذات السياق حتى واجهت الطبقة الوسطى أزمة جديدة مع حرب الخليج وعاصفة الصحراء عام 1991، وقد أعقب ذلك مرحلة جديدة من الكتابة السردية تأثر فيها الشباب بتداعيات الأزمة كما تأثروا بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وقد أدى هذا المناخ إلى ظهور جيل جديد من الكتاب يكتبون رواية تقترب في روحها وتقنياتها من القصة القصيرة، متمثلة في رواية الأصوات والمتوالية الروائية، وهو التيار الذي استمر متصاعدا حتى التحول نحو حالة جديدة مع مطلع الألفية والانفجار الروائي العظيم.
إن تتبع هذه المسارات يؤكد بوضوح أن الطبقة الوسطى كانت دائما هي المؤشر الحقيقي لصعود أي من النوعين الأدبيين، هذا المؤشر هو ما يفسر لنا الظاهرة القائمة حاليا والمتمثلة في الازدهار الملحوظ في كتابة القصة القصيرة لدى الأجيال الجديدة من الشباب، على الرغم من الهيمنة الظاهرة لدور النشر على إصدار الرواية وتسليط الضوء عليها، وبناء على هذه المعطيات التاريخية والنقدية المستمرة، يمكننا الترجيح والتوقع بظهور تيار قصصي جديد وفاعل في الأيام القادمة يعبر عن نبض الواقع وتحولاته.