نقيب الأطباء البيطريين: التعيينات متوقفة منذ أكثر من 20 عاما.. ومطالب بإعادة هيكلة الطب البيطري وتوحيد تبعيته الإدارية
بالتزامن مع انطلاق فعاليات «منتدى مصر 2026»، تبرز أهمية تطوير منظومة الطب البيطري باعتبارها أحد أبرز الملفات المرتبطة مباشرة بصحة المواطن وسلامة الغذاء والأمن الغذائي، في ظل التحديات الجسيمة التي تواجه توفير الكوادر الطبية البيطرية وتأمين الخدمات الأساسية المقدمة للمربين.
وفي هذا السياق، كشف الدكتور مجدي حسن، النقيب العام للأطباء البيطريين، عن احتياج منظومة الطب البيطري إلى ما لا يقل عن 75 ألف طبيب بيطري لتغطية الاحتياجات الفعلية لمختلف مفاصل الجمهورية، محذرا من أن نحو 90% من الوحدات البيطرية تعاني غياب الأطباء أو نقص الكوادر اللازمة لتشغيلها، إلى جانب عمل المجازر بنحو 15% فقط من احتياجاتها المقدرة من الأطباء، وهو ما يستدعي إعادة تنظيم المنظومة وتطويرها بما يتناسب مع دورها الأساسي في حماية صحة المواطنين ودعم الإنتاج الحيواني.
وأكد حسن أن تطوير الطب البيطري، وإعادة تنظيم اختصاصاته، ورفع كفاءة العاملين به، يجب أن يكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة، خاصة مع الاستعداد لانعقاد «منتدى مصر 2026» الذي يناقش عددا من القضايا المرتبطة بصحة المواطن وجودة الخدمات المقدمة إليه وتحديد أولويات التنمية، وشدد على أن الحديث عن تطوير صحة الإنسان لا يمكن أن ينفصل عن تطوير الطب البيطري، في إطار مفهوم «الصحة الواحدة» الذي يقوم على الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، مؤكدا أن الطبيب البيطري يؤدي دورا أساسيا في الوقاية من الأمراض المشتركة، والرقابة على الأغذية ذات الأصل الحيواني، ومتابعة الأمراض الوبائية، وحماية الإنتاج الحيواني الذي يمثل أحد مصادر الأمن الغذائي والدخل لقطاعات واسعة من المواطنين.
75 ألف طبيب بيطري.. الاحتياجات الفعلية للمنظومة
وقال النقيب إن الأعداد التي يجري الحديث عنها في ملف الاستعانة بالأطباء البيطريين، والتي تبلغ نحو 4700 طبيب، لا تكفي لتلبية الاحتياجات الفعلية للمنظومة، وأضاف أن النقابة تقدر الظروف المالية للدولة، وتدرك أن هناك أولويات متعددة تتنافس على الموارد المتاحة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن توفير الكوادر البيطرية اللازمة ليس مجرد مطلب مهني للأطباء، وإنما هو ضرورة حتمية لحماية صحة المواطنين وتأمين الغذاء والحفاظ على الثروة الحيوانية.
وأوضح أن تقدير النقابة للاحتياجات الفعلية يصل إلى 75 ألف طبيب بيطري على الأقل، موزعين على مختلف مفاصل المنظومة في الجمهورية، بما يشمل الوحدات البيطرية والمجازر وأجهزة الرقابة والخدمات البيطرية والقطاعات المرتبطة بالإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وأشار إلى أن سد العجز لا يرتبط بالتعيينات الحكومية وحدها، بل يتطلب خطة متكاملة لإعادة توزيع الأطباء وفق الاحتياجات الفعلية، والاستفادة من الخريجين، وتطوير الوحدات البيطرية، وفتح مسارات عمل جديدة أمام الشباب، مع الحفاظ على الدور الرقابي للدولة وضمان وصول الخدمات البيطرية إلى المربين.
200 مرض مشترك.. ودور وقائي خطير للصحة العامة
وأكد نقيب الأطباء البيطريين أن أهمية المنظومة تتجاوز تقديم الخدمات العلاجية للحيوانات، إذ ترتبط بصورة مباشرة بصحة الإنسان والوقاية من الأمراض المشتركة، لافتا إلى أن هناك أكثر من 200 مرض يمكن أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان، وهو ما يجعل وجود أطباء بيطريين بأعداد كافية في مواقع العمل المختلفة ضرورة وقائية وصحية.
وأوضح أن من أبرز هذه الأمراض السل البقري، ومرض الإجهاض المعدي الذي يمثل خطرا جسيما على صحة الإنسان (ويسبب العقم للرجال والإجهاض الفوري للحوامل)، إلى جانب مرض السعار المرتبط بالتعامل مع الحيوانات المصابة، وأضاف أن عددا من الأمراض الوافدة والناشئة يرتبط بمصادر حيوانية، وهو ما يبرز أهمية الاكتشاف المبكر للأمراض ومتابعة انتشارها، وتوفير الإمكانات اللازمة للأطباء البيطريين للقيام بمهام الرصد والوقاية والاستجابة السريعة.
وأشار إلى أن سلامة الغذاء تمثل أحد المجالات الرئيسية التي تتطلب تعزيز الوجود البيطري، خاصة في المطاعم والمنشآت الغذائية والمجازر ومواقع تداول المنتجات ذات الأصل الحيواني، موضحا أن أي قصور في الرقابة قد يترتب عليه ضرر مباشر بصحة المواطنين، فضلا عن خسائر اقتصادية محتملة تمس قطاعات أخرى، ومنها قطاع السياحة، وشدد حسن على أن مصر تمتلك تاريخا طويلا في مجال الطب البيطري، وأن الحفاظ على مكانتها يتطلب تطوير المنظومة بما يواكب المعايير والتجارب الدولية، والاستفادة من الكفاءات العلمية، وتوفير الموارد البشرية والفنية التي تمكن الأطباء من أداء مهامهم بكفاءة.
المجازر تعمل بـ15%.. وعجز حاد في الوحدات البيطرية
وحذر نقيب الأطباء البيطريين من نقص أعداد الأطباء في المجازر، موضحا أن الطاقة البشرية المتاحة، وفقا لتقديرات النقابة، لا تتجاوز نحو 15% من العدد المفترض لتشغيل هذه المنشآت بالكفاءة المطلوبة، وأشار إلى أن المجزر الذي يحتاج، على سبيل المثال، إلى 10 أطباء بيطريين قد لا يتوافر به سوى طبيب أو طبيبين وفقا لحجم العجز، وهو ما يستدعي مراجعة أعداد العاملين وتوزيعهم وفق احتياجات كل منشأة وطبيعة العمل بها، وأوضح أن خطورة هذا العجز ترتبط بمسؤولية الأطباء البيطريين عن فحص اللحوم والرقابة على سلامتها، بما يسهم في الحد من انتقال الأمراض إلى الإنسان، مؤكدا أن توفير العدد المناسب من الأطباء داخل المجازر يمثل جزءا أساسيا من منظومة حماية الصحة العامة.
وأضاف أن العجز لا يقتصر على المجازر، بل يمتد إلى الوحدات البيطرية في المحافظات، التي أنشئت لتقديم الخدمات والإرشاد البيطري للمربين، خاصة صغار المربين الذين يعتمدون على تربية الأبقار والجاموس والدواجن وغيرها من مصادر الإنتاج الحيواني لتوفير الغذاء وتحقيق دخل لأسرهم، ولفت إلى أن صغار المربين كانوا يمثلون، وفق تقديراته، نحو 80% إلى 85% من نشاط التربية، بينما تراجعت نسبتهم إلى نحو 60% حاليا، محذرا من أن تراجع الخدمات البيطرية المقدمة إليهم يهدد استمرارية هذا النشاط، ويؤثر على مساهمته في الإنتاج المحلي والأمن الغذائي.
وأكد أن التربية المنزلية والأنشطة الصغيرة تمثل مصدر دخل مهما لعدد كبير من الأسر الريفية، وأن الحفاظ عليها يتطلب توفير طبيب بيطري قادر على تقديم الإرشاد العلمي، ومتابعة الحالة الصحية للحيوانات، ومساعدة المربي على تحسين الإنتاجية والوقاية من الأمراض.
90% من الوحدات البيطرية تفتقر للأطباء والإمكانات
وقال حسن إن نحو 90% من الوحدات البيطرية تعاني من غياب الأطباء أو عدم توافر العدد الكافي من العاملين، إلى جانب نقص الإمكانات المالية والتجهيزات اللازمة لتطوير الخدمات بصورة منتظمة، وأوضح أن هذه الوحدات كانت تؤدي دورا أوسع في السابق من خلال توفير الأدوية وإجراء العمليات البسيطة وتقديم الدعم الفني، إلا أن تراجع الموارد أدى إلى تراجع قدرتها.
وأضاف أن الوحدة البيطرية تمثل نقطة إنذار مبكر لرصد ظهور الأمراض والأوبئة الحيوانية (مثل مرض الحمى القلاعية) داخل القرى والمناطق الريفية، بما يتيح سرعة الإبلاغ والتدخل قبل اتساع نطاق انتشار المرض، وضرب مثلا بأن سرعة اكتشاف الأمراض والتعامل معها مبكرا تساعد على تحسين نتائج المكافحة وتقليل الخسائر.
وكشف حسن عن طرح النقابة مقترحا على وزير الزراعة، يقوم على إتاحة الوحدات البيطرية غير المستغلة أو التي تحتاج إلى إعادة تشغيل أمام مجموعات من الأطباء البيطريين الشباب، من خلال نظام إيجار منظم يخضع للضوابط والرقابة، وأوضح أن المقترح يسمح باشتراك مجموعة من 6 أو 7 أطباء بيطريين في تشغيل الوحدة، مع الاستفادة من التمويل والقروض المتاحة عبر الجهات المصرفية المختصة، لتأسيس نشاط مهني، وتوفير فرص عمل، وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة.
38 كلية طب بيطري تخرج 6 آلاف طبيب سنويا
وفي ملف التعليم، انتقد نقيب الأطباء البيطريين التوسع في أعداد كليات الطب البيطري دون ربط كاف بين الطاقة الاستيعابية للجامعات واحتياجات سوق العمل، موضحا أن مصر تضم حاليا نحو 38 كلية للطب البيطري، تخرج قرابة 6 آلاف طبيب سنويا، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 8 آلاف خلال السنوات المقبلة.
وقال إن هذه الأعداد تتجاوز قدرة سوق العمل على الاستيعاب في ظل استمرار وقف التعيينات الحكومية، الأمر الذي يدفع الخريجين للعمل في مجالات أخرى أو السفر للخارج، وشدد على ضرورة أن يراجع المجلس الأعلى للجامعات أعداد الكليات والطلاب، وربط خطط القبول بالاحتياجات الفعلية، مع الاهتمام بجودة التعليم والتدريب، وأكد أن كليات الطب البيطري يجب أن يتوافر بها مستشفى جامعي أو تعليمي ملحق بها لتدريب الطلاب على التشخيص والجراحة، مشيرا إلى أن غياب التدريب السريري الكافي ينعكس على كفاءة الخريج.
وفي ذات السياق، طالب النقيب بضرورة إقرار سنة الامتياز (السنة التدريبية) للطلاب مع توفير اعتماد ومكافأة مالية شهرية لهم وإعفائهم من المصروفات خلال سنة التدريب، مساواة بزملائهم في كليات الطب البشري وطب الأسنان.
وقف التعيينات لأكثر من 20 عاما.. وضرورة إعادة الهيكلة الوظيفية
وأوضح نقيب الأطباء البيطريين أن وقف التعيينات الحكومية على مدار أكثر من 20 عاما أسهم في اتساع الفجوة بين أعداد الخريجين والاحتياجات الفعلية للمنظومة، وأكد أن التعامل مع ملف العمالة الحكومية يجب أن يقوم على تحديد الاحتياجات الفعلية لكل جهة وتخصص، وليس على خفض أعداد العاملين بصورة عامة.
وقال إن المطلوب هو إعادة دراسة الهيكل الوظيفي للوزارات والجهات الحكومية، وتحديد العدد اللازم من كل تخصص، ووضع خريطة واضحة للوظائف والمهارات المطلوبة بالتنسيق بين الجهات الإدارية ووزارة التعليم العالي، بما يستهدف رفع كفاءة الأداء وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، وليس مجرد تقليل النفقات.
إعادة تنظيم تبعية الطب البيطري بين الزراعة والصحة والحكم المحلي
وفيما يتعلق بالهيكل الإداري للمنظومة، أكد حسن أن تعدد جهات الإشراف على الخدمات البيطرية بين وزارة الزراعة، ووزارة الصحة، والحكم المحلي يتطلب إعادة تنظيم وتحديدا واضحا للمسؤوليات، وأوضح أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية تتبع وزارة الزراعة، بينما تخضع بعض المديريات لترتيبات محلية، والمجازر ترتبط إداريا بالمحليات وفنيا بالجهات البيطرية، وهو ما يؤدي إلى تداخل المسؤوليات وصعوبة التنسيق.
وشدد على ضرورة دراسة تجميع الإدارة الفنية والإدارية للمنظومة البيطرية ضمن إطار أكثر تكاملا، يضمن وضوح خطوط المسؤولية، ويحاسب الجهات المقصرة، مع تعزيز الربط بين خدمات الطب البيطري ومنظومة صحة الإنسان وحماية البيئة.
خريطة طريق للطب البيطرى في «منتدى مصر 2026»
وأكد نقيب الأطباء البيطريين أن الاستعدادات ل «منتدى مصر 2026» تتيح فرصة مهمة لطرح الملفات التي ترتبط مباشرة بصحة المواطن وجودة الخدمات، وفي مقدمتها تطوير منظومة الطب البيطري كأحد المكونات الأساسية للصحة العامة والأمن الغذائي. لافتا إلى أن النقابة ستدخل جلسات المنتدى حاملة هذه المطالب والمحاور كخريطة طريق وإنقاذ وطنية، تتمثل في:
1. تبني خطة شاملة لتطوير منظومة الطب البيطري بالكامل ورفع كفاءة بنيتها التحتية.
2. الفتح الفوري لملف تعيين الأطباء البيطريين لسد العجز الصارخ في المجازر والوحدات البيطرية لحماية صحة المواطنين.
3. إعادة توحيد وهيكلة المنظومة البيطرية تحت مظلة إدارية وفنية موحدة لمنع التضارب وتفتيت المسؤولية بين الوزارات.
4. التفعيل العاجل لمبادرة تأجير الوحدات البيطرية المغلقة لشباب الأطباء بتمويل ميسر من بنك التنمية الزراعي.
5. إعادة ضبط أعداد المقبولين بكليات الطب البيطري وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية، مع إقرار سنة الامتياز والمستشفيات التعليمية.