لم يكن الجنديان الكوريان الشماليان اللذان أُسرا خلال مشاركتهما في الحرب الروسية الأوكرانية يتوقعان أن يتحول مصيرهما إلى أزمة دبلوماسية بين دولتين لا تخوضان حربًا ضد بعضهما. فبعد نقلهما إلى كوريا الجنوبية استجابة لرغبتهما في عدم العودة إلى بلادهما، تسبب الإعلان عن العملية في خلاف متصاعد بين سيول وكييف، وصل إلى استدعاء السفير الكوري الجنوبي، ثم قرار تقليص البعثة الدبلوماسية في أوكرانيا.
وأعلنت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية، الثلاثاء، سحب جزء من موظفي سفارتها في كييف، احتجاجًا على ما وصفته بعدم اتخاذ أوكرانيا خطوات إيجابية لتسوية الخلاف، إلى جانب المخاوف على سلامة الدبلوماسيين جراء الهجمات الروسية المستمرة.
لكن كيف تحولت عملية نقل جنديين من الأسر إلى بلد يرغبان في العيش فيه إلى أزمة تهدد الثقة بين دولتين تتقاطع مصالحهما في مواجهة التعاون العسكري الروسي الكوري الشمالي؟
من جبهة كورسك إلى سيول
بدأت القصة في يناير 2025، عندما أعلنت أوكرانيا أسر جنديين كوريين شماليين خلال القتال في منطقة كورسك الروسية، ضمن القوات التي أرسلتها بيونج يانج لدعم موسكو في حربها.
وأبدى الجنديان لاحقًا رغبتهما في الانتقال إلى كوريا الجنوبية، خشية التعرض للعقاب إذا أُعيدا إلى الشمال، وهو ما فتح الباب أمام اتصالات بين سيول وكييف لترتيب نقلهما.
وفي منتصف سبتمبر 2026، وصل الجنديان بالفعل إلى كوريا الجنوبية، دون إعلان رسمي واسع عن العملية. لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كشف عن نقلهما خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر، لتبدأ أزمة لم تكن مرتبطة بعملية النقل نفسها، وإنما بالإعلان عنها.
اتفاق على السرية أم سوء تفاهم؟
تقول كوريا الجنوبية إن نقل الجنديين جرى بموجب تفاهم يقضي بالحفاظ على سرية العملية، حماية لهما ولأفراد عائلتيهما الذين ما زالوا في كوريا الشمالية.
ووفقًا لرواية جهاز الاستخبارات الكوري الجنوبي، فإن الجانب الأوكراني كان أول من طلب الحفاظ على السرية خلال المفاوضات، بسبب المخاوف من تأثير الإعلان على عمليات تبادل أسرى محتملة.
لكن أوكرانيا تنفي التوصل إلى اتفاق يلزمها بعدم الكشف عن عملية النقل، وهو ما جعل الخلاف يتجاوز الإعلان نفسه إلى التشكيك في طبيعة التفاهمات التي جرت بين الطرفين.
وطالبت سيول بتفسير رسمي واعتذار، قبل أن تستدعي سفيرها من كييف في الثامن من أكتوبر، ثم تقرر تقليص عدد موظفي السفارة بعد نحو أسبوعين. وفي المقابل، أكدت أوكرانيا استعدادها للحوار، داعية إلى معالجة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية.
وبذلك، لم تعد المسألة تتعلق فقط بما إذا كان الإعلان مناسبًا، وإنما بما إذا كانت إحدى الحكومتين قد أخلّت بتعهد قدمته للأخرى، وهي نقطة لا تزال محل خلاف بين الروايتين الرسميتين.
لماذا تخشى سيول إعلان وصول الجنديين؟
تستند المخاوف الكورية الجنوبية المعلنة إلى احتمال تعرض أقارب الجنديين في كوريا الشمالية لإجراءات انتقامية، في ظل سجل بيونج يانج في التعامل مع حالات الانشقاق التي تحظى باهتمام إعلامي.
لكن ثمة اعتبارات سياسية أوسع طرحها محللون؛ فالحكومة الكورية الجنوبية تسعى إلى تهيئة ظروف لاستئناف الحوار مع الشمال، وقد يؤدي الإعلان عن استقبال جنديين شاركا في القتال إلى جانب روسيا إلى زيادة التوتر بين الجانبين.
وفي المقابل، يرى محللون أن إعلان زيلينسكي ربما كان يهدف إلى إبراز التعاون مع سيول، وتشجيعها على تقديم دعم أكبر لأوكرانيا في مواجهة روسيا، خصوصًا مع مشاركة القوات الكورية الشمالية في الحرب.
غير أن هذه التفسيرات تظل قراءات سياسية، وليست دوافع أعلنتها الحكومتان رسميًا؛ فسيول تتمسك بحماية الجنديين وعائلتيهما، بينما تنفي كييف مخالفة اتفاق على السرية.
جنديان يكشفان تعقيدات التحالفات
تكشف الأزمة عن تباين الأولويات بين دولتين تتشاركان القلق من التعاون العسكري بين موسكو وبيونج يانج، لكنهما تنظران إلى تداعياته من زاويتين مختلفتين.
فبالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل وجود جنود كوريين شماليين في صفوف القوات الروسية دليلًا على اتساع نطاق الدعم العسكري الذي تتلقاه موسكو. أما كوريا الجنوبية، فتتعامل مع المسألة أيضًا من منظور علاقتها المباشرة بالشمال، وما قد يترتب على كل خطوة علنية من تداعيات على أمن المواطنين والعائلات والعلاقات بين الكوريتين.
ولهذا لم يؤدِ نجاح نقل الجنديين إلى تعزيز العلاقات بين سيول وكييف كما قد يبدو متوقعًا، وإنما كشف عن اختلاف في تقدير كلفة الإعلان عن العملية.
ورغم تصاعد الخلاف، أبقت كوريا الجنوبية على القائم بالأعمال والموظفين الأساسيين في سفارتها، مؤكدة استمرار التواصل مع السلطات الأوكرانية والسعي إلى تسوية ودية.
وهكذا، انتهت رحلة جنديين من ساحة القتال في روسيا إلى كوريا الجنوبية، لكن الخلاف بشأن الإعلان عن وصولهما ظل مفتوحًا بين سيول وكييف، ليكشف كيف يمكن لعملية تتفق دولتان على هدفها أن تتحول إلى أزمة عندما تختلفان بشأن كيفية التعامل مع نتائجها.