هذا "فصل" غير معروف كثيراً في حياة إيزابيل ألليندي ففي خمسينيات القرن العشرين، وبينما كانت لا تزال في سن المراهقة، عاشت الكاتبة التي ستؤلف لاحقاً رواية "بيت الأرواح" في لبنان لمدة عامين، وتحديداً في المرحلة العمرية ما بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة وهي غير معروفة للكثيرين، تسلط ضوءاً جديداً على مسيرة شخصية تُعد اليوم واحدة من أبرز رموز الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصر.
وُلدت إيزابيل ألليندي عام 1942، وهي ابنة السفير التشيلي توماس ألليندي بيسي، وابنة شقيق سلفادور ألليندي، الرئيس التشيلي الذي أطاح به الجنرال أوجستو بينوشيه عام 1973.
وقد اتسمت حياة إيزابيل ألليندي بطابع المنفى؛ فقبل أن تصبح روائية، عملت كصحفية، ثم غادرت تشيلي عام 1975 لتجد ملاذاً أولاً في فنزويلا، ومن بعدها في الولايات المتحدة، حيث تقيم منذ قرابة أربعة عقود في ولاية كاليفورنيا ومع ذلك، ففي بيروت قبل ذلك بعقودتشكّل جزءٌ منسِيّ من قصتها الشخصية؛ وهي محطة تكشف عنها هذه القامة الأدبية الكبيرة، البالغة اليوم 84 عاماً.
تبدو هذه الفترة التي قضتها الروائية في لبنان والتي ذُكرت في بعض سيرها الذاتية وكأنها لم تحظَ باهتمام يُذكر؛ إذ يبدو أنها لم تشر إليها قط في مقابلاتها ومع ذلك، فعندما سألها الدبلوماسي التشيلي ماركوس كوريا عن سنواتها في لبنان، أخبرته بأنها "ذكرتها في كتاب "باولا" وهو الكتاب الوحيد لها الذي كُتب بضمير المتكلم؛ إذ تسرد فيه قصة عائلتها وحياتها الشخصية في قالب رسالة طويلة موجهة إلى ابنتها باولا، التي توفيت جراء إصابتها بمرض نادر"، بحسب ما يرويه الدبلوماسي لصحيفة لوريان لو جو الفرنسية.
ووفقاً للأرشيف، يُرجح أن عائلة إيزابيل الليندي عاشت في لبنان بحي فردان، وتحديداً في شارع تشيلي حيث كان يقع القنصلية التشيلية وشقة القنصل وليس في منطقة "العدلية" كما تشير الروائية.
لكن في نهاية المطاف، لا يهم كثيراً أن تكون الذاكرة غائمة بعض الشيء؛ فما يثير الانتباه في إجاباتها على أسئلة الصحيفة الفرنسية هو الحيوية التي تستحضر بها وجوهاً ومشاهد ومشاعر معينة فمن خلال ذكرياتها، نلقي نظرة على بيروت في خمسينيات القرن الماضي، بطابعها الخاص وأجوائها الحضرية الفريدة وبدايات أحداثها السياسية، كما نلمس شخصيتها المتوقدة وشغفها بسرد القصص، وهما سمتان طبعتا أعمالها الأدبية وإلى الحوار الذى أجرته معها لوريان لو جور الفرنسية.
إيزابيل ألليندي، أخبرينا كيف وجدتِ نفسك في بيروت خلال خمسينيات القرن العشرين؟
كان زوج والدتي، رامون ويدوبرو، دبلوماسياً يتولى إدارة القنصلية والشؤون التشيلية في المنطقة. كان المكتب ومقر إقامتنا في بيروت، في مبنى حديث يطل على ساحة مستديرة في منطقة العدلية وهو موقع كان مركزياً خلال الأزمة السياسية المضطربة عام 1958، التي أدت إلى إنزال قوات مشاة البحرية الأمريكية "المارينز"، مكثوا هناك ثلاثة أشهر، وفي تلك الفترة تلقيتُ قبلتي الأولى من أحد هؤلاء الجنود الشباب جداً؛ كانت تفوح منه رائحة العلكة والسجائر، لم أنسه قط، رغم أن تلك القبلة لم تكن تشبه أبداً القبلات التي نراها في الأفلام.
ما هي الذكريات التي تحتفظين بها عن هذه المدينة وعن لبنان بشكل عام؟
كانت بيروت بمثابة "باريس الشرق الأوسط"، ومركزاً للبنوك الدولية، ومتاجر المجوهرات، والمطاعم، ودور الأزياء، وغيرها. قدمت المدينة تبايناً مذهلاً بين المباني الحديثة والقديمة؛ وبين المساجد والكنائس والمعابد اليهودية؛ وبين سيارات "كاديلاك" الفارهة والجمال التي كانت تسير في الشوارع. ضجيج حركة المرور، والموسيقى العربية، وصوت الأذان، مظاهر التجارة في كل مكان!
في ذلك الوقت، لم تكن للفتيات في مثل سني حياة اجتماعية؛ فلم يُسمح لنا بالخروج إلى الشارع بمفردنا أو حضور أي حفلات. كانت حياتي مقتصرة على المنزل والمدرسة. أحياناً كنا نذهب إلى الشاطئ لكنها لم تكن تجربة سارة؛ إذ كان عدد النساء هناك قليلاً جداً، وغالباً ما كن يتعرضن للمضايقات. أما السباحة، فكانت تتم في نوادٍ خاصة. ومع ذلك، كنا نذهب إلى ساحة التزلج وإلى دور السينما، رغم أن أفلام الأطفال كانت نادرة جداً في ذلك الوقت. كان شغفي الحقيقي الوحيد هو القراءة. ومن أجمل ذكرياتي قراءة كتاب "ألف ليلة وليلة" -الذي كان يُعتبر حينها كتاباً إباحياً ومحظوراً عليّ حيث كنت أختبئ داخل دولاب ملابس زوج أمي ومعي مصباح يدوي وكانت تلك بداية شغفٍ بالقصص رافقني طوال حياتي.
التحقتُ بالمدرسة اللبنانية البريطانية للفتيات، التي كانت تقع في مبنى عثماني جميل في حي "زقاق البلاط". كانت مديرة المدرسة، الآنسة "آيرين سانت جون"، بطلتي؛ فقد كانت طويلة القامة، نحيلة، منتصبة القامة تماماً، هادئة الأعصاب، وصارمة لكنها عطوفة في الوقت ذاته. تمنيتُ لو أكون مثلها، لكنني لم أمتلك المقومات؛ فقد كنت قصيرة القامة وسريعة الغضب. كنا نبدأ يومنا بالصلاة؛ حيث كانت جميع الأديان مقبولة، وكانت الممارسات الروحية جزءاً من المنهج الدراسي.
عشنا وفقاً للمعايير الفيكتورية -وهو أمر يبدو عبثياً عند النظر إليه اليوم- لكنني أحببت ذلك. كانت ظروفي العائلية معقدة وغير سعيدة تماماً، فمنحتني المدرسة نظاماً واضحاً، وقواعد محددة، وشعوراً بالأمان، ومنظومة أخلاقية ظلت تدعمني طوال سبعين عاماً. كنا نرتدي زياً موحداً: تنورة ذات ثنيات وقميصاً باللون الأزرق الفاتح أو الأبيض؛ وهو أمر أحببته أيضاً لأنه لم يكن بإمكان أحد التباهي بمظهره. لم يكن للغرور أو التفاخر مكانٌ بيننا.
كان هناك عدد من الطالبات المقيمات في السكن الداخلي، من بينهن فتاة هندية جميلة تُدعى "شيرلي"، ذات شعر طويل ورموش كثيفة، أُخرجت شيرلي من المدرسة وهي في الخامسة عشرة من عمرها، لأن والديها رتبا لها زواجاً في موطنها؛ علماً أنها لم تكن قد التقت بخطيبها من قبل، وكان يكبرها بثمانية عشر عاماً. أما أعز صديقاتي فكانت "إليزابيث جرينفيل"، التي كانت تعيش مع أختها غير الشقيقة ذات الطباع السيئة. هاجرت إليزابيث لاحقاً إلى كندا، حيث لا تزال تقيم حتى اليوم، وقد ظلت صداقتنا مستمرة إلى وقتنا الحاضر.
هل تظهر هذه "التجربة اللبنانية" من أيام شبابك في أي من مؤلفاتك؟
في روايتي الثالثة "إيفا لونا"، تظهر شخصية تاجر عربي، وهو مهاجر مسلم تقليدي يصبح بمثابة حامٍ للبطلة الشابة، ويؤدي دور الأب في حياتها. لقد تمكنت من الاستعانة بالكثير مما رأيته وتعلمته في لبنان لبناء هذه الشخصية. لقد كانت تلك التجربة اللبنانية بالغة الأهمية بالنسبة لي خلال سنوات تكويني، وأعتقد أنها تركت أثراً في كتاباتي؛ فقد علمتني كيف أراقب وأستمع بتمعن، وكيف أنتبه لكل ما يحيط بي، وكيف أدرك العالم بكل حواسي، كما غرست فيّ حب القصص والكلمة المكتوبة.