في غزة، لا تشبه ليلة أخرى ما سبقتها، ولا يأتي الصباح دائما محملا بأخبار النجاة، هنا، ينام الخوف بين الأزقة، وتظل العائلات معلقة بين رجاء أن تمر الليلة بسلام، وقلق من قصف قد يبدل ملامح الحياة في لحظة واحدة.
استشهاد أكرم وزوجته
في محيط مجمع الشفاء الطبي، غربي مدينة غزة، انتهت حكاية أكرم ياسين وزوجته دينا أبو بكر على نحو لم يكن لهما أن يتخيلاه، داخل شقتهما السكنية، حيث يفترض أن يجد الإنسان ملاذا من ضجيج الحرب، كانا يحاولان لملمة تفاصيل يومهما والتمسك بما تبقى من الأمل، وسط واقع يثقل القلوب بالخوف والترقب.
منزل أكرم
قصف مفاجئ
القصف جاء بغتة، ليبدد سكينة المكان ويحول الشقة إلى ركام، وتنتهي حياة الزوجين معا، بعدما كانا يتقاسمان تفاصيلها الصغيرة وأحلامهما في غد أكثر أمانا.
لم تكن الشقة بالنسبة إليهما مجرد جدران وسقف، بل مساحة لحياة مشتركة، وملاذا يحاولان داخله صناعة شيء من الدفء في مدينة أنهكتها الحرب، غير أن القصف لم يترك لهما فرصة أخرى، ولم يمهل أحلامهما لتكتمل، فبقيت الحكاية معلقة بين تفاصيل يوم عادي ونهاية مأساوية لا تستوعبها الكلمات.
دمار البيوت
داخل القطاع، لا ينتهي القصف عند لحظة الانفجار، بل يبدأ بعدها وجع آخر، وجع البيوت التي تهدمت، والأسر التي تبحث عن أحبائها، والأماكن التي كانت بالأمس مأهولة بالحياة، ثم تحولت إلى شواهد على الفقد.
مع كل صباح، تتجدد الأسئلة ذاتها: من نجا هذه المرة؟ ومن غاب عن مائدة عائلته؟ وأي بيت سيبقى قائمًا حتى المساء؟ ففي مدينة تعيش تحت وطأة الخوف، لم يعد النوم ضمانا للراحة، ولا الاستيقاظ أمرا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.
رحل أكرم ودينا معا، وبقيت حكايتهما فصلا من المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة، حيث يواجه المدنيون خطرا يلاحقهم حتى داخل منازلهم، وحيث تتحول أبسط حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الأمان والحياة، إلى أمنيات معلقة على أمل أن تتوقف الحرب.
أخذ القصف منزلهما، لكنه ترك وراءه حكاية روحين جمعتهما الحياة، وفرقهما الموت عن العالم الذي عرفاه، من دون أن يمحو أثرهما من ذاكرة من عرفوهما.
وفي غزة، تستمر الحكايات، لا لأن الوجع انتهى، بل لأن خلف كل اسم غائب حياة كاملة، وخلف كل بيت مدمر ذكريات وأحلاما وأشخاصا كانوا ينتظرون يوما عاديا آخر، لا يحمل خبرا عن الموت.
كانت ليلة أخرى من ليالي غزة، لكنها بالنسبة إلى أكرم ودينا كانت الليلة الأخيرة، ليلة انطفأت فيها حياة زوجين، وبقيت المدينة تحمل وجع الفقد، وتنتظر صباحا لا يبدأ بخبر جديد عن ضحايا القصف.