رفعت جبر

من الرقائق إلى الذهب.. كيف تعيد الصين رسم خريطة الاقتصاد العالمي.. وما فرص مصر؟

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 09:18 م


يشهد العالم تحولات متسارعة في موازين التكنولوجيا والاقتصاد والتمويل، تقودها تطورات متلاحقة في الصين، التي تعمل على تعزيز قدراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، وأنظمة الدفع العابرة للحدود. ولم تعد المنافسة الاقتصادية الدولية تقتصر على حجم الإنتاج أو القدرة على التصدير، بل امتدت لتشمل امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير البنية المالية، وبناء منظومات صناعية ورقمية متكاملة.

وفي هذا السياق، تبرز ملامح مرحلة جديدة من التحول الصناعي الصيني، تتجاوز أنماط التصنيع التقليدية إلى تطوير المنتجات عالية التقنية، وتوسيع القدرات البحثية، وتعزيز الاستقلال المالي والتكنولوجي. وتفتح هذه التحولات المجال أمام إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الدولية، وتمنح الدول الشريكة فرصًا جديدة للاستفادة من التكنولوجيا والاستثمار والتجارة.

ومع التقارب المتزايد بين النماذج الصينية والأمريكية في بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتوسع في استخدام نظام المدفوعات العابرة للحدود الصيني (CIPS)، تزداد أهمية دراسة الأدوات التي تعتمد عليها بكين لتعزيز حضورها الاقتصادي، واستكشاف الفرص التي يمكن أن تتيحها هذه التحولات للاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها مصر.

 

أولًا: استراتيجية الصين لتعزيز الاستقلال المالي والتكنولوجي

تستند التحركات الصينية إلى مجموعة من المحاور المترابطة، التي تجمع بين تطوير المنظومة المالية، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع القاعدة الصناعية، وبناء بنية رقمية قادرة على دعم النمو الاقتصادي طويل الأجل.

 

1. الاستقلال المالي وتطوير منظومة المدفوعات الدولية

تعمل الصين على تعزيز دور عملتها الوطنية في التجارة الدولية، بالتوازي مع تنويع احتياطياتها من الأصول، وتطوير قنوات التسوية المالية العابرة للحدود.

ويأتي نظام المدفوعات بين البنوك العابرة للحدود (CIPS) ضمن الأدوات الرئيسية في هذه الاستراتيجية، إذ يتيح للمؤسسات المالية المشاركة إجراء تحويلات وتسويات باليوان الصيني، بما يدعم استخدام العملة الصينية في التجارة والاستثمار الدوليين.

وتتكامل هذه المنظومة مع أسواق الذهب الصينية، وفي مقدمتها بورصتا شنغهاي وهونج كونج، اللتان تمثلان جزءًا من البنية المالية التي تدعم تداول الذهب وتسعيره وتوسيع التعاملات المرتبطة بالأصول المقومة باليوان.

ويعكس هذا التوجه سعي الصين إلى تنويع أدواتها المالية وتعزيز دور اليوان في المعاملات الدولية، كما يتيح للدول التي تربطها علاقات تجارية واسعة ببكين دراسة خيارات إضافية لتسوية المدفوعات وتقليل تكاليف التحويل ومخاطر تقلبات العملات.

 

2. البحث العلمي والتقدم في أشباه الموصلات

تولي الصين أهمية متزايدة لتطوير قدراتها المحلية في مجال أشباه الموصلات، باعتبارها مكونًا أساسيًا في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والاتصالات، والسيارات الكهربائية، والصناعات الدفاعية والمدنية.

وفي هذا الإطار، تتقدم شركات صينية، من بينها هواوي (Huawei)، في تطوير معالجات ومنظومات حوسبة متخصصة، بينما تعمل شركة «سي إكس إم تي» (CXMT) على توسيع قدراتها في إنتاج ذاكرات أشباه الموصلات، بما يدعم بناء قاعدة صناعية محلية أكثر تكاملًا.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توسيع الاستثمارات في البحث والتطوير، وربط الجامعات بالمؤسسات الصناعية، وتعزيز حماية الملكية الفكرية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات قابلة للتصنيع والتسويق.

ويقدم هذا المسار نموذجًا مهمًا للدول الساعية إلى تطوير صناعاتها التكنولوجية، إذ يوضح أهمية الانتقال من الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية إلى بناء المعرفة الهندسية والقدرات الإنتاجية، مع توجيه البحث العلمي نحو احتياجات الاقتصاد والصناعة.

 

3. التحول الصناعي وتكامل سلاسل الإمداد

تمثل الصناعات المتقدمة أحد أبرز محاور التطور الاقتصادي الصيني، خصوصًا في مجالات البطاريات، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، والأنظمة الذكية.

وقد أسهمت الاستثمارات الصناعية والبحثية في تعزيز موقع الصين داخل سلاسل الإمداد العالمية لهذه القطاعات، إلى جانب توسيع قاعدة الشركات القادرة على تطوير المنتجات وتحسين كفاءتها وخفض تكاليف إنتاجها.

ولا يقتصر أثر هذا التطور على السوق الصينية، بل يمتد إلى الأسواق الدولية من خلال التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا، ويفتح المجال أمام شراكات صناعية تستفيد فيها الدول الأخرى من الخبرات الصينية، مع تطوير قدراتها المحلية.

وتبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى الاقتصادات التي تسعى إلى جذب الاستثمارات الصناعية، وتوطين مراحل الإنتاج، وتوفير فرص عمل متخصصة، وتعزيز قدرتها على التصدير.

 

4. السيادة الرقمية وتطوير المنظومات البرمجية

تعمل الصين على تطوير منظومة رقمية متكاملة تشمل أنظمة التشغيل، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للاتصالات.

ويهدف هذا التوجه إلى تنويع الخيارات التكنولوجية المتاحة للمؤسسات، وتعزيز حماية البيانات، وتطوير حلول تتوافق مع احتياجات السوق المحلية، إلى جانب توسيع حضور الشركات الصينية في الأسواق الدولية.

كما يتيح التعاون بين الشركات والمؤسسات البحثية الصينية ونظيراتها في الدول الشريكة فرصًا لتطوير تطبيقات رقمية تناسب قطاعات الصناعة والتعليم والخدمات الحكومية.

ويمكن أن تستفيد الدول النامية من هذه التجارب في بناء منظومات رقمية أكثر تنوعًا، بشرط تقييم الحلول المتاحة وفق معايير الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والتوافق التقني، والتكلفة الإجمالية للتشغيل، بما يضمن اختيار البدائل الأنسب للاحتياجات الوطنية.

 

ثانيًا: المعادلة المصرية.. كيف تستفيد القاهرة من التجربة الصينية؟

تتيح العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية فرصًا لتوسيع التعاون في الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة. كما يفتح انضمام مصر إلى مجموعة بريكس مجالًا أوسع للحوار الاقتصادي مع الصين وعدد من الاقتصادات الكبرى والناشئة.

غير أن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب مستدامة يتطلب استراتيجية مصرية واضحة، تربط التعاون الدولي بتطوير القدرات المحلية، وتحدد القطاعات ذات الأولوية، وتضع أهدافًا قابلة للقياس لنقل التكنولوجيا وزيادة الإنتاج والتصدير.

1. إعادة توجيه البحث العلمي نحو احتياجات الصناعة
تحتاج الجامعات والمراكز البحثية المصرية إلى تعزيز الصلة بين الأبحاث العلمية واحتياجات الاقتصاد الوطني، بحيث لا يقتصر تقييم النشاط البحثي على عدد الأبحاث المنشورة، بل يمتد إلى قدرته على تقديم حلول للمشكلات الصناعية والزراعية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، يمكن دراسة إنشاء قاعدة وطنية للمعرفة والابتكارات الصناعية، تتضمن نتائج الأبحاث القابلة للتطبيق، وبراءات الاختراع، والتقنيات التي يمكن تحويلها إلى منتجات وخدمات، مع وضع آليات واضحة لحماية حقوق الباحثين والجامعات والشركات.

ويمكن توجيه جانب من هذه الجهود إلى مجالات ذات أهمية استراتيجية، مثل تصميم الإلكترونيات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة، والزراعة الذكية، والتكنولوجيا الحيوية، وإدارة المياه.

كما يمكن توسيع التعاون مع الجامعات الصينية ومراكزها البحثية من خلال برامج مشتركة للتطوير والاختبار والتصنيع، وإنشاء حاضنات ومراكز ابتكار تساعد على تحويل نتائج البحث العلمي إلى مشروعات اقتصادية.

ويظل نجاح هذه الخطوة مرتبطًا بوجود تمويل مستدام، وحوافز للباحثين، وشراكات مع القطاع الخاص، وآليات تضمن انتقال المعرفة من المختبرات إلى خطوط الإنتاج.

 

2. توسيع التعاون المالي واستخدام العملات الوطنية

يمكن لمصر دراسة توسيع تسوية جزء من معاملاتها التجارية مع الصين بالعملات الوطنية، وفقًا لهيكل الواردات والصادرات، وتوافر السيولة بالعملات المستخدمة، وتكلفة التحويل، ومخاطر تقلب أسعار الصرف.

كما يمكن بحث سبل استفادة المؤسسات المالية المصرية من البنية التحتية للمدفوعات العابرة للحدود، بما في ذلك نظام CIPS، وفقًا للمتطلبات التنظيمية والفنية، واتفاقات البنوك المشاركة، والضوابط المعمول بها.

وقد يساعد تنويع وسائل تسوية التجارة على تحسين إدارة المدفوعات في بعض المعاملات، لكنه يتطلب دراسة دقيقة للتوازن التجاري بين البلدين، وحجم الإيرادات المتاحة باليوان، وتكاليف الاحتفاظ بالأرصدة واستخدامها.

ومن ثم، فإن الهدف ليس استبدال عملة بأخرى بصورة شاملة، وإنما بناء منظومة أكثر مرونة لإدارة التجارة الخارجية، تستند إلى حسابات اقتصادية واضحة وتقييم مستمر للمخاطر والعوائد.

 

3. إنشاء منطقة صناعية وتكنولوجية متقدمة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس

تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى الفرص المهمة لتعزيز التعاون الصناعي المصري الصيني، بالنظر إلى موقعها الجغرافي واتصالها بالممرات البحرية والأسواق الإقليمية والدولية.

ويمكن دراسة استقطاب استثمارات صينية جديدة في الصناعات الإلكترونية، وتجميع الأجهزة، وتصنيع مكونات البطاريات، ومعدات الطاقة المتجددة، والأنظمة الصناعية الذكية.

كما يمكن بحث إمكانية توطين بعض مراحل صناعة أشباه الموصلات، مثل تجميع الرقائق واختبارها وتغليفها، وفقًا للجدوى الاقتصادية، وتوافر الكفاءات الفنية، والبنية التحتية المطلوبة، وحجم الطلب المتوقع.

ويمكن أن تسهم هذه المشروعات في تعزيز القيمة المضافة المحلية، وتطوير المهارات الهندسية، وتوفير فرص عمل متخصصة، وزيادة الصادرات المصرية إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

ويتطلب تحقيق هذه الأهداف وضع برامج واضحة لنقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة، ورفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا، إلى جانب توفير حوافز استثمارية مرتبطة بالأداء الفعلي للمشروعات.

 

4. بناء منظومة مصرية للسيادة الرقمية

تحتاج المؤسسات الحكومية والتعليمية والاقتصادية في مصر إلى تطوير استراتيجيات متكاملة للتحول الرقمي، توازن بين أمن المعلومات، وكفاءة التشغيل، والتكلفة، واستمرارية الخدمات.

ويمكن أن يشمل ذلك دراسة استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر، وتطوير مراكز البيانات والحوسبة السحابية، وتنويع مزودي الخدمات الرقمية، والاستفادة من الحلول الصينية وغيرها من الحلول الدولية وفقًا لمعايير فنية وأمنية موحدة.

كما تبرز أهمية بناء قدرات مصرية في تطوير البرمجيات، وإدارة البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، بما يضمن ألا يقتصر التحول الرقمي على شراء التكنولوجيا، بل يمتد إلى امتلاك الخبرة اللازمة لتشغيلها وتطويرها وصيانتها.

ويجب أن يستند اختيار الأنظمة والتطبيقات إلى تقييم مستقل لمستويات الأمان والاعتمادية، وقابلية نقل البيانات، والتوافق مع الأنظمة القائمة، وحماية الخصوصية، مع تجنب الاعتماد غير المدروس على مورد واحد، أيًا كانت جنسيته.

شراكة تكنولوجية تفتح آفاقًا جديدة أمام مصر
تعكس التجربة الصينية أهمية الجمع بين التخطيط الصناعي، والاستثمار في البحث العلمي، وتطوير التكنولوجيا، وتوسيع البنية المالية والرقمية، ضمن رؤية طويلة الأجل لتعزيز القدرات الاقتصادية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن الاستفادة من هذا التحول لا ينبغي أن تقتصر على توسيع استيراد المنتجات الصينية، بل يمكن أن تمتد إلى بناء شراكات إنتاجية وبحثية، وتطوير المهارات المحلية، وتوطين مراحل مختارة من الصناعات المتقدمة، وتعزيز القدرة على التصدير.
وتتطلب هذه الرؤية تحديد أولويات واضحة للتعاون، وربط الحوافز الاستثمارية بنقل المعرفة وزيادة القيمة المضافة، وتطوير الجامعات ومراكز البحث، وتقييم خيارات التعاون المالي والرقمي وفقًا للمصلحة الاقتصادية المصرية.

ومن خلال هذه المقاربة، يمكن لمصر أن تعزز موقعها بوصفها مركزًا إقليميًا للصناعة والخدمات التكنولوجية، وأن تحول علاقاتها الاقتصادية مع الصين إلى فرصة لبناء قدرات وطنية مستدامة، بما يدعم تنافسية الاقتصاد المصري ويعزز حضوره في الأسواق الإقليمية والدولية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة