عادل السنهورى

معركة العشوائيات الكبرى...أيام الدويقة

الخميس، 22 أكتوبر 2026 12:34 م


بالأمس وأثناء حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي جلسة التنمية الحضرية والعمرانية ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 وبينما كان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء يستعرض تفاصيل المعركة الكبرى – أو أم المعارك في رأيي- للقضاء على العشوائيات التي انتشرت كالسرطان في معظم محافظات مصر  وحول العاصمة التاريخية فيما يشبه بحزام الفقر والقنابل الموقوتة مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، عادت بي الذاكرة الى عام 87 مع بدايات عملي الصحفي في صحيفة " صوت العرب" الذي أصدرها وتولى رئاسة تحريرها الأستاذ عبد العظيم مناف- رحمه الله-

اقترحنا أنا والزميل طلعت اسماعيل والزميل أحمد عبد الرازق خلال اجتماع قسم التحقيقات الصحفية بالصحيفة (كان يترأسه الكاتب الصحفي الكبير أحمد عز الدين) باجراء تحقيق صحفي حول المناطق العشوائية حول القاهرة التي كانت آخذة في التوسع والتمدد وجذب فئات اجتماعية من داخل القاهرة وخارجها وتحولت الى مستوطنات بعيدة عن سلطة الدولة وتفتقر لأبسط أنواع الخدمات المعيشية والصحية، وخطورة هذه المناطق واحتضانها لكافة أشكال العنف والخروج عن القانون.

لم تكن هناك إحصاءات رسمية ودقيقة تحصي عدد المناطق العشوائية في مصر بشكل كامل في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، لكن التقديرات الرسمية والأمنية بدأت في الالتفات بجدية لهذه الظاهرة البائسة عقب زلزال 1992، حيث قدر عددها وقتها بمئات المناطق التي تركزت في حزام القاهرة الكبرى وبعض المدن الكبرى قبل أن تسجل التقارير اللاحقة في عام 1997 أرقاماً شملت آلاف التجمعات العشوائية غير الرسمية.

التحقيق الذي قمنا به كان بمثابة " جرس انذار" وتحذير لهذه الظاهرة الخطيرة في بداية انتشارها...اخترت منطقة الدويقة ومنشية ناصر و ذهب طلعت الى منطقة زهراء المعادي، وأحمد عبد الرازق الى حكر أبو دومة و منطقة آخرى لا أتذكرها الآن...المغامرة الصحفية بالنسبة لي تحولت الى معايشة كاملة مع عدد من الأسر التي سكنت الدويقة في منطقة تسمى "الوحايد" – عبارة عن غرفة واحدة وصالة صغيرة وحمام بدائي وطرقة صغيرة للمطبخ ومغطاة بالصاج بأرضية رملية –.

عشت أياما استمرت بعد ذلك لأكثر من عامين- فيما يشبه الى حد ما فيلم أرض الخوف للعبقري أحمد ذكي- انتهيت من المهمة الصحفية عن حياة 200 ألف نسمة يعيشون في سقف القاهرة وقاع واستهواني العيش في الدويقة بكل تفاصيل الحياة العشوائية. أدهشني ناسها الطيبين القادمين من أحياء القاهرة القديمة بعد انهيار منازلهم وأحلامهم البسيطة في سكن يليق بالبشر وبلقمة عيش هنية وفرصة عمل تسد احتياجات الحياة اليومية.

السؤال الذي كان يقلقني دائما هو هل يبقى هؤلاء البشر في تلك الظروف غير الآمية حتى آخر العمر.. أين الحكومة من هؤلاء ولماذا لا تسعى لتوفير سكن ملائم وعيشة كريمة لرعاياها من سكان العشوائيات في الدويقة..؟ هل العيش في الدويقة بالنسبة لهؤلاء البسطاء الطيبون قدر محتوم ..؟.

أسئلة غابت عنها الاجابات وانشغلت عنها الحكومة بسياسات الانفتاح والبيع في التسعينات و غفلت عنها في السنوات اللاحقة حتى انتشرت كالسرطان في جسد المحروسة في أكثر من 19 محافظة وأصبحت عنوانا ومرادفا للفقر والحياة البائسة التي تعيشها مصر وتحولت الى أماكن اغراء لعدد من الأفلام السينمائية حتى باتت هي الصورة المصدرة عن الحياة في مصر.

تضخمت العشوائيات حتى أصبحت -وفقًا للبيانات الرسمية- تحتل نحو 417 ألف فدان من إجمالي الكتلة العمرانية البالغة 226مدينة، أي ما يمثل حوالي 37.5% من المساحة العمرانية حتى عام2014.

استعيد مرة أخرى- مع جلسة الأمس وحضور الرئيس السيسي- كلمة مؤثرة لايمكن نسيانها للرئيس نفسه في مؤتمر الشباب بالاسماعيلية في ابريل 2017 . يومها قال الرئيس " بيعايرونا بفقرنا.. لكن احنا مش هانسكت".

أطلق الرئيس السيسي اشارة البدء لأم المعارك في حرب البناء والتعمير في مصر وهي معركة القضاء على العشوائيات وفق رؤية مصر ۲۰۳۰ التي خصصت محورًا كاملاً يتناول التنمية العمرانية، ومكافحة ظاهرة العشوائيات والمناطق غير الآمنة وتوفير مناطق سكانية بديلة تعليق بالحياة الآدمية وتتمتع بكافة الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية جهود الدولة أسفرت عن تنفيذ 51 مشروعًا في 19 محافظة ضمن برامج تطوير المناطق غير الآمنة والقضاء على العشوائيات، بما أسهم في توفير أكثر من 74ألف وحدة سكنية بديلة لتلبية احتياجات الأسر المستحقة وتحسين مستوى المعيشة..

معركة القضاء على العشوائيات كانت تستحق رغم التكلفة الضخمة، فقد بلغ إجمالي ما أنفقته الدولة على هذا المشروع القومي حوالي 425 مليار جنيه. الانتصار في هذه المعركة يكفي وحده ليكون عنوانا وانجازا مشرقا وباهرا لمرحلة ما بعد 30 يونيو 2013




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة