ليس بالضرورة أن تعيش على أطراف المدينة حتى تكون من المهمشين. قد تسكن قلبها، وتعبر شوارعها، وتحرس بناياتها، وتطل من نوافذها على عالم يبدو قريبا، لكنه عصي على الامتلاك. وقد
تتحول الحياة نفسها إلى مساحة ضيقة، تتراكم داخلها الهزائم الصغيرة والمشاعر المكبوتة، حتى يصبح الصمت وسيلة للنجاة، والخوف سجنا لا يحتاج إلى جدران.
هذه الأرواح التي تختنق داخل أجسادها وأماكنها هي ما ظل يشغل محمد حماد منذ بداياته السينمائية. شخصيات تعيش في قلب المدينة، لكنها تقبع على هامشها اجتماعيا وإنسانيا، تبحث عن مساحة تخصها، وعن منفذ تتسلل منه إلى حياة أقل قسوة وأكثر احتمالا.
عرفت محمد حماد منذ أكثر من عشرين عاما، حين كان شابا محبا للفن والسينما، يفكر في العمل بالصحافة، قبل أن يخبرني ذات يوم أنه يريد أن يصبح مخرجا، أن يرى العالم ويحكيه بعينيه. أتذكر كيف كان يأتي حاملا اللاب توب، لنجلس معا نشاهد أفلامه القصيرة، ونتحدث عن شخصياته وتفاصيل عالمه.
أتذكر «الجنيه الخامس»، الفيلم القصير الذي شارك حماد في كتابته وإنتاجه وأخرجه أحمد خالد، وحكاية شابين داخل أتوبيس مكيف كانت تذكرته بخمسة جنيهات. ثم «سنترال» الذي أخرجه حماد، وفيه تتحول كابينة الهاتف إلى مساحة تنكشف داخلها الرغبات والتناقضات المختبئة خلف وجوه عادية ومظاهر اجتماعية مألوفة.
منذ تلك البدايات، بدا واضحا أن حماد لا ينشغل بالحكاية وحدها، وإنما بما تخفيه الشخصيات أكثر مما تعلنه، وبالعلاقة الملتبسة بين الإنسان والمكان. الأتوبيس وكابينة الهاتف، ثم البيت في «أخضر يابس»، وصولا إلى البناية وسطحها في «خروج آمن»، أماكن يفترض أن تمنح أصحابها الحركة أو الخصوصية أو الأمان، لكنها تتحول إلى مساحات للحصار.
وأظن أن حماد كان، في كل مشروع من مشروعاته، يبحث عن خروج آمن لشخصياته. كأن عنوان فيلمه الروائي الطويل الثاني، الذي عرض في قسم «بانوراما» بمهرجان برلين السينمائي، ثم ضمن مسابقة مهرجان الجونة، كان حاضرا في عالمه طوال الوقت، قبل أن يجد أخيرا صياغته الدرامية والبصرية.
في «خروج آمن» نلتقي سمعان، الشاب المسيحي الذي يعمل حارس أمن ليليا في إحدى بنايات القاهرة، ويعيش أسير صدمة لم يستطع تجاوزها، بعدما شهد مقتل والده على يد تنظيم داعش في ليبيا. نجا بجسده، لكن روحه ظلت عالقة في لحظة العنف والفقد، حتى بدا وكأنه يعيش حياة مؤجلة، عاجزا عن استعادة ما كان عليه أو التقدم إلى ما يمكن أن يكونه.
سمعان قليل الكلام، شديد التحفظ، يراقب الآخرين أكثر مما يشاركهم الحياة. يحاول كتابة حكايته، وكأن الكتابة وسيلته لترتيب ذاكرة أفلتت منه. والمفارقة أن عمله يقوم على الحراسة والحماية، بينما هو نفسه يفتقد الإحساس بالأمان.
يدفع حماد هذه المفارقة إلى منطقة أكثر قسوة حين يجعل من ضحية الإرهاب شخصا متورطا في حماية إرهابي. يتقاضى سمعان المال من أم عبد الله المطلوب أمنيا، ويحذره كلما حضرت الشرطة للبحث عنه، لا يفعل ذلك اقتناعا بأفكاره، وإنما خوفا منه، واحتياجا إلى المال، وعجزا عن المواجهة.
هنا تتجاوز الحكاية الإدانة المباشرة للتطرف، لتشتبك مع سؤال أخلاقي أكثر تعقيدا: كيف يمكن لضحية العنف أن تصبح، بصمتها وعجزها، جزءا من استمرار الدائرة نفسها التي دمرت حياتها؟ ومتى يتحول الخوف من وسيلة للنجاة إلى شكل من أشكال التواطؤ؟
لا يقدم حماد سمعان باعتباره بطلا نقيا أو ضحية مثالية، وإنما إنسانا مأزوما تتداخل داخله مشاعر الذنب والعجز والرغبة في البقاء. وهذه المنطقة الرمادية من أكثر مناطق الفيلم ثراء، لأنها ترفض الإجابات السهلة.
وتحمل أسماء سمعان وفاطمة وعبد الله إحالات دينية واضحة، لكنها لا تختزل أصحابها في انتماءاتهم. فسمعان الذي فقد والده بسبب التطرف الديني لا يبدو منشغلا بالإيمان بقدر انشغاله بالخوف، بينما يحول عبد الله يقينه إلى عنف، وتأتي فاطمة لتفتح مساحة أخرى للعلاقة مع الآخر.
فاطمة التي لا تحمل بطاقة هوية، وتعاني نوبات مرضية، وتبحث عن مكان يأويها، تبدو وكأنها محرومة حتى من الاعتراف الرسمي بوجودها. لكنها ليست مجرد ضحية أخرى، وإنما شخصية تمتلك رغبتها في الحياة، وتحاول بما تملكه من حيلة وإصرار أن تنتزع لنفسها قدرا من الأمان.
والعلاقة التي تتشكل بينها وبين سمعان من أكثر مناطق الفيلم رهافة وإنسانية. لا يحولها حماد إلى حكاية حب تقليدية، ولا يجعل من فاطمة وسيلة جاهزة لإنقاذ سمعان من عزلته، وإنما يترك الألفة تنمو بين شخصين يعرف كل منهما معنى الهشاشة والوحدة. والمفارقة أن فاطمة، التي لا تملك أوراقا تثبت هويتها، أكثر قدرة على إعلان رغبتها في الحياة من سمعان، الذي يمتلك اسما وعملا ومكانا، لكنه يكاد يكون غائبا عن نفسه.
وتتسع الدائرة مع عبد الله وأمه، وعم عربي الذي يشارك سمعان المناوبة، لتكشف عن مجتمع تختلط فيه الحاجة بالاستغلال، والخوف بالطاعة، وتتسلل علاقات القوة إلى تفاصيل الحياة اليومية.
أما القاهرة، فهي ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما شريك في تشكيل مصائر الشخصيات. يعيش سمعان فوق سطح بناية في قلب المدينة، مرتفعا عنها جغرافيا، لكنه يقبع في قاعها اجتماعيا. يرى العالم من أعلى، دون أن يمتلك القدرة على المشاركة فيه.
وتتجسد هذه المفارقة في زوايا التصوير الضيقة، والممرات والأبواب والشبابيك التي تطل منها الشخصيات، وكأنها تختبر المسافة بينها وبين حياة أخرى لا تستطيع بلوغها. وحتى الأماكن المفتوحة لا تمنح إحساسا حقيقيا بالحرية، بل تبدو امتدادا للحصار.
ومن خلال تكوينات بصرية محكمة، يختار حماد السكون والثبات، ويمنح الوجوه وقتا كي تفصح عما تعجز الكلمات عن قوله. تصبح الصورة، بما تحمله من فراغات ومسافات وحواجز، امتدادا لحالة سمعان النفسية. ويساهم التصوير في تحويل المكان إلى تعبير عن العزلة، لا مجرد إطار تتحرك داخله الشخصيات.
ويأتي شريط الصوت أحد عناصر الفيلم الأكثر حساسية؛ اقتصاد في الحوار، وتوظيف محسوب للمؤثرات والموسيقى، ومساحات من الصمت تتحول إلى لغة للمشاعر المكبوتة. فالشخصيات لا تقول كل ما تعرفه، ولا تملك دائما القدرة على تسمية ما تشعر به.
ويحسب لحماد اختياره وجوها غير مستهلكة سينمائيا لبطولة الفيلم. يقدم مروان وليد شخصية سمعان بأداء داخلي شديد التحفظ، يعتمد على النظرات والتردد والانفعالات الصغيرة، دون استدرار للتعاطف. وتمنح نهى فؤاد شخصية فاطمة حضورا حيا يجمع بين الهشاشة والعناد. وتنجح العلاقة بينهما في خلق لحظات إنسانية مؤثرة، بعيدا عن الرومانسية المفتعلة.
لكن الاقتصاد في التعبير، الذي يمثل إحدى نقاط قوة الفيلم، يكشف أيضا عن بعض مواطن ضعفه.
فاختيار تقسيم الحكي إلى مقاطع تحمل عناوين مثل «قال لي أبي»، و«قالت لي فاطمة»، و«قال لي عبد الله»، يمنح السرد طابعا اعترافيا، وكأن سمعان يحاول إعادة تركيب حياته من خلال الأصوات التي تركت أثرها داخله. غير أن التعليق الصوتي يتحول أحيانا إلى شرح لما نجحت الصورة والأداء بالفعل في التعبير عنه، فيبدو السيناريو أقل ثقة باللغة البصرية التي يمتلكها المخرج.
كذلك فإن السكون، رغم اتساقه مع عالم الفيلم، يتحول أحيانا إلى بطء يؤثر على الإيقاع. بعض المشاهد تستغرق وقتا أطول مما تحتاجه، ويتراجع معها التوتر الدرامي. وهناك فارق بين أن تمنح الصورة زمنها كي تتنفس، وأن يصبح الزمن عبئا عليها.
ويزداد الأمر وضوحا مع تراكم المآسي التي تحاصر سمعان وفاطمة؛ الصدمة القديمة، وسجن الأخ، والفقر، والخوف من عبد الله، ومرض فاطمة، وغياب المأوى. كلها خطوط تحمل إمكانات إنسانية ودرامية، لكنها لا تحظى دائما بالتطور الكافي، حتى يبدو السيناريو أحيانا أكثر انشغالا بتأكيد قسوة العالم من تعميق دوافع شخصياته.
ولعل هذا ما يجعل بعض الشخصيات، خاصة عبد الله وعم عربي، أقرب أحيانا إلى وظائف درامية ورمزية منها إلى شخصيات مكتملة الأبعاد. فالغموض الذي يثري الحكاية حين ينبع من تعقيد الإنسان، قد يتحول إلى نقص حين يحجب عنا دوافع ضرورية لفهم أفعاله.
كما أن حرص حماد على إحكام بعض التكوينات البصرية يجعله أحيانا شديد الوعي بجماليات الصورة، إلى حد يبدو معه حضور الصنعة أكثر وضوحا من تلقائية الحياة داخل الكادر. وهو ما يطرح سؤالا حول المسافة بين الصورة الجميلة والصورة الضرورية دراميا.
ومع ذلك، يستعيد الفيلم في نهايته قدرا من التوتر الذي افتقده في بعض أجزائه، حين يتحول ما تراكم داخل سمعان من خوف وعجز إلى فعل. لا يقدم حماد خلاصا عاطفيا سهلا، ولا يمنح شخصياته انتصارا صاخبا، وإنما يظل وفيا للنبرة المتحفظة التي اختارها منذ البداية.
ما يهمني في «خروج آمن» ليس فقط اشتباكه مع التطرف الديني أو الصدمة النفسية، وإنما قدرته على رصد العنف البطيء الذي تمارسه الحياة اليومية على البشر، حين يصبح الاحتياج وسيلة للابتزاز، والخوف شكلا من أشكال الطاعة، والصمت شرطا للاستمرار.
وبين «الجنيه الخامس» و«سنترال» و«أخضر يابس» و«خروج آمن»، تتضح ملامح مشروع محمد حماد السينمائي، الذي ينضج خطوة بعد أخرى وبنفس هادئ، محتفظا بانحيازه إلى البشر المحاصرين بالمكان والخوف والذاكرة. وفي «خروج آمن» تحديدا، لا يعود السؤال كيف ينجو الإنسان من الموت، بل كيف يستعيد قدرته على الحياة.
الفيلم المصري خروج آمن
خروج آمن
فيلم خروج آمن